مع كتاب "مواقف وآراء وأحلام"

للدكتور نبيه القاسم

 د. بطرس دلِّة

جريدة "الأخبار" 2.1.2009

الدكتور نبيه القاسم أديب وكاتب وناقد ومفكر وملاحق للحركة الأدبية المحلية منذ عشرات السنين ومتمكن من فن الكلمة بحيث يأخذ القارئ في جولة متنوعة من مختلف المواضيع بأسلوبه الرشيق والممتع في آن واحد.

هذا الكتاب هو جولة في أدبنا المحلي والنشاطات الثقافية محلياً وقطرياً وسرد للكثير من لقاءاته مع القادة الفلسطينيين وكبار الكتاب العرب في الداخل والخارج.

ومع هذا التنوّع يجد القارئ لدى الدكتور نبيه حميمية خاصة في الكثير من المواقف حتى أن القارئ ينفعل معه في مواقف الإنفعال ويتضامن معه في مواقف التضامن مع قضية معينة أو كاتب أو أديب ملاحق محلياً أو في العالم العربي الواسع.

ونحن نعرف أن الإبداع الجيّد لا يمكن أن ينمو إلا في ظل نظام ديمقراطي سليم. نظام كهذا يندر وجوده في عالمنا العربي لذلك هناك الكثيرون من الشعراء والكتاب الملاحقين والذين إضطروا للهرب من بلادهم مساقط رؤوسهم خوفاً من ملاحقة السلطات لهم فنجدهم يفضلون المهاجر على الإقامة في الوطن.

يبدأ الكتاب برحلة أو أكثر قام بها الكاتب إلى مدينة رام الله حيث التقى بعشرات الشعراء والكتاب والشخصيات الفلسطينيين من أمثال الدكتور وليد القمحاوي والدكتور عطا الله الرشماوي ويدور الحديث أولا عن شاعرنا الكبير سميح القاسم ويضطر الدكتور نبيه توضيح ما ليس واضحاً حيث يفاجأ بقول الدكتور عطا الله عن سميح القاسم بأنه وردة نبتت على مزبلة فيقنعه وهو المستعد للإقتناع بأن هذا الحكم على أهل سميح من عرب الداخل، فهم أشرف بكثير من أن ينعتهم بالمزبلة ويصل إلى أن يعتذر حيث يعزو هذه الفكرة إلى الصحافة المحلية!

بعدها يلتقي الدكتور محمد البطراوي أبا خالد المثقف الواعي "نافذة الكاتب إلى المثقفين والمبدعين في الأرض المحتلة" كما يسمّيهّ! بعدها يقضي سهرة مع السيدة ريموندا الطويل ذات الثقافة الواسعة والشخصية الفذة حيث يلتقي في بيتها -صالونها- مع مختلف الشخصيات من مثقفين مبدعين إلى شعراء وكتاب وسياسيين تشغلهم هذه السيدة التي تفرض وجودها بآرائها وأفكارها وأسئلتها وبشكل لبق جداً.

في صالون السيدة ريموندا الطويل يلتقي كاتبنا بالمرحومين كريم خلف رئيس بلدية رام الله وفهد القواسمي رئيس بلدية الخليل ومحمد ملحم رئيس بلدية حلحول الذي ما زال حياً يرزق.

يستطرد الكاتب في مدح السيدة الطويل بقوله: "كانت رام الله تعني ريموندا!" (ص-16) من رام الله ينتقل إلى البيرة جارة رام الله حيث يتعرف على السيدة سميحة خليل صاحبة مجلة التراث.

إلى جانب السيدة سميحة يتعرف على السيدة سحر خليفة الكاتبة المبدعة صاحبة رواية "لم نعد جواري لكم". ويذكر أن هذه المبدعة لديها الكثير من الإعتزاز بالنفس بحيث لا تقبل أي نقد لإبداعها حتى ولو جاء من كاتب كبير كإميل حبيبي الذي كان قد سخر من روايتها: "الصبّار"، فقد كادت تلعن... ولما كان الكاتب قد التقى معها في بيت الصديق جورج إبراهيم وزوجته جاكي أيوب وهناك كان قد سبقه سميح القاسم وإميل حبيبي حيث قام إميل حبيبي بسؤال سميح عن رواية الصبّار فسبقته سحر خليفة بقولها: لا تقل ولكن بَلعَن.. وضحك الجميع!

كان من نتيجة هذا اللقاء أن كتب إميل حبيبي رسالة إعتذار أدبية لسحر نشرها في الجديد عدد 9/10/1977 وردت عليه سحر برسالة شبيهة!

في بيت سحر خليفة إلتقى د. نبيه بالسيدة حنان ميخائيل العائدة من أمريكا والمهتمة بالأدب والكتابة التي تحوّلت فيما بعد لتصبح الوزيرة حنان عشراوي المناضلة البطلة في دعم القضية الفلسطينية.

بعدها يتطرق إلى معرفته بالشاعرة ليلى علوش والشاعر عبد اللطيف عقل والشاعر أسعد الأسعد والكاتب أحمد حرب والكاتب إبراهيم العلم والكاتب جمال بنورة والكاتب جميل السلحوت والكاتب جاك خزمو والشاعر خليل توما والشاعرة ليلى كرتيك وغيرهم والقائمة تطول. فيتعرف على الأديب يحيى يخلف وعلى ياسر عبد ربه وصخر أبو نزار وليانة بدر ومحمود شقير وغسان زقطان والمتوكل طه ومنذر عامر وحسن خضر وعزت الغزاوي وزكريا أحمد كما يلتقي بالمرحوم محمود درويش.

هذا الفصل الأول عن رام الله فيه استعراض أولا لمن عرفهم من مبدعي العربية في الضفة الغربية كما يطلعنا على شيء من العلاقات المتميزة التي كانت تجمع كلا منهم بالآخرين مع ما يرافق هذه اللقاءات من ظلّ خفيف في الحديث نثراً وشعراً.

الجميل في هذه المجموعة من المقالات أن المؤلف ينتقل من موضوع إلى آخر فلا يدع مجالا للملل بسبب التنويع في المواضيع من جهة ثم أسلوب السرد الممتع وطريقة عرض القضايا التي يعالجها.

هكذا بعد زيارة رام الله ينتقل ليدافع عن أحلام مستغانمي الروائية الجزائرية الكبيرة مستعرضاً بعض الأفكار حول رواياتها الثلاث المشهورة ويخرج بخلاصة أن "أحلام مستغانمي أثبتت أنها مثال للمرأة المبدعة القادرة على إثبات تفوّق المرأة على الرجل وتعريته في حالة ضعفه وإستسلامه"! (ص34).

 لماذا يغيّر البعض مواقفهم؟

هذا السؤال يوجهه إلى الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي الذي غير موقفه من جمال عبد الناصر إلى الجواهري الذي مدح الملك حسين وإلى إميل حبيبي الذي ترك الحزب الشيوعي وانتقده وهو يلجأ إلى لغة العتاب لأنه يحب كلا من الثلاثة. وينتهي بالتالي بكلمة يوجهها إلى الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي هي: خسارة! (ص48).

نحن نعتقد أنه لا يعيبُ الإنسان تغيير موقفه إذا ما اقتنع أنه كان على خطأ!

أذكر بهذه المناسبة ما كان قد حصل مع اللورد بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا عام 1965 عندما وقف صارخاً ومعارضاً نصّ قانون قدمته المعارضة لحكومته في البرلمان البريطاني.

ولكنه في الجلسة التالية غيّر موقفه ووقف مدافعاً عن القانون معدداً أهميته وأسباب أهمية إقراره في البرلمان! ولما سئل عن تغيير موقفه أجاب: الآن بتّ مقتنعاً أنني كنت على خطأ ولذلك أعود الآن إلى الصواب!

إذن أيها الصديق دعنا نتحرر من قيود إيماننا الماضي فالدنيا تتحول وتتطور وتتغير، فإذا ما كان التغيير جذرياً حصلت الثورة وذلك لأن الثورة كما عرّفها ماركس في كتابه رأس المال هي: تغيير جذري في علاقات الإنتاج. فلا يعيب الإنسان أي تغيير إذا كان هذا التغيير للأحسن والأفضل. النظريات أيها الصديق ومنها الإشتراكية الشيوعية ليست جامدة بل هي تسير مع نواميس الحياة وقابلة للتجدد والتجديد والتغيير وفي هذا عظمتها!

 مسرحية الزاروب:

هذه المسرحية التي قدّمتها الفنانة سامية قزموز بكري على مسرح البلدة القديمة ضمن إطار مسرحيد الذي يقدم عروضه في عكا القديمة. يكتب د. نبيه عن الممثلة وعن المسرحية بشكل حميمي متأثراً بأسلوب سامية قزموز التي تنفعل مع الموقف وتنسى نفسها بحيث تشعرك أنها تعيش الحدث حقيقة! وقد توسع الدكتور نبيه في شرح الموقف حتى داخلني شعور أنني أعيش معه أحداث المسرحية بسبب تأثره البالغ. والواقع أنني حضرت هذه المسرحية في نفس المناسبة وكتبت عنها وقد لازمني شعور مشابه جداً لما شعره كاتبنا إلا أن الفارق بيننا هو هذه الحميمية التي يتميز بها أسلوب نبيه القاسم وهو أسلوب السهل الممتنع! 

عبد الرحمن منيف:

منذ وصلني هذا الكتاب أخذت أبحث عما سوف يكتبه المؤلف عن هذا الروائي الكبير والذي كانت رسالة الدكتوراه التي كتبها الدكتور نبيه القاسم حول أدب عبد الرحمن منيف. فكيف لا يذكره بمناسبة مرور عام على رحيله!

عبد الرحمن منيف روائي من الدرجة الأولى وله آراء واضحة في دور المثقف العربي والمبدع العربي في ظل الأنظمة العربية الفاسدة حيث يقتبس المؤلف قولا له من كتابه "الأشجار وإغتيال مرزوق" (ص81) قوله: "لماذا تزداد حالة الإنسان بؤساً يوماً بعد يوم في الأرض التي يسمونها الوطن؟ ويضيف: لماذا يجوع الإنسان في وطنه؟ ولماذا يجعلونه يكتفي بكل شيء؟ حتى بات حلمُه الوحيد ألا يغادر هذا الوطن؟ قالوا إن الحرية في أرض أخرى أبعد من اليونان يمكن أن يعيش الإنسان أيامه دون أن يوقظه عند الفجر صوت المخبرين وضربات أحذيتهم؟!" وفي (ص83) يضيف مقتبساً عن منيف قوله: "ستبقى السجون وسوف تتسع إذا ظل الناس في بلادنا يفخرون بصبرهم واحتمالهم، وأن من يعاني أكثر في الدنيا لا بد أن يجازي في الآخرة، وإذا استمروا أيضاً ينتظرون طيور السماء لكي تنقذهم"! وينهي مقاله بقوله: (ص84) "لقد حمل حمله الكبير، ولكنه كان صريع هذا الحلم"!

 أدبنا المحلي:

بما أن هذا الكتاب يحوي حوالي ثلاثمائة صفحة لذلك يكرّس الكاتب بعض الفصول للحديث عن أدبنا المحلي لمبدعين ما زالوا أحياء. ومن خلال ما يكتب يحاول إستعراض آرائه في أدب هذا الكاتب وفي إبداع ذلك بحيث يعيد للقارئ شيئاً كثيراً من عبق الماضي وجماله مصوراً الحالات التي عاشها منذ سنوات الخمسين الأولى وحتى أيامنا. وهكذا يرسم لنا صورة شاملة بانورامية- للموقع الثقافي الذي يعيشه إنساننا العربي من المحيط إلى الخليج كما ذكر على الغلاف الأخير من كتابه. ويضيف "إنها مقالات يتداخل فيها الذاتي بالعامّ، وتتميز بأسلوبها الرشيق الأخاذ ولغتها السهلة الممتنعة التي تجعل قراءتها ممتعة وفائدتها لا حد لها".

هكذا كتب عن الدكتور حبيب بولس ودوره في النقد والإبداع المحلي حتى المسرح وعن زميله الأستاذ نزيه قسيس وعن أستاذه في رسالة الدكتوراه من جامعة تل أبيب البروفيسور ساسون سوميخ كنموذج للشعراء اليهود القادمين الجدد من العالم العربي وعن الشاعر نتان يونتان الذي آمن بالسلام مع العالم العربي ولكنه عاد وكفر به وعن الشاعرة العبرية دالية رابيكوفيتش، ثم ينتقل إلى جمهورية ورقستان للشاعر تركي عامر وتكريم شاعر الكرمل معين حاطوم. ولا ينسى الكاتب والأديب محمد علي سعيد ويوسف سواطيري ووهاب طاهر نصر الدين.

أما الفصول الأخيرة من الكتاب فيتحدث فيها عن جائزة الإبداع وعن أدونيس وصور إنسان في واقع غير إنساني. إن أكثر ما يميز هذه الفصول مجتمعة أن الكاتب لا يتردد في ذكر رأيه وبصراحة متناهية في كل إبداع متطلعاً إلى الرعيل الجديد من المبدعين الناشئين بنظرة عطف ومحبة مشجعاً إياهم على متابعة الكتابة لأنه يرى فيهم كبار كتاب المستقبل غير البعيد، ويثلج صدره كما يقول رؤية الكثيرين من الأدباء الناشئين الذين يجتمعون في بعض اللقاءات فيما يسمى بالنشاط الثقافي وفي كل مرة يستمع الحضور إلى إبداع أحدهم ويناقش الباقون هذا الإبداع مما يثري معلومات الجميع الذين يتعلمون من هذه اللقاءات المباركة.

 ماذا كتب عن الدكتور حبيب بولس؟

يقول المؤلف في (ص131) إن الدكتور حبيب بولس هو ظاهرة مهمة في حركتنا الثقافية العربية المحلية حيث بدأ ظهوره منذ سنوات السبعين الأولى وفرض وجوده بدراساته الأدبية في مختلف مجالات الإبداع لأنه إنسان متعدد المواهب. فقد كتب أبحاثاً في الأدب العربي ودراسات في هذا الأدب. وألواناً عن القصة القصيرة في الأدب العالمي وفي الأدب وفنونه وفي الرواية العربية المعاصرة وغيرها. هذه الدراسات وأبحاث تعتبر من أهم مصادر الدراسة لطلاب المدارس العليا وحتى المعاهد العليا. كذلك يعتبر كتاب "أنطولوجيا القصة العربية الفلسطينية" الصادر عام 1987 مرجعاً هاماً لمن يريد دراسة هذا الموضوع. كما نوّه إلى برنامجه في التلفزيون الإسرائيلي "ما بين الكلمات" والذي يلتقي فيه كل مرة مع أحد المبدعين المحليين. ولذلك فإن دوره كبير في تجذير الحركة النقدية المحلية الأمر الذي جعل له مكانة متميزة لدى المبدعين والنقاد المحليين الذي درسوا أبحاثه النقدية واستفادوا منها وأفادوا، وأنا واحد منهم وبكل تواضع مع أنه كان أحد تلاميذي في دراسته الثانوية في مدرسة يني بكفر ياسيف. فتحية خاصة له.

 مع البروفيسور ساسون سوميخ

البروفيسور ساسون سوميخ هو الأستاذ المرشد للدكتور نبيه القاسم في رسالته للدكتوراه كما ذكرنا في جامعة تل أبيب. والبروفيسور ساسون سوميخ يعتبر واحداً من القليلين من الكتاب غير العرب الذين كتبوا ويكتبون باللغة العربية. ومع أنني لم أتتلمذ على يده أثناء دراستي الجامعية في الجامعة العبرية في القدس إلا أنه تربطني به علاقة حميمية حيث نلتقي من حين لآخر معاً إما في مهرجانات الشعر التي تعقد مرة كل عام في قرية المغار تحت عنوان "مهرجان الشعر الدولي" أو في اللقاءات التي يدعونا إليها اتحاد الكتاب العبريين في تل أبيب أو في كلية القاسمي بباقة الغربية أو في لقاءات المجمع العلمي اللغوي وغيرها. حقاً إنه إنسان مرهف الحس محبٌ للغة العربية دمث الأخلاق وباحث ممتاز. ما يذكره الدكتور القاسم عن أستاذه ساسون سوميخ أنه كتب رسالة للدكتوراه عن أدب نجيب محفوظ وأدبه. ويضيف الدكتور القاسم "أن ساسون سوميخ واحد من المفكرين القلائل اليهود الذين يؤمنون بالحق العربي للإنسان الفلسطيني بأن تكون له دولة مستقلة أسوة بالشعب اليهودي.. وهو ينتمي إلى الفكر اليساري النير ولم تغير قناعاته كل الأحداث والتغييرات التي شهدتها المنطقة.. وهو نشيط إجتماعياً وثقافياً وعضو في أكثر من تنظيم أدبي وثقافي". (ص150-155).

ولما عمل مديراً للمركز الأكاديمي في القاهرة فقد تعرض على العديدين من الكتاب المصريين إلا أن مواقفهم المعادية للتطبيع مع إسرائيل بعد كامب ديفيد جعلته يقدم إستقالته ليعود للعمل الأكاديمي في إسرائيل. وهكذا ما زال هذا الرجل يشارك في العديد من اللقاءات الثقافية في البلاد وفي الخارج حيث أن أسمه ذاع محلياً وعالمياً ولذلك إستحق الحصول على جائزة الدولة تقديراً على مسيرة حياته الفنية في الإبداع والبحث والدراسة.

 أخيراً:

إن القارئ لهذا الكتاب لا بد أن يلمس مدى تعلق المؤلف بالفكر اليساري التقدمي أولاً، ثم بعروبته التي يعتز بها ثانياً وبوطنيته الصادقة ثالثاً. وهو يعتز بكونه إنساناً فلسطينياً يعيش مأساة شعبه ويعتز بعلاقاته الطيبة مع معظم القادة الفلسطينيين. لذلك أحييك أيها الصديق وأتمنى لك مداومة الإبداع فقد تعلمت من كتابك هذا أموراً كثيرة في النقد أولا وفي الفكر التقدمي ثانياً وفي الوطنية الحقة وفي محاولة تحقيق الذات! لك الحياة.

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi