من شعراء الشيعة: الشيخ أحمد رضا

دراسة جديدة للدكتور خالد سنداوي

 د. نـبـيـه القــاسم

تفرّد الدكتور خالد سنداوي بين أكاديميينا العرب في البلاد بدراساته القيمة وأبحاثه المتشعبة حول الشيعة، هذه الدراسات والأبحاث التي لاقت الاهتمام لدى الكثيرين من المهتمين بالشؤون السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الشرق أوسطية.

ما يميز دراسات وأبحاث الدكتور خالد سنداوي أنها تتناول مختلف الجوانب التي تتعلّق بالشيعة، ويعطي لكل حقّه في البحث والتنقيب معتمدا على المصادر العديدة والمتنوعة والجادة التي تتناول الموضوع حتى أصبحت دراساته مصدرا اساسيا عند كل باحث ومهتم بالشؤون الشيعية.

دراسته الأخيرة التي صدرت عن دار ابن بطوطة للنشر والتوزيع في عمان الأردن تتناول حياة وشعر أحد أركان الشيعة في جبل عامل في لبنان هو الشيخ أحمد رضا (1872-1953).

وزّع الدكتور خالد دراستة على ثلاثة أقسام: استهل القسم الأول من الدراسة بتقديم لمحة جغرافية عن جبل عامل واستعرض بإيجاز موفق الحالة السياسية التي عاشها الشيعة في جبل عامل منذ اخضاع العثمانيين الأتراك للبلاد السورية عام 1516م وما تلا ذلك من حكم الأسر الاقطاعية التي كانت تخضع لأمير مقاطعة جبل لبنان من المعنيين ومن ثمّ الشهابيين، وما كان من القضاء على حكم الأسر الإقطاعية بقيام أحمد باشا الجزار والي عكا بضمّ جبل عامل لنفوذه، وتقلب الأحوال السياسية على المنطقة ونجاح إبراهيم باشا عام 1831-1832 باحتلال بلاد الشام وفرض التجنيد على سكان جبل عامل ومحاولة نزع سلاحهم مما أدى إلى قيام الثورات ضدّ الحكم المصري. ثم استعرض الأحداث التي المت بالمنطقة بعد انحسار الاحتلال المصري حتى سقوط البلد في قبضة جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الاولى وإعلان الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا في مؤتمر سان ريمو عام 1920.

       وانتقل ليتناول حياة الشيخ أحمد رضا وتوقف عند محطات حياته المختلفة ونشاطاته المتنوعة في مختلف مجالات الحياة العامة وخاصة السياسية والاجتماعية، واستعرض مؤلفاته المطبوعة منها والتي لا تزال مخطوطة بانتظار النشر.

       أشار الدكتور خالد سنداوي إلى قلّة إبداع الشيخ أحمد رضا في الشعر، وعلّل ذلك "بانشغال الشيخ أكثر في التأليف اللغوي والمعجمي وفي الأبحاث التاريخية والمقالات الصحفية، وأنّ شعر الشيخ أحمد في غالبيته مرتجل ووليد الظروف والمناسبات ولهذا جاء على شكل مقطوعات وقصائد قصيرة، وهو يخلو من نظم المدح والهجاء والفخر، وقد يكون سبب ذلك أن الشيخ تأخر في نظم الشعر إلى سن الرجولة أو سن الشيخوخة، أو أنه بدأ قرض الشعر في سن مبكرة ولكن شعره في هذه الموضوعات ربما قد ضاع ولم يصلنا، أو أن الشاعر قد اخفاه عندما بلغ سنّ الكمال" (ص73).

          ورأى الدكتور خالد أنّ المنجزات العلمية كانت أحد المواضيع المهمة التي تناولها الشيخ أحمد في شعره، وفيها توقّف عند المنجزات العلمية المختلفة وأهمية استفادة العرب منها وواجبهم في المساهمة في إنجازها، وطرح الأفكار التقدمية والجريئة مثل تنكره للمطالع الطللية لأنها أصبحت غير مقبولة ومضرّة: (ص148)

مَربع العلم لا ديار أماما               فيه تستشعر القلوبُ هياما

هو يُقري الأرواح فضلا ونُبلا          وهي تُقري الأجسام منها سُقاما

 

وطالب أبناء قومه بالنهوض من سباتهم واللحاق بركب العلم والحضارة: (ص 152-153)

          نهضوا للعلى على حين أنّنا             ما برحنا عن المعالي نياما

أحسنوا للحجى الوفادةَ لمّا           أن حفظنا للجهل فينا مقاما

فإلى م الهجود والناسُ أيقا            ظ ولماذا القعود والعلم قاما

يا لقومي في م وحتى م نُلقي          أمرنا في يد الهوى استسلاما

إن بقينا والجدّ عنّا قصيّ              فاقرئونا عن المعالي السّلاما

 

وكان الموضوع الوطني بارزا في شعره، فقد تناول مختلف القضايا الوطنية وانتقد اتفاقية سان ريمو بين الانكليز والفرنسيين وهاجم الاستعمار وأكد أنّ همّ المحتل سلب خيرات الشعب وقدراته ولذلك على العرب أن يثوروا وينتزعوا الاستقلال بأيديهم:(ص 120)

فعش حرّا ومُت حرّا كريما         ولا يُدنس حياتَك قطّ حوب

 

وكما هاجم المحتل وحرّض على الثورة فقد هاجم الزعماء الذين لا يهمهم إلا مراكزهم ونفوذهم ومصالحهم ودعا إلى نبذهم ، فالزعيم الحقيقي هو الشفوق  الرحوم الحريص على انهاض الناس من سباتهم والذي يعمل لمصلحة الوطن ويرعى مصالح الناس (ص 160)

وإنّ زعيم القوم مَن كان فيهم       شفيقا رؤوفا لا يبيتُ على وغم

حريصا على إنهاضهم ورُقيّهم          وصولا لذي رحم حَمولا لذي غرم

 إذا لم يكن رأسُ العشيرة حارسا     لأمجادها فالرأسُ أجدر بالحُطم

         

وكانت للشاعر قصائد جميلة في الرثاء خاصة تلك التي خصصها لابنه الذي فارقه على غير موعد (ص 132-133)

والهفتي إذ شيّعوك وما درَوا            أن شيّعوا يوم الرحيل فؤادي

رفقا به يا حامليه فإنّه                 روحي العزيزة آذنت ببعاد

يا راحلا قبل الأوان مودّعا            هل وقفة تُروي عليلَ الصّادي

هلاّ رثيتَ لحال شيخ ضارع            خلّفتَه لأذى الزمان العادي

 

ورغم قلّة شعر الغزل في إبداع الشيخ أحمد رضا إلاّ أنّ بعض المقطوعات الغزلية التي نقرأها في ديوانه توقفنا أمام إنسان رقيق القلب جيّاش العاطفة محبّ للجمال وللمرأة (ص 126-127)

تمنيت أن أغشى الحمى عمرَ ساعة    تقُرّ بها عين وتُنعَشُ روح

ولكن مَن أهواه شطّ مَزاره          ومن دونه حالت مهامه فيح

يؤرّقني ومض من البرق مَوهنا        على عَدَواء الدار بات يلوح

ويطربني عذبُ النسيم إذا سرى      يمرّ على واديهم ويفوح

متى يستقرّ القلب من ألم النّوى       ويهدأ مكلوم الفؤاد قريح

تواترت الأنباء شتّى كَذوبها          فهل نبأ يشفي الفؤادَ صحيح

 

 وجعله حبّه لأهله وبلده يتعشّق الطبيعة المحيطة بكل ما فيها، ويقول في وصفها أجمل الكلمات ويرسم أحلى الصور التي جمعت بينه والأصدقاء:

يا مجلسا زانه النسرين والآس                 رقّ النسيم به إذْ رقّت الكاس

عمّ السرور وبات الدهر مقتبلا                كأنّما قد أقيمت فيه اعراس

في روضة من رياض الأنس خالية              طابت بها للنسيم الغضّ أنفاس

 

ووصف مجالس اللهو وما كان يصيبه وأصدقاؤه  بمرور سرب من الفتيات الجميلات أمامهم:

احفظ فؤادك أيّها الحوماني                     لا تصرعنّك أعينُ الغزلان

كم صدْنَ أصيدَ كان أمنعَ جانبا                فغدا أسيرَ محاسن وحسان

إنْ صاد صيّاد غزالا شاردا                    فغزالُ زحلة باللحاظ رماني

 

لكن السنوات تمر والعمر يمضي، وأدرك الشاعر أنّ ما كان لن يعود، وأنه قد يكون في آخر محطات حياته:

ستّ وسبعون من عمري على كتفي         تنوء في حملها الصمّ الجلاميد

قضيتها بجلاد كلّه عبر                        وكل أيامه همّ وتنكيدُ

فما ونَت عن طلاب العزّ وانية              ولا استلان لغير المجد لي عود

 

وتتدفّق الحِكَمُ، تجارب الحياة، يريدُ أن يستفيد منها الجميع داعيا الناس إلى الوئام والمحبّة والتعاون بعيدا عن الكراهية والبغضاء (ص 138):

أخو الصّدق مَن كان في وُدّه                صريحا وخافيه ما قد ظهر

وليس أخو الصدق ذاك الذي              يدُبّ الضّراء ويمشي الخَمَر

 

 ويتجلّى الشيخ أحمد بسمو أفكاره وتقدميّتها، وهو رجل الدين الشيعي، برَفضه فَرض العقاب الشرعي الشديد على المذنب مباشرة ودون تروّ وتفكير ومحاولات إصلاح، ورأى أنّ تطبيق مبدأ القَصاص المنصوص في الشريعة عليه، يجب أنْ يكون الحدّ الأقصى والأقسى الرادع للمذنب بعد أن لا تَفي الرّوادع الأخرى وتُسْتَنْفَذ. فعلينا، كما قال الشيخ أحمد رضا، أن نتبع أوّلا مبدأ التسامح والتعاليم الأخلاقية الأخرى التي تُشكل روادع في حدّ ذاتها، وإن لم تف يلجأ المشرّع إلى القصاص المنصوص عليه حكما.(ص 89)

وتوقف الدكتور خالد سندواي عند الخصائص الفنية في شعر أحمد رضا مثل التزامه ببحور الشعر العربية التقليدية كالطويل والكامل والبسيط، والتقسيمات الداخلية والتكرار والتجنيس والتصريع.

وألحق الديوان بمجموعة من الفهارس الكاشفة على مضامين القصائد مثل: فهرس الشعر حسب القوافي وفهرس الأعلام وفهرس الأعلام الجغرافية وفهرس الحيوانات وفهرس الأشجار والنباتات وفهرس أعضاء جسم الانسان وفهرس الألوان وفهرس المصطلحات الدينيّة وفهرس الأقوام والشعوب. واختتم الكتاب بقائمة من المصادر والمراجع المعتمدة في تحقيق الديوان.

مراجعة سريعة لما ذكره الدكتور خالد من المؤلفات والدراسات والكتابات المختلفة المطبوعة منها وغير المطبوعة التي تركها لنا الشيخ أحمد رضا  في دراساته وكتاباته خاصة في اللغة والمعاجم والدين توقفنا أمام عَلاّمَة نجهل الكثير عنه، عرّفنا الدكتور خالد سنداوي على بعض جوانبه المضيئة وأملنا أن يتحفنا بالمزيد.

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi