فرانسواز ساغان وتلك الأيام الجميلة

 د. نـبـيـه القــاسم

 

            ماتت فرانسواز ساغان عن عمر يُناهز التاسعة والستين عاماً.

          خبر عادي قد يُنسى بسرعة في زحمة الأخبار التي تصلنا يومياً عن قتل المئات وتدمير حياة الآلاف من الناس في العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة والكثير من بقاع العالم.

          ولكن موت فرانسواز ساغان المنسية منذ سنوات، يًستفزّ بي، وأعتقد بأبناء جيلي، الماضي الجميل وسنوات الشباب الأولى عندما كنا نخرج من صفوفنا في المدرسة الثانوية لنسير في المظاهرات هاتفين للوحدة العربية، ومهلّلين باسم جمال عبد الناصر، وفي ساعات المساء الرتيبة نحضن روايات فرانسواز ساغان المترجَمة لنعيشَ لحظات سعادتنا مع سيسيل بطلة روايتها الأولى "صباح الخير أيها الحزن"، ومع بول بطلة روايتها "هل تحبين برامز"، واليانور بطلة "قصر في السويد".

          مثّلت فرانسواز ساغان لنا في تلك السنوات نموذج الفتاة التي نحلم بها ونفتقدها في مجتمعنا الريفي المحافظ الذي نعيش فيه، وما كان يشدّنا إليها، إضافة إلى رواياتها المثيرة، كونها مُناضلة تُناصر قضايا الحريّة والشباب وقريبة من الكاتبة المهمة سيمون دي بوفوار صاحبة كتاب "الجنس الآخر"، ومن جان بول سارتر الأثير لدينا بفكره الوجدوي وكتاباته المتشعبة ومناصرته لقضايا الحرية والاستقلال، وصاحب كتاب "عارنا في الجزائر".

          كانت تُثيرنا بما يصلنا من أخبارها فنهتف باسمها يوم نقرأ أنّها وقّعت على عريضة ضد استمرار احتلال بلدها فرنسا للجزائر، ونمسك قلوبنا خوفاً عند سماعنا لحادث الطرق الذي تعرّضت له، ونرافقها في نزولها إلى الشوارع مع آلاف الطلبة مطالبة بالحرية والعدالة في ثورة أيار عام 1968.

          شكّلت فرانسواز ساغان النموذج الشجاع للمبدع في وطننا العربي، وساعدت على ظهور مبدعات مبادرات إلى الكتابة الإبداعية وإلى تصوير أحاسيس المرأة بصدق وصراحة، فكانت رواية ليلى بعلبكي "أنا أحيا" التي أثارت العواصف من النقد والتجريح وبالمقابل الاستحسان والتشجيع وأتبعتها برواية "الآلهة الممسوخة". وكانت رواية كوليت سهيل خوري "أيام معه" التي مهّدت لها المجد الأدبي وقوّت من مكانة المرأة المبدعة على الساحة الأدبية والثقافية في العالم العربي، وروايات وقصص غادة السمان وترسيخ وجود الأدب الإبداعي للمرأة العربية.

          ظاهرة فرانسواز ساغان فريدة في تميّزها، فقد كانت في الثامنة  عشرة من عمرها عندما نشرت روايتها الأولى "صباح الخير أيها الحزن" واستطاعت أن تُثير زوابع من النقد الجارح والنقد المادح المؤيد، وتصبح من أكثر المبدعين شهرة في فرنسا وفي العالم بعد ترجمة روايتها للكثير من اللغات ومنها العربية. فقد كانت صريحة وعفوية ومبدعة وساحرة في روايتها هذه التي صَوّرت فيها حياة أسرة برجوازية حيث يعيش الأب وابنته في بيت واحد، ولكن لكل منهما حياته العاطفية والاجتماعية الخاصة. سحرت فرانسواز جيل الشباب بصدقها وجرأتها وعفويتها واستطاعت أن تُخرجهم من الهموم والأحزان والمآسي التي خلّفتها لهم الحرب العالمية الثانية، ورسمت لهم حياة جديدة تحلم بها كل فتاة، ويتمناها كل شاب في أول طريقه.

          وكما نجحت في تصوير أحلام أبناء جيلها من الشباب والشابات في رواية "صباح الخير أيها الحزن" كان نجاحها كبيراً في تصوير هموم ومشاكل وواقع حياة أبناء جيل الأربعين في روايتها "هل تُحبين برامز" التي تروي فيها قصة امرأة في التاسعة والثلاثين من عمرها تعيش قصة حب مع رجل يُماثلها في العمر يخونها ويخدعها ولكنه يحرص على بقائها قريبة منه، وفي الوقت ذاته يُحبّها شاب في الخامسة والعشرين من عمره يمنحها شبابه ووقته وإخلاصه والأمل في حياة جميلة، لكنها تُفضل رجلها الذي تُحب رغم معرفتها بخيانته، وتبتعد عن عاشقها الشاب رحمة به وشفقة عليه.

          بساطة أسلوبها وعفوية لغتها وصدق تصويرها وقدرتها على التغلغل في نفسيات شخصيات رواياتها واختيار المشاغل اليومية العادية للناس، جعلت روايات ساغان الأكثر مبيعاً، وبوأتها قلوب الناس على مختلف انتماءاتهم الفكرية وميولهم الأدبية ليس في فرنسا فقط، وإنما في كل بلدان العالم التي تُرجمت إلى لغاتها رواياتها.

          لقد خرجت فرانسواز ساغان لتكسر الصمت وتفجر الغضب وتنهي القلق الذي سيطر على جيل الشباب في أوروبا بعد سنوات الحرب المدمّرة. خرجت لتعبّر عن مطامح ورغبات وأحلام جيلها وتبوح بهمومهم ومشاكلهم اليومية بعيداً عن صخب الحرب والذكريات المؤلمة.

          عندما فاجأت الجميع وهي في الثامنة عشرة بروايتها "صباح الخير أيها الحزن" هلّل لها كبار أدباء زمنها، ونشرت أخبارها كبرى الصحف والمجلات، فقد مثّلت النموذج المُحتذى لجيل الشباب القلق الغاضب الراغب في كسر القيود واختيار الحياة الحرّة المستقلّة التي يُريد، ناسياً الماضي الحزين المؤلم، مبتعداً عن صخب الحروب ودمارها.

          لقد أعلنت ثورتها ورغباتها وطموحاتها غير المحدودة، فثارت على قيود العائلة واختارت لها اسماً جديدا "ساغان" بدلاً من اسم "كواريز". ورفضت الجو الأكاديمي الصارم في جامعة السوربون حيث كانت تدرس، وتركت الجامعة لتنطلق في حياتها الحرّة، تتعرّف على حياة باريس الأخرى، فتلتقي بالمثقفين والمبدعين والشعراء والأدباء، تزور المقاهي وتسهر في الحانات، تُثير حيثما تنطلق بجسدها الشاب وأنوثتها الصارخة وخصلة شعرها الشقراء المُتدلّية على جبينها حتى غَدَت مَطمَح الشباب وحلمَهم الكبير.

      عاشت كما أرادت وكما يحلو لها، أحبّت، وتزوّجت وأنجبت، وطلّقت. عرفت حياة الناس على مختلف انتماءاتهم. واختارت منهم الأصدقاء الأثيرين. كسرت العديد من القيود والمفاهيم الاجتماعية وأدخلت نفسَها في الكثير من المشاكل. صادقت كبار الشخصيات والمفكرين، ولكنّها أحبّت أيضاً حياة المواخير والبوهيميين.

          أخيراُ، ماتت فرانسواز ساغان، ولكنها بالنسبة لنا، نحن الذين أحببناها وعشنا مع أبطال رواياتها، سنظلّ نذكرُها ونعيش معها ونستعيدُها كلّما استعادَتنا الذاكرةُ إلى تلك الأيام الجميلة، فترة الشباب بأحلامه ومثالياته، يوم كانت فرانسواز ساغان تعيش معنا، تُسامرنا، ونرسم وإياها بخيالاتنا المستقبل الجميل.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi