آرثر ميللر الكاتب الذي تحدى سطوة السلطة الأمريكية

 د. نـبـيـه القــاسم


 

 تخسر الحركة الثقافية والأدبية العالمية والأمريكية خاصة، بموت أرثر ميللر أحد آخر الأصوات القوية التي عرفت كيف تُعرّي وجه الظالم وتواجهه بكلمة :لا. وكيف ترفض كل المغريات والمراكز العالية وتفضل عليها الثبات على القناعات الفكرية الصحيحة التي آمنت بها وعملت على هديها بمناصرتها للانسان المضهَد والدفاع عن حقّه في رفع صوته والمطالبة بحقوقه.


ولد آرثر ميللر في مدينة نيويورك يوم 17 أكتوبر عام 1915 لأسرة متوسطة الحال عجزت عن توفير المال الكافي لمساعدته في متابعة دراسته مما دفعه للعمل الشاق في مختلف المجالات. وقد شهد فترة الكساد الاقتصادي الذي ساد العالم وخاصة في المجتمع الأمريكي ما بين 1929 - 1934 وكان لهذا الوعي المبكر بقضايا الناس الاجتماعية والاقتصادية أثرها على اقتراب ميللر من الفكر اليساري الشيوعي وتبنيه للمواقف المناصرة لطبقات الشعب المقهورة.
أول مسرحية كتبها ميلر كانت "The Man who had all the Luck" عام 1944 وذلك خلال دراسته الجامعية في جامعة ميتشجان ونال عليها جائزة ، وكانت هذه المسرحية الفاتحة المباركة حيث اتجه ميللر إلى الابداع المسرحي، وكتب خلال أربع سنوات العديد من التمثيليات للإذاعة، واستطاع في عام 1947 أن يفوز بجائزة نقاد الدراما عن أحسن مسرحيات الموسم في التأليف الأمريكي بمسرحية "كلهم أبنائي". وفاز عام 1948 بجائزة على مسرحيته "وفاة بائع متجوّل" التي صدرت ضمن سلسلة "أحسن مسرحيات 1948-1949.
وبعض النقاد يعتبرون ميللر حلقة الوصل ما بين التراث القومي الجاد الذي أسس له أونيل وأوديتس وبين التراث العالمي الممثل بإبسن وتشيكوف وبرناردشو.
تزوج ميللر عام 1940 من ماري سالاتري زميلته في الدراسة الجامعية ورزق منها ولدا وبنتا لكنه طلقها عام 1956 ، ثم كان زواجه الثاني من أشهر ممثلة عالمية يومها "مارلين مونرو" ولم يوفق بهذا الزواج أيضا وانفصلا عام 1960 . لكن زواجه من أشهر ممثلة ترك أثره الكبير عليه، وظهر ذلك في العديد من مسرحياته، خاصة مسرحية "بعد السقوط". بعدها تزوج من مصوّرة نمساوية أسعدته في حياته .
لقد تعرّض ميللر إلى الملاحقة من السلطات الأمريكية بسبب مواقفه السياسية والاجتماعية ومناصرته لحقوق الانسان المظلوم. وكان الحدث الأبرز يوم رفضت وزارة الخارجية الأمريكية منحه جواز سفر لحضور افتتاح مسرحية "البوتقة" التي عرضت في بروكسل عاصمة بلجيكا بحجة أنه يُناصر الشيوعية. وعلى أثر ذلك قام ميللر بنشر مقال في مجلة The Nation بعنوان "اقتراح متواضع لتهدئة الغليان العام" واقترح فيه بتهكم وسخرية أن يقدم كل مواطن أمريكي بلغ الثامنة عشرة نفسه - وبواقع مرة كل سنتين بعد هذا - إلى السلطات ليخضع للاعتقال الوطني. فاذا ما دخل المواطن السجن يتم تصنيفه وتحديد مدى خيانته لوطنه، فإمّا أنه خائن نظري أي أنه اشترك في محادثات تمس بشكل إيجابي دفاع الأمة ضد العدو، أو عجز عن إظهار النفور العلني أو المرئي أو المسموع من هذه المحادثات. وإمّا أنه خائن عامل أي حضر اجتماعات الهيئات التي حددها النائب العام. . أو هو ينتمي إلى فئة ثالثة صغيرة من المواطنين غير المصنفين، وهي تتكوّن أساسا ممّن دخلوا مؤسسات الأمراض العقلية أو مصحات العجزة والمسنين وأعضاء مكتب التحقيق الفيدرالي، وكذلك ممن لم يسجلوا أسماءهم في أيّة مكتبة عامة كمستعيرين للكتب، وممن خاضوا الحرب الأهلية، وأخيرا غالبية الأطفال! . وفي حالة وجود مثل هذه المادة في الدستور سيقدم المواطن الأمريكي نفسه إلى المسئوليبن عن السجن بلا نقص في حريته وبأثمن ما يملكه، لأنه يقدّم نفسه والحب يغمر قلبه، والرغبة تتأجج في صدره كي يثبت لجميع مواطنيه أنه أمريكي، وأنه توّاق لأن يعرف الجميع كل تصرّف يأتيه في حياته وما يكون لهذا التصرّف من دلالة وطنية. ويمكن أن يقال كذلك أنه إذا كان الصبي الأمريكي صالحا لكي يشترك في حرب، فإنه يكون صالحا تماما للذهاب إلى السجن من أجل أن يُرفرف السلام على عقل بلده".
ومَثُل ميللر أمام لجنة تحقيق وتعرّض لملاحقات السياسة المكارثية التي تجبّرت وطغت في تلك الفترة.
لقد كتب ميللر العديد من المسرحيات وعرض فيها من خلال شخصياتها أراءه المختلفة في السياسة والمجتمع والاقتصاد والحياة ، وكان تركيزه الأساسي على حياة الانسان الفرد لأنه رأى في واقع العصر الحاضر المادي أن الاحساس الجماعي الذي عرفه المسرح الأغريقي لا وجود له، وأن الهموم الفردية هي التي تطارد الانسان، ووحده الذي يواجهها .
كانت كل مسرحية له تنتهي بحكمة يقدمها للمتلقي إذا كان قارئا أو مشاهدا . ففي مسرحيته الأولى " الرجل الذي أوتي الحظ" خلص إلى "أنّ الانسان يجب أن يؤمن بأنه سيّد حياة نفسه على هذه الأرض، وليس الأوراق التي توضع في فناجين الشاي ، ولا النجوم". وكانت مسرحية "كلهم أبنائي All my Sons " تعرض صورة للرجل العادي الضائع الحائر الذي يوجد في عالم لا قيَم فيه ولا مسئولية لانسان نحو غيره.. وفي مسرحية "وفاة بائع متجولDeath of a salesman " قصد كما صرّح " أن يجلو ما يحدث حين لا تكون لدى الانسان سيطرة على القوى التي تحرّك حياته، وحين لا يكون لديه إحساس بالقيم التي تقوده إلى هذا النوع من السيطرة".. ثم مسرحية "عدو الشعب An Enemy of the People " وفيها يطرح أزمة الانسان الديمقراطي الذي يتعلم من بلده أنّ القاعدة العامة ليست منزهة أو على صواب. ومسرحية "البوتقة "The Crucible" والتي بسببها منع من السفر إلى بلجيكا لحضور حفل افتتاحها وذلك لاتهامه بأنه في هذا المسرحية يهاجم المكارثية ويطرح موضوع التسلط البوليسي على الفكر وحرية الرأي، وتدعو إلى الالتزام بالمبادىء إلى حدّ التضحية بالروح. ثم مسرحية "ذكرى يومي اثنين A Memory of two Mondays" ويعالج فيها موضوع الإيجار والجوع والحاجة إلى شيء من الشعر في الحياة. ومسرحية "مشهد من الجسر "A View from the Bridge " وتتناول انشغال الانسان بالرغبات الحيوانية والشذوذ الجنسي وتُعالج فكرة الذنب حين يقع الانسان فيه، وكيف يُعاني من شعوره بالذنب ويصل إلى اكتشافه لنفسه وتحديد علاقاته بالغير .
وكانت قمة أعماله، بعد صمت سنوات، مسرحية "بعد السقوط After the Fall" التي صدرت عام 1964 وفيها طرح القضايا الفكرية الكبيرة : " هل المعرفة هي كل شيء؟ أن نعرف، ونحن سعداء، أننا نلتقي في حديقة من حدائق الفاكهة الشمعية والأشجار المرسومة، أكذوبة جنّة عدن تلك، ولكننا نلتقي بعد السقوط، بعد كثير، كثير من ألوان الموت. فهل المعرفة هي كل شيء؟" وقد ركّز ميللر على "البراءة" كمحور أساسي حيث وضح في حديث صحفي قائلا: " أعني بالبراءة أن يعمى الانسان عن الدّوافع التي تحركه والأفعال التي ياتيها . فمن الخطر أن يحسّ الانسان بأنه بريء، لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى جميع الكوارث. فنحن غالبا ما نضمن من خلال البراءة وجود انفصال بين أفعالنا الخاصة وبين ذواتنا مما يجعل العنف ممكن الاستمرار." وقد اتهم ميللر بأن مسرحيته هذه هي سيرة ذاتية لفترة حياته مع مارلين مونرو، لكن معظم النقاد اعتبروها "أعظم حدث في تاريخ المسرح الأمريكي" و " أنضج مسرحيات ميللر".
لقد ظل ميللر حتى أيام عمره الأخيرة ملتزما بمواقفه التي تعارض الظلم والقهر والحروب، فوقف ضد السياسات الأمريكية وخاصة التي ينتهجها الرئيس بوش ، فعارض الحرب على أفغانستان والحرب على العراق ، وطالب بالعدالة الاجتماعية والمحافظة على حقوق الانسان الأساسية.
هكذا عاش آرثر ميللر, وهكذا فارق الحياة عن عمر 89 عاما لم يفقد ثقته بالانسان ولم يتخلى عن التزامه بقضايا الحرية والعدالة والانسانية.

 

 

*اليوم السابع، مُلحق جريدة كل العرب 18.2.2005

*القدس العربي. لندن - 21.2.2005

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi