أيُّها الأعزّاء الأحباء في غزّة.. سلامي لكم

 

"نحنُ شعب الجبّارين .. واللي مش عاجبه بإمكانه أن يشرب من بحر غزّة.."

كلمات .. ونفرحُ بها.

كلمات .. ونُصفّقُ لها.

          كلمات كان يُكرّرها ويُردّدها الرئيس الرمز الخالد ياسر عرفات تأخذُ بنا بعيدا لنتجاوزَ الحلمَ إلى بناء عالم واقعيّ، نحن فيه أصحاب البيت وأسياد المواقف.

          كان لقائي الأول به والصديق الكاتب محمد علي طه في مكتبه في مدينة تونس يوم 3 نيسان 1994عندما قال لنا بصدق وإصرار الثوري الحالم الموقن بصدق رسالته وطريقه: سأقبل ولو بخيمة صغيرة في أرض الوطن.

           وكانت لقاءات أخرى مُصغرة أو أثناء احتفالات كبيرة في غزة ورام الله ونابلس وبيت لحم . وفي كل لقاء وحفل يزداد الرجلُ شموخا، والحالمُ روعة، والثوريّ اصراراً على تحقيق الذي يُريد.

 

          وتصعقني مشاهدُ الأيام الأخيرة التي أتابعُها على شاشات المحطات الفضائية والفلسطينية خاصة.

شعبُ الجبارين ينقلبُ على نفسه ويُغرقُ نفسَه في بحر غزة.

شعب الجبارين يقوم بعملية انتحار جماعيّة على مرأى الفضائيات ويرقصُ الواحدُ حول جثّة أخيه، ويصلُ حَدّ النشوة باعلانه تحرير نفسه  بقتل نفسه وبجرّه لأخيه العاريّ الصدر مُهانا ذليلا ليُرديه بزخاتٍ من رَشّاشٍ طالما خدَعنا بتَلويحه به أمام شاشات الفضائيات.

أشبالُ شعب الجبّارين يُحطّمون نصبَ الجندي المجهول رمز الشموخ والبطولة والتضحية للشعب الفلسطيني ويرمون به حطاما مُبعثرا.

المغاويرُ المؤمنون من شعب الجبارين يحفرون السّرداب السريّ ليُفَجّروا مقرّ الرئيس، وفي كلّ استراحة قصيرة من العمل يُنشدون ويُهللون لتحرير الأقصى، ومن ثمّ يقتحمون مقرّ الرئاسة والرئيس وينهبون ويكسرون ويرفعون رايتهم مؤكدين انتصارهم على أنفسهم.

الأشاوسُ المؤمنون من شعب الجبارين يُغيرون على بيت أمير الشهداء "أبو جهاد" ولا يتركون شيئا مكانه.

 

ولم أصدق ما أسمع وأقرأ وتُرددُه الفضائيات ووسائل البث المسموعة والمقروءة .

أبطال شعب الجبّارين يغيرون بغزوة مشهودة وغير مسبوقة على بيت الرئيس الرّمز الخالد أبي عمّار ويعيثون بمحتوياته ويرمون ببعضها، ولا يتورّعون عن انتهاك حرمة غرفة زوجته وابنته والعبث بما فيها.

يا عارَنا في غزة ..

يا عار فلسطين.

ونحن شعب الجبّارين .. واللي مش عاجبه بإمكانه أنْ يشرب من بحر غزّة.

 

وتروعُني المشاهدُ والتقارير، وأفزعُ على مصير الأعزاء في غزة، وأخاف الاتصال بهم لخوفي ممّا قد ألقى من جواب.

وتتوالى صورهم أمامي الواحد تلو الآخر..

 وتحضرني كلماتهم وأصواتهم،

 وأتذكر أحلامَهم ومشاريعهم .. وكلّ تلك اللقاءات الدافئة التي جمعتني بكل واحد وواحدة منهم.

أين أنت يا أحمد دحبور ويا محمد البوجي ويا زكي العيلة ويا ناديا العطار ويا عبد الله تاية ويا عبد الكريم السبعاوي ويا غريب عسقلاني ويا منى أبو يوسف ويا .. ويا ..

 

هل أردّدُ مع محمود درويش: "أيّها المستَقبل: لا تسألنا: مَن أنتم؟ وماذا تُريدون مني؟ فنحن أيضا لا نعرف."

وهل أرددُ مع سميح القاسم نشيدَه الذي طالما مشى الثوار من شعب الجبارين على إيقاعاته: "تقدموا ، تقدّموا"

فأيّ مستقبل أبقى لنا هؤلاء المغاوير المؤمنون في غزّة!؟

وإلى أين يتقدّمُ هؤلاء الأشاوسُ المؤمنون وقد استباحوا دمَ أشقائهم، ورقصوا وهلّلوا على جثث إخوتهم وأخواتهم، واستباحوا كلّ مقدسات الوطن ورموزه.

 

أتذكرُ كلمات رئيس الحكومة اسحق شامير يوم قال: "أتمنى لو أستيقظ يوما فأجد غزّة قد غرقت في البحر". وكيف كانت ردّةُ فعلنا على هذه الكلمات العنصرية الشوفينيّة المُنَرْفِزة.

وتُراودني أفكار غريبة:

 لو تحققت أمنيةُ اسحق شامير يومَها لاحتفظنا بصورة غزة البطلة، وشعب الجباين العظيم. ولما عانينا ما نُعانيه هذه الأيام ونحن نشاهدُ جثةَ الشهيد تُجَرّ بيد الشقيق القاتل ، والمرأةَ التي طالما تغنّينا بصمودها ونضالها وهي تزغردُ وتُصفّق لتحرير غزة مِن يد الأشقاء الكَفََرة المارقين. ولما سمعنا باستباحة رموز الوطن ومنزل الخالد أبي عمّار.

لو تحقّقت أمنيةُ اسحق شامير ..

 

وتتراقصُ أمامي صورُ كل الأعزاء والأخوة في غزّة ..

ويأتيني صوت الصديق الشاعر أحمد دحبور من قلب غزة عَبر الأسلاك الهاتفيّة ليُعيدَني إلى واقعي واتّزاني، وبأنّ غزّتنا لا تزال صامدةً ومتألّقة.

 

 وتنتفض في داخلي صرخةُ ألم غاصبة:

 أبداً يا غزة..

 باقية أنتِ على مَدى الزمن المَديد..

أبدا يا غزة.. صامدة أنتِ في وجه كلّ طواغيث الزمن الرعديد..

 أبدا يا غزة.. باقية أنتِ بشعبك، شعب الجبارين..

 أبدا يا غزة ..

يظل سلامي لشعب الجبّارين

للرّمز الخالد أبي عمّار.

 لكلّ الناس،  لأغلى الناس في غزة.

وسلامي لكم .. سلامي لكم

 يا بعضَ الأهل، يا بعضَ الشعب القاسي الظالم لي في غزة..

سلامي لكم.. سلامي لكم.

وتبقى غزّة تتعالى فوق الدمّ النازف

وتضمّد جراحَ فلسطين.  

نـبـيـه القــاسم

 

اليوم السابع، مُلحق جريدة كل العرب 22.6.2007

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi