باب الحارة وتَعرية الذات

 د. نـبـيـه القــاسم

 

أنا لا أحبّ مسرحية "باب الحارة"

          وعندما أدخل إلى البيت وأرى زوجتي وأولادي مُتكوّمين أمام شاشة التلفزيون أقول: يا خسارة، هذا ما حصدته من هذا العمر؟

وعندما أسمع أصدقاء لي وزملاء في العمل منشغلين بحلقات مسلسل "باب الحارة" أقول: حتى أنتم يا مثقفين يا حاملي لواء التقدّم والتطوّر والنهضة؟

وعندما أسمع ما يدور من تعليقات وتعابير وحركات مستقاة من "باب الحارة" بين طلاب المدارس ومعلميهم في الإبتدائية والإعدادية والثانوية اقول: يا ضياع المستقبل ويا ضياع الأجيال!

وعندما أقرأ في بعض الصحف العربية الصادرة في دول عربية وأوروبية أنّ  أهالي مدينة عمان وغيرها من مدن أمتنا العربية المجيدة يُنهون تَبعات ولائمهم الرمضانية قٌبَيل بث مسلسل "باب الحارة"، وأنّ هذا المسلسل سجّل أعلى نسبة مشاهدة في بيوت عمان وغيرها من حَواضر العرب، وأنّ الأصدقاء في مواقع التعارف على الانترنيت يتبادلون الأفكار حول إنشاء جمعيات المعجبين ب "باب الحارة" ويتنافس الشباب والصبايا في تقليد اللهجة الشاميّة.(الرأي الأردنية 5.10.2007)

          وأقرأ في "كل العرب" أنّ المصلين يتهرّبون من خطبة الإمام في المسجد وأحيانا من صلواتٍ لئلا يفوتهم مَقطع من حلقة مسلسل "باب الحارة".

 وأقرأ وأسمع الكثير وأتمنى للحظات، لو لم أر، ولم أسمع، ولم أقرأ، ولم أكن.

ولكن عندما أقرأ ما كتبته صديقة صَحَفيّة بأن الأمان يسود شوارع وبيوت قرانا العربية في كل انحاء الوطن طوال مدّة الساعة التي تُبَثّّ فيها حلقة مسلسل "باب الحارة"، فلا تحدث سرقات، ولا يُطلق رصاص على عابر سبيل، ولا تُرمى قنبلة على بيت، ولا يتشاجر شابان أو ولدان، ولا تتحرك سيارة من مكانها، وتكون الأحوال هادئة مائة بالمائة. أطلب من الله عزّ وجلّ القادر على كلّ شيْ، والذي يُمْهل ولا يُهْمل أن يُلهم كتّابنا ومخرجينا المسرحيين والممثلين وأصحاب الفضائيات والمسؤولين على مختلف درجاتهم في كل دولنا العربية أن يزيدوا من مثل هذه المسلسلات ، ولتكن مسرحية "باب الحارة" مسرحية العرب الأولى، وحلقاتها لا نهاية لها، وساعات بثّها في كل المحطات الفضائية والأرضية متواصلة غير منقطة. ولتكن مفخرتنا أمام كل شعوب الدنيا ومعجزتنا في القرن الحادي والعشرين ونستأثر بها لأنفسنا، فلا نهديها لغيرنا حتى تظل نعمتنا الأبدية. 

عندما أكون مع نفسي أسأل حالي: ترى ما سرّ انجذاب رجالنا ونسائنا وصغارنا وحتى شبابنا وشاباتنا في دول الشام الكبير وغيرها للمسلسلات السورية من شبيهات "باب الحارة"؟ وكيف لا تستهويهم وتجذبهم مسرحيات أرقى مضمونا وفنيّة مثل مسرحية "قضية رأي عام" و "الملك فاروق" وغيرها المذاعة في شهر رمضان كما مسرحية "باب الحارة"؟

أعترف عندما نلتقي بعض الأصدقاء في مناسبة ما ونتناول حال مجتمعنا العربي في هذه الأوقات تُردّد من بعضنا كلمات "سقى الله أيام زمان" وكل واحد يوافق ويثني ويتمنى لو تعود.      ولكن عندما أجلس لوحدي وأتخيّل حالتي أعود عشرات السنين إلى الوراء لأجد نفسي منزويا في زاوية ضيّقة في بيت ترابي متداعي الجدران أتهرب من دلفة في السقف الترابي أو ارتجف من احتمال سقوط عقرب أو أفعى أو فأر علي رأسي وأنا جالس، أو مزاحمة إخوتي لي في الفرشة أو على الحنفية أو الكرسي المريح الوحيد في يتنا ومتهربا من رائحة كريهة انتشرت من البقرة التي تبيت قربنا في الاسطبل أو الكلب الذي لا يحلو له النوم إلا على العتبة.. و..و

أنتفض وأقول لا كانت لتلك الأيام رجعة .. ولنحمدك تعالى على النعمة التي تُسبغها علينا الآن  .

وإذ أدخل على زوجتي والأولاد وكلهم عيون وآذان مشدودة للشاشة الصغيرة لئلا تفوتهم كلمة من فم هذه الشخصية أو تلك، وأعلّق قائلا : إنها مسرحية سخيفة. تتعالى الامتعاضات وأصوات هس عالسّكْت، وتُسارع زوجتي لحسم الموقف: ما تُسكُت وتْريّحنا من تعليقاتك البايخة خلينا مبسوطين. وإذ أرد عليها مُستردّا كرامتي كرجل عربي حمش:

-       أخرى كلمة وأنت طالقة .

تُبَحْلق بي كل العيون مستنكرة متسائلة: يابا أنت عارف شو قلت!؟

 أجيبهم بهدوء: وهل أبو عصام أحسن مني وحتى عصام الخُُرع رجّال أكثر من أبوكم. ويضحك الأولاد ونضحك معهم ويتابعون أحداث "باب الحارة" وأتابع انزوائي بعيدا عنهم مع تساؤلاتي ورثائي لهكذا شباب ولهكذا جيل وحتى لكهذه أمّة تذل أمام السيد والحاكم والغريب وتستعيد كرامتها ورجولتها وفحولتها وعنجهيتها ومراجلها وانتصاراتها الموهومة في كلمات أبي عصام التي استرد بها كرامته من زوجته بطلاقها وبتصرفات ابنه عصام الغبية بطلاق زوجته لأن أمها فضحت سر أبيه في الحارة. ومع العصي التي يضرب بها الرجال بعضهم البعض للمحافظة على هيبة الحارة فتسيل الدماء وتتقطّع العلاقات وتكبر الأحقاد والعداوات وتبقى الكرامة محفوظة!؟

ترى لماذا يحلو لنا ونستعذب كلّ ما يعري ذاتنا؟ ويكشف موطن الضعف فينا؟

 ما السر في انجذاب الناس إلى مثل هذه المسرحية؟

 أهي العنجهيّة التي يتكلم بها الرجال الواحد مع الآخر، أو الواحد مع أفراد عائلته وخاصة الزوجة والبنات، والصوت العالي الذي يقارب الصراخ والعدائية الذي يتكلم به الجميع؟

ولو قبلتُ بمنطق أنّ الرجال في هذه المسرحية يعيشون لساعة ما يأملون به من هيبة واحترام وسطوة ورجولة يفتقدونها في واقعهم المعيش ورغبتهم في انصياع الكل لمشيئتهم وإرادتهم. فأيّ شيء يشدّ النساء والصبايا؟

 أتتمنى الواحدة أن يكون مركزها في البيت كمركز النساء في حارة أبي عصام؟ وأن تكون قيمة وهيبة الواحدة كما لزوجة أبي عصام وباقي نساء الحارة؟ هل تقبل الواحدة أن تُهان وتُهَمّش وتُحتَقر كما هي حالة نساء مسلسل "باب الحارة".

لتخبرني كلّ واحدة منكن يا سيّداتي وفتياتي وأخواتي المحترمات؟ ما الذي يشدكن ويجذبكن إلى مشاهدة هذه المسرحيّة.

أنا أحبّ والدي وأذكره وأشتاق إليه ولكنني لا أشتاق وأحنّ لحزامه العريض وهو يهوي على ظهري لأنني لم أنفّذ له أمرا بالسرعة التي أراد أو أغضبته بالتعرّض لأختي أو لشكوى معلم أو صديق أو قريب.

وأحبّ أخي وأبكي لذكراه ولكنني لا أبكي على ساعات أظهر فيها بطولته وسطوته علي بتعليقي طوال ساعات الليل بحديد الشباك لمجرد شكوى وصلته أنني أدخّن بالسر مع زملاء لي بعد الدوام المدرسي.

واذكر مدير مدرستي الابتدائية بكل الحب والاحترام ولكنني لا أنسى قضيبَ الزعرور الذي كان يهوي به على مؤخراتنا لمجرد أن قرع الجرس ولم ندخل ساحة المدرسة أو هربنا من حصة أخيرة، وتلك المعلمة التي ظللت أكنّ لها كل الحب والاحترام حتى آخر يوم في حياتها ولكنني لم أغفر لها ما كانت تفعله بنا ونحن أطفال صغار أمامها بضربها لنا بمسطرة تحضرها من بيتها على قفا أكفنا حتى تدمى.

وبعد كل هذا الماضي البعيد غير الجميل تقولون لي نوستالجيا وحنين للماضي، ويا ريت أيام زمان ترجع، ويا ما أحلاها أيام زمان، وتجلسون لتتابعوا حلقات "باب الحارة" وعنتريات أبي عصام ورجال حارته، وطوشات الشباب على أمور تافهة،  وتشاركون في حزن وهموم النساء والصبايا المضروبات في زوايا البيوت تنتظرن رحمة السيد المطاع وحَسَنة الأخ المقدام؟

أنا لا أحبّ مشاهدة مسرحية "باب الحارة"، ولا عنتريات رجالها، ولا هشاشة شبابها ومهانة نسائها.

 أنا أريد الحارة برجالها ونسائها، شبابها وشاباتها. أريدها لا تُعَيّشنا في حلم سخيف وأوهام كاذبة فارغة،  وإنّما حارة تُفرحنا وتثير اعتزازنا بتمرّدها على واقع بائس وحاكم سيء، وتعمل يدا بيد على بناء مجتمع حضاريّ متطوّر وإنسان عربي به نباهي العالمين.

ولكل طاقم مسرحية "باب الحارة" من مخرج ومؤلف وممثلين، ولكل متابعي حلقات المسرحية تحيّتي ومحبّتي، واعتذاري على ما لم يحبوا سماعه وقراءته.

 وكل رمضان وأنتم بخير. 

 

كل العرب 12.10.2007

القدس العربي 16.10.2007

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi