د. نبيه القاسم في دراسته "الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف"

عن الزمان والمكان والشخصية في أعمال الأديب الراحل عبد الرحمن منيف: مدن تعيش خلف سراب الصحراء يحولها النفط والقمع الي وحش جديد

إبراهيم درويش : لندن

2005/11/21 القدس العربي

 


 
  
عبدالرحمن منيف (1933 ـ 2004) الاديب العربي المعروف كان مشغولا في اعماله الروائية بتثوير الرواية، ويبحث عن ثوار روائيين قادرين علي مواجهة الاستكانة والعجز العربي، فهو الذي وصف نفسه بالثائر الروائي انشغل بموضوعين شكلا المدماك لكل رواياته وهما القمع والنفط، وعبرهما عمل علي تشكيل مدن وقراءة اماكن وحيوات شخوص، لم يكن فيها مشغولا بالتأنق اللفظي او بناء شعرية خاصة عن المكان بقدر ما اراد ان يقدم رؤية عن الطريقة التي يتشكل فيها المكان بفعل الاستغلال والاكتشاف وعلاقته بالفرد الذي قد يكون عامل هدم او بناء.
وفي داخل هذا الفهم كان منيف يقرأ التغييرات النفسية والظاهرية التي تحدث علي المكان، والتحول المثير في العلاقة القريبة بالمكان الي غربة عنه.
منيف الذي كتب رواياته فيما بعد الهزيمة العربية والانكسار العربي كان مشغولا بالهموم السياسية والثورية التي تفرعت عنها، فقد قال مرة نحن بحاجة الي ثوار روائيين لديهم تطلعات، لديهم صيغ واساليب في التعبير، ولديهم هموم يشركون الاخرين فيها ، وهذا لا يعني بالضرورة الدخول في اطار المباشرة السياسية ولكن رصد وتوثيق العصر الذي يعيش فيه الكاتب، وبداية من الاشجار واغتيال مرزوق حتي روايته الاخيرة ذات النفس الملحمي ارض السواد عن بغداد العثمانية كان يصور اثار السياسة علي العربي واثار الطبيعة علي نفسيته، علاقته بالمكان، حس الانتماء والاقتلاع الذي يولده مكان ما، والشعور بالغربة والاغتراب عن هذه الارض التي تتغير ولكن الانسان يأبي التغيير. غير ان منيف المثقف ايضا لم يكن غافلا عن الاثار التي تركتها الحداثة القاسية التي جاءت الي وطننا العربي ولم تخلف وراءها الا الاستغلال والسجون والفقر والتفرقة. ومثل الجانب السياسي في حياة منيف كان الجانب الروائي يؤمن بقدرة الرواية علي التغيير.
البطل الروائي الفردي لديه التزام نحو مجتمعه وواقعه ولكنه ليس كل شيء ففي اعمال منيف ابطال يلعبون ادوارا مهمة في التغيير. المكان في مدن الملح في اجزائها الخمسة، يصبح عاملا مهما يتداخل في حيوات الشخوص والزمان، يصبح المكان المصهر او البوتقة التي تنصهر فيها كل الشخصيات التي تتعاقب كمياه النهر الجاري بحيث لا يتوقف الواحد منها اكثر مما يحتمله المشهد او الحالة فاسحا المجال لكي يأتي الاخر البديل المكمل ويواصل المشوار ـ الحياة. تتنوع شخصيات منيف في اعماله الروائية فهو وان قدم صورا عن الشخصية الانتهازية والاجنبية، الا انه يفسح المجال امام عدد من الاصوات لتكمل الالتحام الذي يبدو ضرورويا في بناء واحكام البناء الروائي امام شخصيات شعبية، ولا يغفل صوت المرأة، المثقف والشعبي والمرأة والاجنبي نماذج من الوجوه التي عاشت في عالم منيف الروائي، في محاولته لبناء صلة وتواصل بينها وبين المكان والزمان.
توزع انتاج منيف الروائي بين الواقعي النقدي الي الرومانسي والتأصيلي التراثي، وفي كل هذا الانتاج ظل منيف يجرب في الاشكال الروائية التي يظل الواقعي من اقرب الاشكال الادبية له، ولكنه ظل يبتكر ويطعم اساليبه السردية بالمثل والاشعار الشعبية بل ان استخدامه للهجة العامية يضفي نوعا من التوتر والجمالية علي نصه، وبدا هذا واضحا في تقديمه اللهجة الشعبية الجميلة في توترها وغنائيتها في عمله الاخير ارض السواد .
علي خلاف كتاب الرواية العرب الذين اتخذوا من مكان محدد في الجغرافيا العربية عاملا مميزا ولكنه قابل للتطبيق علي اجزاء اخري منه، كان منيف يقدم اماكن ليست محددة ولكنها تجمع العديد من الصفات المحددة والممثلة للواقع العربي، ولهذا السبب جاءت مدنه ممثلة للواقع العربي دون ان تكون محددة بمكان حقيقي معروف، موران والطيبة ووادي العيون وحران والعوالي والجسر وعساف هي اسماء اماكن والقاريء لديه القدرة علي وعي صورة المكان وربطه باي واقع عربي، هذا لا يعني ان منيف لم يكن شغوفا برسم المكان وتحديد ملامحه فتضاريسه واجزاؤه واضحة لان المكان يظل خزانا لافكار ومشاعر الشخصية، حيث يولد معها ويتشكل بتشكلها ولديه قابلية علي الزوال كما في مدن الملح التي يقترح عنوانها وجودا مؤقتا قابلا في اي لحظة للانتهاء والتلاشي، وهذا الوجود قائم علي الطفرة. لا محدودية المكان لا تجعل من مسرح الاحداث ارضا غامضة فتنازية فاسماء الروايات تدل علي مكانيتها. المكان في بناء منيف الروائي مرتبط بالانسان والزمان فقيام مدينة او مكان ونهايته متصل بهذه الثلاثية التي تبدو هامة في سرد الكاتب يروح ويجي الثاني يا ابو عزيز، وتنبني المدينة الجديدة، وكأنه ناقصنا مدن، وتقوم مدن ملح، وترتفع وتكبر اذا جاءها الماء فش ولا كأنها كانت .
كل اعمال منيف تبدأ بمكان وتنتهي به وبدأت موران تتنصت وتتلفت وتترقب.... من جديد ، انه وادي العيون.. ، فجأة وسط الصحراء القاسية العنيدة تنبثق هذه البقعة الخضراء، وكأنها انفجرت من باطن الارض او سقطت من السماء .
في بناء منيف لعالمه الروائي لم يكن المكان عاملا مكملا او زخرفا وحلية للتأنق ولكنه برز كعامل حاسم ومحوري في تطور الاحداث. يقول منيف ان المكان ليس جامدا او محايدا، انه الحاضنة التي تتكون فيها الافكار والعلاقات وتكتسب من خلالها حتي الملامح ونمط القول والنظرة وبالتالي يترك المكان بصمته القوية علي البشر والشجر وكل ما ينهض فوقه ، وللامكنة بعد اخر يتحكم فيها وهو الزمن، وهو الذي يترك اثره الاخر علي الشخصيات الروائية في عالم منيف، ان اكثر ما تخشاه شخصيات منيف هو الزمن، الحكيم صبحي ان اكثر ما اخشاه هو الزمن ، انا وموران وهذا الزمن ، وعلي الرغم من مركزية الزمن في رواياته الا انه من الصعوبة بمكان تحديد الفترة التاريخية التي تجري فيها احداث الرواية، ويتجاهل منيف تحديد الزمن، ويتركه فضاءا فسيحا، وهو يشير الي بعض التواريخ والاحداث مثل احداث عام 1948، واحداث ايران وثورة مصدق، وحكم الاتراك والحربين العالميتين. في الوقت الذي يجد فيه القارئ صعوبة في تحديد ازمنة الرواية، الا ان الكاتب يجد الحرية الكاملة في التلاعب فيها، اختصاره وتكثيف حياة شخص او تجربة تمتد علي اربعة وعشرين عاما الاشجار واغتيال مرزوق الي بضع ساعات تستعاد في رحلة قطار. تحفل روايات وعوالم منيف بالعديد من الشخصيات، منها المثقفة ومنها الشعبية، ولكنها تشترك في حالة الاغتراب التي يعاني منها الانسان العربي، الانسان الضائع، والمثقلة بمشاعر الذنب، وهي محطمة متآكلة فقدت الامل بحدوث تغيير.
في روايات منيف قليلة هي الاماكن الاليفة والجميلة، التي يعيش فيها الابطال في انسجام وتواؤم، وحتي هذه الاماكن التي كانت تحط بها القوافل ظلت مهددة. وفي غالب الاحيان فالمكان بطبيعته اليف حتي في ظروفه القاسية الا ان الظروف التي جمعت الابطال به هي التي شوهت طابع العلاقة، وهذا باد في معظم الاماكن التي برزت في مدن الملح ، الحدرة، وحران التي حولها النفط والامريكان. وهناك صلة عضوية بين براءة المكان الذي يعيش خلف سراب الصحراء العنيدة والقاتلة، وبين وصول الالات العتيدة التي لم تغير البيوت وطابع الارض كما حلم في ذلك الحكيم صبحي المحملجي، بل غيرت نفسيات الناس بحيث صارت صيرورة الزمن الذي عاشوا فيه قاتمة وغريبة، بعضهم تهمش وانعزل والبعض الاخر اخذ يطارد خياله واشباح الماضي التي لم يتخل عنها، فيما فقد الاخر عقله، وصار موضعا للشبهة.
صالح الرشدان مثلا في الاخدود الذي ظل حريصا علي البقاء قريبا من السوق القديم الذي كان يشير الي انفتاح المدينة علي العالم/ عالم القوافل شعر بالوحدة والنبذ، تفرق من حوله الناس، وهو الذي كان سيد الزمن، والمكان يأمر وينهي، وعندما مات ابنه، لم يشاركوه الفقد، بل اتهموه بالسرقة، وعندما سار حاملا النعش الابيض الصغير بين يديه، كان وحيدا و يثير السخرية اكثر مما يثير الشفقة، يا جماعة، صالح سارق له سرقة، مثل الحرامي يهرول ولا بد ينكفي علي وجهه وتبين سرقته ... ولكن صالح لا يلتفت ويسير لا يرفع وجهه، لا يسمع، ويمسك بجثة الصغير، بحقد اكبر، وكأنه يريد ان يستمد منها مزيدا من الصلابة والقوة .
علاقات الابطال مع المكان في بعض المرات تأتي نتاجا للاختلاف والصور الجاهزة، كما في مواجهة الامريكي مع الصحراء، التي بدت لهم كالجحيم وبدوا فيها كحيوانات محاصرة بالنيران يتراكضون في كل الاتجاهات ويصرخون ويتعاركون، فالصحراء تبدو ملعونة في رؤي القادمين الاجانب. حتي الحكيم الذي آمن عندما حل في موران، ان البشر هم الذين يخلقون الامكنة، بدا يعيد النظر في رؤيته، عندما اخذ يجول في اجواء هذه المدينة التي تحولت الي مسخ، والي عالم منفر يذرع المدينة الان لا يري في وهج الشمس الا كتلا سوداء صماء عاتية، وهذه الكتل تناصبه العداء لدرجة انه تمني لو انه لم يأت اليها . ان النظرة الشاكة في التطور والتحولات التي حدثت سريعا علي مجمتع الصحراء هي ادانة واضحة لعمليات التحديث التي حلت في المجتمع البدوي الذي نقل فجأة الي مجتمع نفطي. انها المدينة الجديدة التي قامت علي انقاض مدن الصحراء، مدن التآلف والانتظار، لم يعد فيها مكان للحياة الجماعية، وادي العيون لم يعد في ايام الخصب يخترع الحكايات والاحتفالات ليطيل اقامة القوافل، فالمشاعر الانسانية والجماعية في مدن الملح الجديدة الطالعة لم تعد موجودة. في اجواء كهذه يشعر الابطال بالسلبية ويفكرون بالرحيل الي مرافئ جديدة نسيت كل الجسور التي تصلني بالعالم، بشاطيء السلامة، لم يبق امامي الا ان اشرب، انا مجرد انسان عادي، مضطهد ، هكذا يقول بطل الاشجار واغتيال مرزوق ، بل يسائل كل اليقينيات التي شب عليها مثل فكرة الوطن الذي يختصر الانسان في جو كهذا الي مجرد انسان يتيه في الشوارع يبحث عن عمل ووراءه المخبرون .
وعندما يقرر الرحيل، يقر في نفسه انه لن يعود، سيغادر الوطن وينسي الاشعار التي تعلمها في المدرسة والحنين والمشاوير والقمر في الصحراء، فيما يقرر بطل حين تركنا الجسر التوقف عن القراءة والتفكير، بل ان البطل المثقف في هذه الحالة يألف الهزيمة، ويتلذذ بها. منيف في تصويره لاشكالية المثقف العربي في اي مكان لا يريد ادامة حس الهزيمة والهوان بل يريد منه ان يتمرد علي واقعه، ولهذا يفتح لهم منيف الباب امام التكفير احيانا عن اخطاء الماضي والعودة للذات، كما في حالة رجب اسماعيل شرق المتوسط والياس نخلة الاشجار واغتيال مرزوق . مقابل شخصية المثقف المهزوم والبطل الشعبي، تحفل اعمال منيف بالشخصيات التي تجسد السلطة الامير فنر ، السلطان خريبط ، و حماد المطوع الذي يشكل ويؤكد بما يرمز اليه من سطوة الامن والعيون علي حماية السلطة التي تعيش داخل قصورها، وتشعر بعزلة خاصة لولا الامن والرجل الاجنبي هاملتون مثلا (مدن الملح) الذي جاء برومانسية المستعمر واراد مزجها ببساطة البداوة من اجل تثبيت الاستعمار والسيطرة علي دفة الاقتصاد دون الالتفات الي حياة الناس العاديين.
وهناك شخصية الانتهازي الحالم مثل المستعمر التي ساهمت في بناء المجتمع النفطي ولكنها لم تتورع عن استغلال كل الوسائل لصالحها تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة ، وهناك المرأة التي عكست شكل القمع او صوره المفروضة عليها في المجتمع، وهي ان لم تلعب دورا ثانويا ولم تبرز في عملين مهمين النهايات و حين تركنا الجسر ، فقد كان وجودها ضروريا، ولعبت دور المحرك في الكثير من الاحداث، سواء كزوجة، ربة بيت، خليلة في القصر، او زوجة رجل انتهازي لم تتورع عن اهتبال اية فرصة لإرواء شبقها ومع ذلك ظلت وفية لاط
فالها.
ان قراءة منيف ضمن معادلة الزمان والمكان والشخصية تظهر دوره الريادي في تشكيل وتطوير الرواية العربية الحديثة، وكيف حاول الاستفادة من تقنيات السرد الغربي واشكاله، والعودة الي التراث العربي، واذا اخذنا خماسية مدن الملح فهي وان كانت عن صدمة الحداثة، ونشوء المجتمعات الاستهلاكية التي لم تتخل عن بداوتها، تظل عملا ملحميا، وظف له منيف التراث الشعري والمخزون التراثي البدوي، وقام من خلال هذا المزج برصد تحولات منطقة في العالم العربي، تغيرت بفعل ثنائية القمع والنفط.
وهذه القراءة التي يقترحها الباحث والناقد الفلسطيني، نبيه القاسم تختلف عن القراءات السابقة لاعمال منيف والتي استندت علي تحليل الموضوعات التي شغلت الكاتب، ولم تنتبه الا بقدر للجوانب الفنية والسردية وتطور الشخصيات والاحداث فيها.
والقراءة الجديدة هي موضوع كتاب القاسم الصادر حديثا في فلسطين الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف: المكان ـ الزمان ـ الشخصية ، والكتاب في الاصل اطروحة دكتوراه تقدم بها لجامعة تل ابيب واشرف عليها الباحث المتخصص بالادب العربي ساسون سوميخ. ونبيه القاسم ليس باحثا اكاديميا فقط، بل هو ناقد رصد تطور الحركة الادبية في فلسطين المحتلة ويتابعها منذ اكثر من ثلاثة عقود دراسات في القصة المحلية ، دراسات في الادب الفلسطيني المحلي ، في الرواية الفلسطينية ، واصدر عددا من المجموعات القصصية ابتسمي يا قدس ، و آه يا زمن ، اضافة لعدد من الابحاث التاريخية والكتب التعليمية.


إبراهيم درويش : ناقد من أسرة "القدس العربي" لندن


الكتاب:
الفن الروائي عند عبد الرحمن منيف
المكان ـ الزمان ـ الشخصية
نبيه القاسم
دار الهدي للطباعة والنشر

كفر فرع/ 2005

 

 

المصدر: صحيفة "القدس العربي" الصادرة في لندن - 21\11\2005

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi