فدوى: أيّتها الرائعة: وداعاً

 د. نـبـيـه القــاسم

لم أستطع حبس الدمعة عندما بلغني نبأ انتقالك من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى، ورحتُ أردّدُ كلماتك:

"يا موت يا غشوم، يا غدار

تخطفهم أحبّتي وإخوتي

أحبّتي وإخوتي زهر الرياض..

لؤلؤ المحار"

وذهبت بي التداعيات إلى أسماء فلسطينية فارق أصحابها، في الأشهر الأخيرة، الحياة التي شغلوها في حياتهم: عزّت الغزاوي، حسين البرغوثي، إحسان عبّاس، عبد اللطيف البرغوثي، بشرى قرمان، جمال يونس، شكيب جهشان، نواف عبد حسن، محمد القيسي، وإلى عديد من أسماء سبقوهم.

ترى يا عزيزتي: لماذا يموت الذين نحبّهم؟!

وتظلّين أنت، كما كنت الأميرة في رحلة الحياة وفي رحلة الغياب.

لقاؤنا الأوّل كان على أثر قصيدتك "قفا نبك:" بُعَيد الاحتلال الإسرائيلي لكامل التراب الفلسطيني في حزيران 1967، كانت كلمات القصيدة التي أهديتها إلى شعراء المقاومة جارحة، دامية، مفجّرة لينابيع الألم والحزن والتمزّق:

"على أبواب يافا يا أحبّائي وقفت وقلت للعينين: قفا نبك"

وأرسلت لك قصيدة جوابية: "كفى أختاه لن نبكي"

وجاءتني رسالتك الرقيقة الشاكرة تدعوني لزيارتك.

وفي بيتك الهادئ الرائع كان التعارف الأوّل وكان التعارف الدائم. وكانت أعراس الأدب التي تشاركين فيها والتقيتك في كثير من مدننا وقرانا في الناصرة وعكا والرامة ودير الأسد وغيرها. وكانت زيارتك الواجب المقدس في أيّة مرّة أزور فيها نابلس أو أمرّ فيها.

وهكذا ترحلين الآن، تنسابين في ليل ظلام الاحتلال بهدوء عاديّ وبسمة أخّاذة تؤكّد استمرار البقاء. تبعثين بنظراتك الدافئة السلام والوعد لكلّ حبّة تراب في الوطن المحتل، وتغرسين الثقة بتحقيق الوعد والأمل في فؤاد كلّ إنسان.

فدوى طوقان. شاعرة فلسطين والعرب وكل محبّي الحياة استطاعت خلال مسيرتها الشعرية الطويلة أن تُغني تجربتها الإبداعية وتُطوّرها وأن تثبّت وجودها على الساحة الإبداعية ليس فقط فيما قدّمت من شعر راق، وإنّما أيضاً بما جدّدته في مبنى ومضمون القصيدة العربية.

لم تكن حياتها رحلة هادئة وادعة، فقد ذاقت الثكل في صغرها بموت أخيها وعزيزها ومعلّمها إبراهيم طوقان وبكته كما لم تبك أخت شقيقها، وشهدت فَقْدَ الوطن وتشتّت الشعب وظلم الأهل في العالم العربي. وثم ثُكلت بموت أخيها نمر بسقوط الطائرة التي كان يستقلّها وصرخت بكلّ حرقة:

يا موت يا غشوم يا غدّار

يا قاصماً ظهري الضعيف لي لديك

ألف ثار، ألف ثار

وانزوت على نفسها تلوك أحزانها وتأمل في غد يكون أفضل حتى فاجأها الإحتلال لكل تراب الوطن فانتثرت وخرجت عن صمتها وأعلنتها: أن لا للاحتلال. وراحت تكتب الشعر وتلقيه في كل موقع يدعوها أهله في الوطن وأصبحت كلماتها صوت المقاومة للاحتلال. وفشلت كل المحاولات والمساعي لتبعدها عن درب المناهضة للاحتلال وظلّت تنتقل بين عمّان ونابلس، وتؤكّد أنّ ليل الظلم زائل ويوم الحرية قريب حتى أنهكتها السنون وأسلمتها الأيام بكلّ أعبائها لتخلد إلى سريرها بعد أن كرّمها الوطن بأبنائه وقياداته،  وكانت ساعة الرحيل, ففارقت الحياة لا لتكونَ ضمن مَن يُفارقونها وإنّما لتنتقل إلى الحياة الأخرى حياة الخلود، حياة الأصفياء.

أيتها الرائعة.. أيتها الشاعرة..

يا عروس فلسطين وتاج العروبة وطير الفينيق المتألق دائماً.

لن أبكيك.. فالوطن قد استنزف كل الدموع..

يا فدوى طوقان: وداعاً.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi