عريس الشُّعراء محمد أبو دومة

لماذا تبخلُ مصر عليه بالعلاج؟!

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

كان الشاعر محمد أبو دومه واحدا من عشرات المبدعين المصريين الذين تعرّفتُ عليهم وجالستهم وتبادلت معهم الحديث في الهم الثقافي خلال زياراتي العديدة إلى مصر. ولكنه كان من القليلين الذين تركوا أثرهم عليّ.

 كان لقائي الأول به في شباط عام 1989خلال أيام معرض القاهرة الدولي الحادي والعشرين للكتاب. عندما جمعتنا جلسة جامعة من الحوار حول الشعر والأدب وما تخلل ذلك من طُرَف أدبية ، وكان أبو دومة النجم المتألق بضحكته العالية وكلماته المتدفقة وحضوره الواضح. وكانت، خلال أيام المعرض، لقاءات أخرى متنوعة، وفي كل منها كان أبو دومة المُمَيّزَ بين الحضور.

 وكان آخرُ لقاء لي بمحمد أبو دومه في معرض القاهرة الدولي للكتاب في شباط عام 2004 عندما دُعيتُ للمشاركة في أمسية  مُخصّصة للأدب الفلسطيني ولذكرى شاعرنا توفيق زياد، وكان أبو دومة مَن استقبَلنا في الأمسية ومَن افتتحها وألقى الكلمة الأولى فيها.

 محمد أبو دومه ليس مجرد شاعر وإنما هو الشاعرُ الذي  يمتلكُ المستمعين ويأسرُهم ويشدّهم إلى مُتابعة كلماته الجميلة المُمَوْسَقَة بإيقاعيّة خلابة، ويسحرُهم بجماليّة صوته وقُدرته على ابهارهم حتى إذا ما حلّقوا معه في أجواء الشعر والحبّ والجمال جاءت ضحكتُه القوية ونظراتُه العميقة الحاضنة كلّ الحضور وحركاتُ يديه لتُعيدَ الجميع إلى واقعهم، وليعلو التصفيق الحاد وإظهار الرغبة في المَزيد من الشعر.

 هكذا هو دائما عريسُ الحَفل بطوله الجميل المتناسق وشَعره الأجعد الكثيف وسُمرته الأفريقيّة الساحرة ونظرات عينيه الحادة وصوته الجهوري وضحكته المُجلجلة، يظل سيّد الحَلَبَة في إلقاء الشعر، وإذا ما ترجّل لينزل يحيط به المعجبون والمعجبات من جيل الشباب المتقّد حرارة وحبّا وفتوّة وأملا يمطرونه بالكلمات الدافئة المعبرّة عن اعتزازهم به وتقديرهم له.

 وأثارتني كلماتُ الروائي جمال الغيطاني في العدد الأخير من أخبار الأدب (الأحد 25.2.2007) حول مرض محمد أبو دومه وعدم قيام الدولة المصرية بعلاجه على نفقتها مما دفع بالملك السعودي عبدالله أنْ يتكفّلَ مشكورا بعلاج شاعرنا.

لقد تساءل جمال الغيطاني بصدق: "لماذا يصل إهمالُ شاعر كبير مثل محمد أبو دومه إلى حدّ صدور مَكرُمة من خادم الحرمين بعلاجه؟" و "لماذا لم يتمّ إصدارُ قَرار بعلاجه على حساب الدولة المصرية التي لا ينقصُها نظامُ العلاج المجاني  لأبنائها المبدعين حتى لو كان في الخارج؟!"

 وبحرقة جارحة وحادّة يسأل جمال الغيطاني :" هل لأنّ أبو دومه مُجَرّد من النفوذيّة؟ ! لأنّه أقلّ شهرة من آخرين؟!"

 وسؤالي أنا:

-         هل لا يزال مبدعنا العربي تحت رحمة هذا الحاكم أو ذاك المسؤول ليتكرّم عليه بعَطيّة العلاج إذا ما مرض واحتاج إلى دخول المستشفى وإجراء العمليات؟!

-         وهل سيجدُ كلّ مبدع عربي نفسَه في وضع مُزر يكون فيه الذليلَ على باب السلطان ليترفّقَ به ويمنّ عليه بتكفّل مَصاريف العلاج؟!

 لا أزال أذكر كلمات الكاتب يوسف إدريس التي يشكر فيها الرئيس السادات ومن ثم الرئيس مبارك على المَكرُمة التي قدماها له أثناء مرضه. وكذلك أذكر تلك الأنفة والشهامة والعزّة التي رفض فيها الشاعر أمل دنقل أثناء مرضه كلّ العروض التي تلقاها من شخصيات عربية وفَضّل البقاء في وطنه والمُعالجة في مستشفياتها.

ولكن ليس كل شاعر هو أمل دنقل وليس كل مبدع هو يوسف إدريس. وما يُثير الغرابة والتساؤل هذا الإذلال الخَفيّ المُتَربّص بكلّ مُبدع في مصر وقد يكون في كل الوطن العربي، الإذلال من قبل صاحب الصولجان والسيّد مالك المال الذي إن رضيّ منح وإن غضب منعَ العلاج عن المحتاج حتى يأتيه صاغرا ذليلا مادحا متشكرا.

واليوم نشهد مأساة شاعرنا محمد أبو دومة وتنكر وطنه له ، تنكر مصر التي طالما تغنّى بها وأنشد لأبنائها ورسم لهم أحلامَ الغد . اليوم لا نجد ما نردّده غير كلمات محمد أبو دومه التي يبكي فيها الوضع العربي :

 

لا دجلة دجلة يا مأمون..

ولا بَرَدى يا أبناءَ أميّةَ بَرَدى..!

بينهما حَسَرات وقفَتْ..

لن تتَرقّمَ عدَدا أو تُحصى عَدّا..

واليوم نتذكرُ كلّ المبدعين الذين تنكرّت لهم أوطانُهم التي طالما تغنّوا بها وهتفوا لاستقلالها وتحرّرها وسُؤددها، نتذكر بدر شاكر السيّاب وهو يصرخ بالخليج وينادي عراق يا عراق ولا من مجيب. ونتذكر نجيب سرور الذي شهدت شوارعُ القاهرة تَشرّدَه وضياعَه ولا مَنْ يرحم ويُداوي . ونتذكر الجواهري والبياتي اللذين حرمهما الحاكمُ من جواز سفرهما ومنعهما من العودة للوطن فماتا بعيدا عنه وهما يبكيان ويتحرّقان شَوقا للعراق.

واليوم وقبل فوات الأوان.. علينا كلّنا أنْ نصرخَ في وجه الحكام وأصحاب السلطان والمال والمسؤوليّة في العالم العربي وفي مصر خاصة:

-         كفى انساننا العربي إذلالا وإهانة واحتقارا!

-         كفى صاحب الكلمة في بلادنا استخفافا واستهانة!

-         كفى المبدعين والمفكرين والعلماء في وطننا العربي وفي مصر خاصة تجاهلا واعملوا على حمايتهم من ذلّ الوقوف أمام باب السلطان وأصحاب السطوة والمال تذللا طلبا لمدّ يدِ العَون ساعة المرض الذي لا يرحم أحدا!

-         كفى قبل فوات الأوان..

ولنُردّد كلنا مع الشاعر محمد أبو دومة:

إذا لم تمدُدْ مَدَدا

صِرْنا بَدَدا

صِرْنا بَدَدا

صِرْنا بَدَدا

 

اليوم السابع، مُلحق جريدة كل العرب 2.3.2007

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi