آه يا زمن

 قصة بقلم: د. نـبـيـه القــاسم

من مجموعة قصص بعنوان "آه يا زمن"

 

عبثاً أحاول إدارة مقود السيارة ومتابعة السفر، السيارات تمرّ الواحدة تلو الأخرى يقودها شباب صغار يتفجرون شباباً وحيوية وثقة بالنفس. كل سيارة يُرفرف فوقها علم. فهذا الأسبوع سيحتفلون بمرور سبعة وأربعين عاماً على قيام الدولة. وأينما تذهب وتُسافر تواجهك الأعلام المرفرفة فوق السيارات. على مداخل الحوانيت. في شوارع المدن على سطوح المؤسسات الرسمية.

أتابع السيارات المارّة المزينة بالأعلام وأعود إلى البعيد أيام كانت المعلّمة توزّع علينا الأعلام قائلة:

- كل واحد يمسك العلم هكذا.. وعندما يمر حضرة الحاكم العسكري يهز كلّ منكم يده بالعلم ليُحيي الضيف، أسمعتم يا شاطرين؟ هكذا تهزّون أيديكم بالعلم..

وأقاطع المعلّمة قائلاً:

-       بس أبوي بقولّي هذا مش علمنا!!

وتنظر إليّ المعلمة فزعَة وتُهدّد بتحريك إصبعها:

-       إنتِ بَلا كُثُر غَلَبِه.. لِسانك بَقُصّه.. أُسكتْ ما تِحْكيش.

وأصمتْ.. وعندما يمرّ الحاكم برفقة رئيس المجلس وشيوخ البلدة أتابع خطواتهم المُثيرة للضحك ولا أحرّك يدي كما طلبت المعلمة.

 

أخيراً أستطيع تحريك المقود ودفع السيارة إلى وسط الشارع. وفجأة يسألني إبني الصغير:

-       يابا إنتِ ليه بْتِشْترِليش عَلَم وبِتْحُطِّش واحد على السيارة مثل الكلّ؟؟

لم أتوقّع مثل هذا السؤال.. ولم يحدث أن سألني أحد من إخوته الأكبر سنّاً في سنوات مضت..

-       أيْوَه بَشْتريلَك ليش لأ!

وابتسم وجهُ صغيري.. وأخذ يحثّني على الإسراع بالشّراء..

وقفتُ أمام دكّان الرفيق شحادة وقلت لابني:

-       إنزل وقول لعمّك شحادة يـبـيعك علَم..

نظر إليّ الصغير بعينين مُتسائلتين وقال:

-       يابا.. عمّي شحادة بِبِعِش أعلام.. عمّي محمد بِبيع؟

قُلتُ ضاحكاً: وعمّك شحادة صار يـبـيع أيضاً..

ونزل من السيارة بسرعة ودخل إلى الدكان وأنا خلف مقود السيارة في مواجهة الرفيق شحادة الذي نظر إلى صغيري وضاحكه قائلاً:

-       قول لأبوك عمّي شحادة بِبِعش اعلام..

وضحكنا بينما الصغير انفجر بنوبة من البكاء وهو يُردّد:

-       ليش ضحِكِت علي.. شو أنا مَضْحَكه..

وحاولت جاهداً تخفيف حزنه وإقناعه بالدخول إلى السيارة..

السيارة تنساب بهدوء فوق الشارع.. وصغيري ينـتحب في المقعد الخلفي ويرفض النظر إليّ..

*     *     *

- ما الذي حدث؟ وكيف حدث كلّ هذا..! وإلام النهاية!؟

بالأمس عندما عدت إلى البيت كان الأولاد يتحلّقون حول التلفزيون، يُتابعون المباراة الرياضيّة بين فريق مكابي وفريق بولندا.. ولأنني لا أحبّ الرياضة تركتهم وجلست بعيداً أقرأ في الجريدة اليومية.. أصوات ضجيجهم الفرحة كانت تعلو كلّما نجح فريق مكابي في إدخال الكرة في مرمى الفريق البولندي.. بينما كان الحزن يسيطر عليهم والشتائم تقذف من أفواههم إذا ما حدث العكس.. وانتهت المباراة بفوز الفريق البولندي وبمأتم كبير في بيتنا بسبب خسارة فريق مكابي.

وبمداعبة حاولتُ سؤالهم..

-       ما النتائج؟؟

وصمتوا لفترة.. ثم قال أوسطهم:

-       أربعة لفريق بولندا مقابل ثلاثة لمكابي..

وبإثارة مقصودة قُلت: بس أربعة..؟

وصاح أولادي الأربعة معاً:

-       أُخرى هاي سياسه.. لازم مكابي تِغلب.. مكابي أحسن فريق..

 

وعدتُ بذكرياتي إلى تلك الأمسية المُثيرة أيام دراستي في الجامعة.. كانت المباريات الأولومبية على أشدّها.. والطلاب يتجنّدون لمتابعة المباريات في قاعة مسكن الطلبة حيث يوجد جهاز تلفزيون.. وعندما قُلت لصديقي بأنّني لا أرغب في مشاهدة الرياضة قال بحدّة:

- بل ستراها.. لأنّ مباريات الليلة لها معناها وقيمتها. الليلة سيلتقي الفريق الهولندي مع الفريق الألماني الغربي. وسنهزمهم ونغيظهم.

- وفهمتُ الرمز. في القاعة الكبيرة كان التجمهر كبيراً الطلاب العرب واليهود اليساريون في جهة.. والطلاب اليهود اليمينيون في الجهة المقابلة.

وبدأت المباراة.. وكنت تسمع صخب وتصفيق الطلاب اليمينيين كلّما أحرز الفريق الهولندي فوزاً، وبالمقابل تسمع صخب وتصفيق الطلاب العرب واليهود اليساريين كلّما حقّق الفريق الألماني الغربي فوزاً..

وانتهت المباراة بانتصار الفريق الألماني.. وتوعّد الطلاب اليمينيون الطلاب العرب واليساريين في لقاء الغد بين الفريق الألماني الغربي والفريق الألماني الشرقي..

وفي الليلة الثانية تجمّع الطلاب ثانية في القاعة، وكان صراخ الطلاب اليهود اليمينيين يعلو ويهدر تأييداً للفريق الألماني الغربي.. بينما صراخ الطلاب العرب واليهود اليساريين يعلو ويهدر تأييداً للفريق الألماني الشرقي..

وانتهت المباراة وكادت المصادمات تقع بين الفريقين.

 

-       إنتِ كل شيء عندك سياسة.. طيّب شو يعني إذا اشتريتْلي علَم؟

نبّهتني كلمات صغيري المختلطة بدموعه المنسكبة على وجنـتـيه وهو يفتح باب السيارة ويطرقه خلفه ليدخل إلى البيت دون انتظاري.

*      *      *

حقاً ما الذي حدث.. وكيف حدث؟؟ ومتى؟؟

أُمّة عربية واحدة...!

وحدة، حريّة، إشتراكية..!!

شعبنا شعب حي، دمّه ما بصير مَيّ..!

المارد العربي خرج من قمقمه ليكتسح كل العروش والخونة والعملاء..!!

مات عبد الناصر وهو يودّع أمير الكويت.

الجيش المصري يكتسح خط بارليف ويأسر آلاف الجنود الإسرائيليين..

الجيش السوري يحرّر الهضبة السورية ويرفع العَلَم السوري فوق جبل الشيخ.

قطار جويّ من المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل.

الجيش الإسرائيلي يطوّق الجيش الثاني المصري..

الجيش الإسرائيلي يدحر الجيش السوري ويعود ليرفع العلم الإسرائيلي فوق جبل الشيخ.

الإتّحاد السوفييتي يُهدّد.. والولايات المتّحدة تتدخل وتراقب وتحذّر.

الجيش الإسرائيلي يكتسح الجنوب اللبناني.

الجيش العربي السوري مع القوات الكتائبية يحتل مخيّم تل الزعتر.

السادات يخطب في الكنيست الإسرائيلي.. لا حرب بعد الآن..

عزيزي بيجين.. عزيزي كيسنجر..

الجيش الإسرائيلي يحتل الجنوب اللبناني ويُنشئ دُوَيلة سعد حدّاد..

الجيش الإسرائيلي يصل إلى بيروت ويحاصرها..

الجيش العربي السوري يضرب مخيّم تل البارد الذي يتعرّض أيضاً لقصف الجيش الإسرائيلي.

الفلسطينيون يُغادرون بيروت ولبنان على ظهر السفن اليونانية تحت حماية الأسطول الفرنسي.

الشواطئ العربية أقفلت بواباتها أمام الفلسطينيين..

الفلسطينيون يوزَّعون على كل بلاد العالم غير العربية!!

القوات الكتائبيّة تقوم بجريمة ذبح الأهل الفلسطينيين في مخيّمي صبرا وشاتيلا في لبنان.

كل عواصم العالم تشهد مظاهرات صاخبة تستنكر الجريمة عدا العواصم العربية.

غزّة تنـتـفض على المحتل وتُعلنها ثورة حتى النصر.

الطفل الفلسطيني يضرب بالحجر ويُفزع جيش المحتل.

العالم يضحك.. يسخر. والطفل الصامد فوق الأرض يضرب ويقوّض ركنَ المحتل..

الجيش العراقي يحتل الكويت..

العالم المتنوّر يـبكي على مصير الأمير وعائلته ويُقرّر تأديب المعتدي..

قوّات العالم المتنوّر ومعها جنود من الجيش العربي السوري والجيش العربي المصري والجيش العربي السعودي والجيش العربي المغربي.. وكل الجيوش العربية تضرب بقذائفها المُدمّرة بغداد عاصمة التّتار الأغراب..

بغداد تستسلم.. والجيوش العربية تعود منتشية بالنصر مع قوات العالم المتنوّر!

الإتحاد السوفييتي العظيم ينهار ويتفكك وقد انهار قبله معظم المعسكر الإشتراكي.

غزّة هاشم تنـتفض وتُرعب جيش المحتل.

عرفات ورابين معاً في واشنطن "أمّ الدنيا"! "أمّ الأحرار"! "أمّ جميع المظلومين"!

عرفات في غزّة رغم صراخ الأغيار المفزوعين..

العلم الأكبر يخفق.. والعزف الرائع يُسمع، وأنا أبكي.. أبكي.

وأخيراً كان..

وأخيراً يُرفع علم ويُعزَف لحن.. ويَحمل أهلي في الغربة جواز سفر..

يا ذلّ الغربة في كل مطار في العالم..

يا ذلّ الغربة بين الأهل في الوطن القالوا عربي..

يا ذلّ الغربة يا وطني..

وأخيراً أرفع علماً وأعزف لحناً وأحمل جواز سفر..

وأخيراً..

*     *     *

عندما عدت قبل المساء إلى البيت كان عديّ الصغير ينـتـظرني، يلوّح لي بعلم وبسمة المنـتـصر تكسو وجهه الطفولي:

-       شوف يابا ما أحلى هَالعَلم اللّي جَبْلي ايّاه خالي..

وحضنتُ صغيري بحبّ مُتدفّق ومدَدت له يدي بعلم صغير آخر يزهو بأربعة ألوان ساحرة كنت أحتفظ به في السيارة قائلاً:

-       وهذا كمان أحلى..

وضمّ الصغير العلَمَين معاً وراحَ يُقبِّلني، بينما كانت دموعي تنسكب على وجنتيّ.

 

 

"كل العرب 19 أيار 1995"

نسخة للطباعة

 

إقرأ أكثر:

دراسة نقدية حول مجموعة "آه يا زمن" - بقلم: د. عيسى أبو شمسية

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi