أدونيس والمنفى الأليم وافتقاد الصديق

 د. نـبـيـه القــاسم

 

يبقى أدونيس، أحببنا شعرَه أم رفضناه وقبلنا بآرائه أم عارضناها المثقّف العربي والعالمي الكبير الذي ترك بصماته في الشعر والنثر على الأجيال العديدة.

          وهو في مقالاته التي جمعها في كتابه الجديد "رأس اللغة جسم الصحراء" إصدار (دار الساقي)، يطرح العديد من الآراء والمواقف المختلفة في قضايا لا حصرَ لها.

          يتناول أدونيس مُعاناة الإنسان المثقّف في عصرنا الحاضر وفي العالم العربي بشكل خاص ويرى "أنّ المنفى ليس مسألة جغرافيّة، وإنّما هو مسألة ثقافيّة"، وهذا المنفى الذي حدّده أدونيس هو الذي يعيشُه مثقّفُنا العربي في مواجهته للحاكم والمسؤول ولمَن يدّعون الثقافةَ والمعرفة ويُقرّرون مستقبلَ الأجيال الطّالعة.

          مثل هذه الظاهرة المُخيفة لسنا في مأمَن منها نحن هنا حيث نجدُ أنفسَنا مُحاصَرين بالعدد الهائل والمُتزايد باطّراد من مُدّعي الثقافة والمعرفة والإبداع. فكلّ حامل شهادة، حتى ولو كان مشكوكا في مصداقيّتها ولا عَلاقةَ لها بما يدّعيه، هو مثقّف وعارف ومُبدع ومُوجّه ومُقرّر، وصوته لا يعلوه صوت وحقّه أن يُنافس على كلّ مّنصب وفي كلّ مَجال، فاختلطت المَعايير وتَداخلت التّعريفات ولم يجد المثقف الحقيقي والمُبدع الأصيل له من نجاة وتَطهير غير الإنزواء والمَنفى الذّاتي بَعيدا عن الصّخب والإعلانات الرّخيصة والمُناسبات الفارغة والمُجاملات الكاذبة.

          وصدق أدونيس في رأيه بمدّعي صداقته على مَدار السنين حيث كان تقرّبُهم منه بهدف بلوغ النجوميّة والمهرجانات ونَيل الحظوة، ومع مرور الزمن وتقدّم السن تكشّفت حقائقُ هؤلاء فتوارى معظمهم، وسدّدَ بعضُهم سهامَه نحوَه.

          ومثل هذه الظاهرة موجودة لدينا، فكم من واحد كُنتَ أوّلَ مَن مدّ له يدَ المساعدة وقدّمتَه وفتحتَ له طريقَ النجاح والإبداع وعَرّفتَ به، يَدّعي الصداقةَ ويُبالغُ في إظهار الودّ والمحبّة والصداقة ساعة اللقاء، تتكشّف لك حقيقتُه بمواقفه المُعادية الحاقدة التي لا تجدُ لها تفسيرا إلاّ في علم النفس.

           أدونيس يطرح العديد من المواقف ويُظهر المَرارات التي يُعانيها، في زمن تدهوَرت فيه الأخلاق والقيم الإنسانيّة. إنّه حقّا زمن الرّخص والسطحيّة وأشباه الرّجال وشُحّ المثقفين.

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi