عطاء متميّز لمبدعين أمامهم كلّ المستقبل

 

 د. نـبـيـه القــاسم

شدّتني اللقاءات الثقافية الشبابيّة التي حضرتها في الأشهر الأخيرة بعدد المشاركين من الشابات والشباب، وبالروح المرحة العفويّة والمحبّة الصادقة التي يلمسها الواحد من الآخر، وبهذا العطاء المتنوّع في مختلف الأجناس الأدبية.

وأكثر ما لفت انتباهي اكتفاء المشاركين بأنفسهم وسماع الواحد لما يقرأه الآخر، ورُقيّ الحوارات وتنوّع المواضيع والتعمّق في طرح الأسئلة والأجوبة. وعندما سألت أحدهم: ألا تدعون الجمهور لحضور هذه اللقاءات؟

 قال: نهمنا نوعية الحضور وليس عددهم.

صحيح أنّ بعض المبالغات والتسرّع في إسباغ الألقاب تثير انتباه واحد مثلي، لكنني أتغاضى وأتسامح وأنبّه لخطورة العواقب بما لا يمس أحدا ولا يثقل على مَعنيّ.

أحببت في هؤلاء الأعزاء الصدق في البوح بالمشاعر،  والثقة بالذات  التي يتمتع بها كل واحد،  والانفتاح على سماع كل الآراء حتى ولو لا يقبلون بها. وأكثر ما لفت انتباهي عدم العدائية والرفض لأبناء جيلي، على عكس ما كنّا نلمسه من جيل التسعينيات.

وكان من الطبيعي أن تدفعني هذه اللقاءات  لمتابعة ما يكتبه كل واحد من المبدعين الشباب وتنشره له الصحف المحلية. وأخذت بعض الكتابات تثيرني وتدعوني لترقّب المزيد برويّة وتوقع الأفضل.

أعتقدُ أنّ كثرة الصحف العربية الموزّعة مجانا كل نهاية أسبوع تضايق مَن لا يملك وقته وتلزمه الواجبات الاجتماعية والبيتية والحياتية، خاصة أنّ الكثير ممّا تُسَوّد به الصفحات رَغيُ كلام وإعادة فَبركة أخبار وقصص. لكن هذه الصحف أعطت للمواهب الشابّة المكان للنشر وإيصال ما تكتب للجمهور الواسع. مما دفع بهؤلاء للشعور بمسؤولية ما يكتبون ورغبتهم الدائمة في التطوّر وتقديم الأفضل.

كان الشعر هو الجاذب لمعظم جيل التسعينيات، والتحوّلات السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينيّة التي حدثت وغيّرت وجه العالم تركت بصماتها على إبداعاتهم وفي كثير من الحالات في تصرفاتهم  وعلاقاتهم.

وكما برز من بين جيل التسعينيات العديد من أصحاب الموهبة الذين طوّروا تجربتهم وعمّقوا معرفتهم وساهموا في استمرارية الحركة الثقافية المحليّة، فإن جيل الشباب الحالي، جيل الألفين، حمل المسؤولية بثقة وعزم وإدراك لما يُطلب منه من مَهام.

قد تكون الحاجة لإتقان اللغة كتابة ونطقا، المشكلة الملحة لدى العديد من المبدعين الشباب، لكنها المشكلة التي لازمت العديد أيضا من مُبدعي جيل التسعينيات والثمانينيات وسوف تظل تلازم كلّ الأجيال.

وقبل أسبوعين حضرت في قريتي الرامة أمسية التكريم للشاعر الشعبي ابن قرية إقرث المهَجّرة عوني سبيت وفوجئت بهذا العدد الكبير من شعراء الزّجل، والأكثر مفاجئا أنّ الأغلب من الشباب جيل الألفين، الذين أنشدوا الزجليات المتنوعة بإلقاء أخّاذ وصوت جميل وإتقان كبير. لكن عدم وجود أيّة شابّة بينهم ترك فجوة يجب أن تهتمّ شاباتنا إلى إشغالها وسدّها وذلك بوعي المبدعات إلى أهمية هذا الجنس الأدبي التراثي الهام لتأخذن دورهنّ في المساهمة والعطاء.  

ومقابل هذا الغياب للمبدعات في شعر الزجل نجد وجودهنّ القوي والمتقدم في باقي الأجناس الأدبية، وعلى عكس ما كان حتى الثمانينيات من القرن الماضي حيث كان عدد المبدعات الحقيقيات لا يتعدّى عدد أصابع اليدين فإننا نشهد اليوم العديدات اللاتي تُبدعن في الشعر والقصة والمقالة والتقرير الصحافي وأدب الأطفال والتمثيل والغناء والرسم والدراسة الأكاديمية وتقمن بتقديم البرامج التلفزيونية والإذاعية وغيرها.

أسماء مميّزة من الشباب والشابات جيل الألفين، بدأت تثبت وجودها الأدبي باستمراريّة العطاء ونوعيّته، فمثلا في العطاء الشعري أجد أسماء سامي مهنا ومروان مخول ورانية ارشيد ومنى ظاهر ووفاء عياشي، وبشكل خاص ملفت بين المبدعات آمال رضوان بسلاسة وقوّة وإيقاعيّة لغتها وتشَظّي صورها الشعرية، وناديا علي بالعفويّة والبساطة في تقديم الفكرة ورسم الصورة وإيقاعيّة الحرف.

 وكانت في مجال القصة القصيرة  قصص علاء حليحل مميّزة بتنوعها في المواضيع والأساليب واللغة، وقصص هادي زاهر التي تنقل لنا صورا صادقة من الواقع الذي نعيشه بفنية وقدرة تبشّر بعطاء مستمر، وقصص راوية بربارة التي استطاعت خلال فترة قصيرة التخلّص من رغبة الكتابة السيّالة والنشر السريع والكتابة الأقرب إلى الإنشائية في الكثير من النصوص التي نشرتها في مختلف الصحف، وأن تقدّم لنا نموذجا راقيا من العطاء الأدبي بمجموعة قصصها التي صدرت أخيرا باسم "شقائق الأسيل"، وقصص كل من ميسون أسدي وأنوار سرحان التي تتركّز حتى الآن في القضايا النسائية ووضع المرأة في مجتمعنا العربي، ورغبة الفتاة في الإنطلاق والخروج وممارسة الحرية وإثبات الوجود الذاتي مقابل تحجّر الرجل وإصراره على قهرها وتكبيلها وتهديدها حتى بالقتل إذا ما رفضت سلطته. وقد كانت قصة "الفستان الأحمر" لميسون أسدي (كل العرب 12.9.2007) الصرخة العالية المتهمة للشاب المتظاهر بالتقدمية والرقي والإنفتاح بينما هو في حقيقته يخفي السكين التي يُلوّح بها وتُؤكّد على أنه لا يزال بعقلية المجتمع المتخلف والعادات والتقاليد المتحجرة التي اضطهدت المرأة وحرمتها من أبسط حقوقها الانسانية. ما تجب الإشارة إليه أنّ كلا من ميسون أسدي وأنوار أيوب سرحان بحاجة لصقل التجربة وإتقان اللغة وقراءة النماذج الكثيرة والمتنوعة من القصص التي كتبها كتّاب القصة القصيرة الكبار.

وأذكر أخيرا رشا حلوة في التعليقات والنصوص المختلفة بلغتها الجميلة وفكرها النيّر وجرأتها القويّة.

ما أؤكد عليه دائما في حديثي مع المبدعين والمبدعات الشباب هو افتقاد جيلهم للناقد الذي يرافق إبداعاتهم، رغم أنّ العديد منهم يستطيع أن يقوم بالمهمة، خاصة أنّ بعضهم درس الأدب واللغة في الجامعة وكتب الدراسة الجادّة.

أعرف أن أسماء كثيرة لم أذكرها وذلك لأنّ ما أبغيه هو وقفة سريعة أمام ظاهرة نشاهدها يجب التنبيه إليها ومتابعتها وشدّ أزرها ليشتدّ عودها.

 

صحيفة كل العرب 21.9.2007

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi