حتى لا تخوننا الذاكرة:

عودة إلى مسرحية أدمون شحادة "الخروج من دائرة الضوء الأحمر"

 بقلم: د. نـبـيـه القــاسم

 

 في شهر نيسان 1986 وعن جمعية "الصوت" في الناصرة صدرت مسرحية للشاعر أدمون شحادة باسم "الخروج من دائرة الضوء الأحمر" أثارت النقاش لما طرحته من مواقف سياسية في تلك الفترة الزمنية التي كانت فيها المواقف السياسية والاجتماعية والثقافية حادّة وواضحة. يومها شاركتُ في النقاش ونشرت رأيي. واليوم وأنا أقرأ مسرحية أدمون شحادة الأخيرة "عندما غاب القمر" الصادرة عن قسم الثقافة في وزارة المعارف 2005 تعود بي الذاكرة بغضب وسرعة إلى تلك الفترة الزمنية الحادّة الواضحة الناصعة حيث كان للألوان تميّزها وليس كما هي عليه الآن امتزجت ببعضها وفقَدت تميّزها وخواصها الأساسية. وممّا كتبتُ يومها:

يبدو للقارئ من خلال القراءة السريعة السطحيّة الأولى أنّ الكاتب يُريدُ معالجة قضيّة الحريّة والعدل، وهي قضيّة قديمة عالجها كبار الكتّاب  والمفكرين منذ سوفوكليس مرورا بكل الكتّاب الكبار في العالم، لأنّ قضيّة الحرية والعدل أزليّة رافقَت الانسانَ منذ وجوده على سطح الأرض وسوف تُلازمه إلى ألأبد ولن يجدَ لها الحلّ.

لكنّ القارئ المتأنّي  الباحث بين السطور، وحتى بدون عناء كبير سيكتشف الهدف الحقيقي وراء كتابة هذه المسرحيّة، وهو الهجوم على الحزب الشيوعي وقيادته المُتمثّلة في الشاعر توفيق زيّاد في مدينة الناصرة بشكل خاص، وإبراز الحزب والقيادة بالانحراف عن المبادئ  والتخلّي عن الدور القيادي الثوري للجماهير وإيثار المصالح الذاتيّة على المصالح العامّة. ويروح الكاتب بتجميع كلّ السلبيات الاجتماعيّة والسياسيّة والخُلقيّة ويُلصقها بالحزب وقيادته، ولم يتورّع عن المس بالعرض "ما نتفق عليه بشرف المرأة" الذي اهتمّ العربي على مَدار كلّ التاريخ بالمحافظة عليه والذود عنه.  

يطرح الكاتب في مسرحيته كما ذكرت قضيّة الحرية والعدل، ويُركّز بصورة خاصة على الحرية الفكرية للإنسان، ويُوزّع مسرحيته على ثلاثة فصول ويُمهّد لها بمدخل يطرح أمام المشاهد منذ البداية حدّة القضية وإثارتها للناس.

       يوزّع الفصل الأوّل على مشهدين والثاني على ثلاثة مشاهد والثالث على مشهدين. تختلف مواقع هذه المشاهد لتشمل عدّة مواقع في المدينة التي يُحدّدها في البداية كمكان تجري فيه أحداث المسرحية. والكاتب وإن لم يُحدّد اسم المدينة وموقعها فإنّه أهمل أيضاً تحديد الزمن وإن كان في سياق الأحداث حدّده بهذه السنوات الحاضرة التي نحياها، إذ أكثر من مرّة أشار، على لسان أبطاله، إلى فترة الثلاثين سنة التي مرّت من حياة أهل المدينة. أمّا بالنسبة لشخصيات المسرحية فقد اهتم الكاتب منذ البداية أن يُحدّد موقع كل فرد منهم، وقسّمهم إلى قسمين مُتناقضين لا يمكن التفاهم بينهما، واهتم أن يسحب تقسيمه هذا على كلّ سكان المدينة حتى أنّ المدينة بأهلها تبدو للقارئ ساحة قتال دائمة بين فريقين يستحيل التفاهم بينهما. والكاتب لم يترك شخصيات مسرحيته يتحرّكون بحرية ويعرضون أفكارهم ومواقفهم، وإنما نراه يُقيّدهم ويُحدّد دورَهم، والكلمات التي يتفوّهون بها والأفكار التي تُوجّه سلوكَهم. ولم يكن الكاتب حياديّاً، بل نراه يتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة، وينحازُ بشكل تعسّفي غير مُقنع إلى فريق ضدّ الفريق الثاني، وهذا الموقف المُسبَق، جعل الكاتب يُظهر كلّ السلبيات في الشخصيات التي عاداها ويبرز الايجابيات في الشخصيات التي انحاز إليها. فالحالكم وهو الشخصية الرئيسية في المسرحية يبدو إنساناً انتهازياً جاهلاً مغروراً فاقداً للمشاعر والانسانية والعاطفية، منحرفاً جنسياً، يعيش على تاريخ بائد، ونضال كان، وماض انتهى. ولا يتورّع في سبيل المحافظة على كرسي حكمه من التعسّف والظلم والكذب واهمال بيته وزوجته وتركها فريسة لأوّل رجل يظهر أمامها. والزوجة التي يقول إنها كانت شريكة زوجها في النضال والتاريخ المجيد يُظهرها امرأة سخيفة رضيت بحياة القصور الروتينية لا تفكّر إلاّ بالحبّ والجنس، حتى أنّها في مشهد غير مُقنع بالمرّة تعرضُ جسدها برخص وتفرض على الشاب (الشهم) قضاء ليلة واحدة معها. والكاتب في اختياره لاسم شريفة للزوجة أراد المعنى العكسي. وبجعلها امرأة عاقر أراد أن يلمح بأنّ مثل هذه الشجرة لا تستحق إلاّ القطع والرّمي في النار لأنّها كما يلمح أيضاً تُدمّر الشاب الشهم وتنشر الفساد في المجتمع.

       هذا الموقف المُعادي ينسحب على كبير الوزراء نادر الذي يُظهره على صورة داهية يعرف كيف يُوجّه الحاكم ويتحكّم بالآخرين، أمّا باقي الوزراء فدُمى تتحرّك وتُنفّذ الإرادة السامية بدون تفكير أو اعتراض. وبالمقابل يُسبغ كلّ الصفات الايجابية على وزير الثقافة المُعارض للحاكم، ويُظهره بأنّه صوت الحق وراعي مصالح الشعب والمُنبّه لمخاطر الانزلاق نحو الهاوية، لا يخاف مقولة الحقّ ولا يذل للقمة الخبز أو المنصب، بل يُفضّل الحرية ومصلحة الناس على مصالحه، فيعتزل الوظيفة ويقود الناس ضدّ تعسّف الحاكم. كذلك يفعل مع الشاعر (جميل) فهو الشّاب الشهم الرافض للواقع الذليل المُفضّل الاعتزال وحياة الغابة. لكنّ هذا الموقف سرعان ما يتغيّر عندما يجعله يرضى بخدمة الحاكم وأهل بيته بذُلّ وانكسار. ثم يظهره في شخصيّة الشاب الشّريف الرّافض كلّ اغراءات زوجة الحاكم الجنسية وفقط تحت الضغوط الثقيلة واستغلال ظَرف اعتقال خطيبته يتكرّم ويقبل أن يقضي مع زوجة الحاكم ليلة حمراء. ثمّ يُظهره لنا على صورة الشاعر الثوري المعروف للجماهير والمُدافع عن حقوقها والرّافض للذلّ والخنوع والاستسلام وإن كان الحاكم ومثله زوجة الحاكم لم يسمعا باسمه من قبل ولم يتعرّفا عليه رغم كونه شاعراً ومعروفاً في المدينة بينما أظهر لنا الكاتب أنّ الحاكم لا تَخفى عليه أيّة صغيرة وكبيرة في حدود مدينته، وعيونه موزّعة في كلّ مكان. أليسَ في هذا التناقض ما يُثير التساؤل ويؤكد ما ذهبنا إليه من أنّ الكاتب كان المُوَجّه والمُقيّد لشخصياته ولم يتركها على سجيّتها تنطلق وتقول كما تعوّدنا في مسرحيات شكسبير وبيكت وموليير وبريخت وسوفوكليس وإبسن وحتى في مسرحيات كتّاب الدرجة الثانية والثالثة؟؟

       هذا الرّسم المُسبَق والتّوجيه الحادّ كان مع "صفاء" خطيبة "جميل" التي بدَت في أوّل ظهورها فتاة رقيقة رومانسية تعتني بوالدَيها. وبمشهد درامي غير مُقنع نراها تُلقى بالسجن وتتحوّل إلى فتاة ثائرة مُتمرّدة قويّة تتحدّى الحاكم وجنودَه.. وبموقف أكثر دراميّة وغير مُقنع، تتراجع شخصية الخطيبة المُحبّة الشّفافة لتَظهر بدلاً منها شخصيّة الفتاة المُناضلة المُواجهة للظلم، فلا تنهار أمام مشهد ارتماء خطيبها جثّة هامدة أمامها ولا تذرف الدموع وإنّما تُخاطب الجماهير مُثوّرَة لها مُذكرة أنّ الذي مات وسقط هو شاعرهم البطل!!

       لم يكن الكاتب حيادياً حتى في اختيار الأسماء، بل تعمّد اختيارَها ليُبرزَ تحيّزَه، فقد أطلق اسم "فاضل" على الحاكم و "شريفة" على زوجته و "نادر" على كبير وزرائه. وقد اهتمّ أن يفهم القارئ من هذه الأسماء عكس ما تَعنيه، وأنّ اختيارَه هذا كان بقصد السّخرية وابراز المُفارقة الحادة بين الاسم وحامله. بينما في اختياره لأسماء الجانب الآخر كان قاصداً الإيحاء للقارئ بأنّ هذه الأسماء تعني ما تحمل من معنى. فاسم أعضاء الجماعة المُعارضة للحاكم "جماعة الحبّ والأمل"، والشاعر "جميل" وخطيبته "صفاء". وكأنّي بالكاتب أراد أن يوحي للقارئ بأنّ الطهارة والحب والصفاء والسعادة والأمل مُرتبط بهؤلاء الذين يُطارَدون الآن من قبل ثوريي الأمس، وأنّ المستقبل مضمون لهم وليس للقارئ إلاّ أن يُسرع ويُعلن انحيازَه والتزامَه جانبهم.

       لا شكّ أنّ هذا التخطيط المُسبَق والرسم المُبرمَج للشخصيات قد أفقد المسرحية قدرَتَها على الاقناع، والكاتب قدرته على التلاعب بالأحداث وحوار الشخصيّات وعلاقاتها مع بعضها البعض، ممّا جعل التعابير الجاهزة، والشعارات المحفوظة، والكلمات المعهودة تنطلق على لسان هذه الشخصية أو تلك، وجعل التحوّلات الدرامية المُفاجئة غير المُقنعة تتكرّر وتطغى على المسرحية مثل التحوّل في موقف زوجة الحاكم من جميل، وتحوّل موقف جميل ومثله صفاء وحتى الحاكم.     

     واليوم يُصدر أدمون شحاده نفسه مسرحيّة باسم "عندما غاب القمر" موضّحا أنّها تقف عند محطات في حياة الشاعر القائد المرحوم توفيق زيّاد" ويعرّف " توفيق زيّاد انسان شاعر وأديب معروف ومشهور ورجل سياسة محنّك وزعيم شعبي، رصيده الأدبي كبير ومواقفه السياسية معروفة وموثّقة، وصداها يملأ الآفاق".

   تُرى ما الذي بدّل الأحوال والمواقف والرؤى . وحول المسرحية الجديدة سيكون لنا لقاء.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi