هيفاء بيطار في روايتها " أفراح صغيرة أفراح أخيرة":

انطواء المرأة على ذاتها وجسدها

 د. نـبـيـه القــاسم

  

نُشر على حلقتين في "الاتحاد": 31.12.2010 وَ 7.1.2011

أوّل الكلام وخلاصتُه

تكاد هيفاء بيطار، الكاتبة السورية، أن تتميّز عن غيرها من المبدعات بتمحورها في رواياتها المختلفة حول هموم المرأة الخاصة جدا: الجسد، الزمن، الوحدة.

الجسد: وهو المركز والقيمة والوسيلة والغاية والحريّة.

"كانت تضع ماكياجها البسيط برشاقة وتعود، حتى أنّها تحسّ أنّها قادرة أن ترسمَ خطوطه وهي مغمضة العينين، الكحل الأسود الذي يُحدّد جفنَها العلوي،الظلّ الأزرق أو الرماديّ أو البنفسجيّ، أحمر الشفاه الأقرب إلى فصيلة القرمزيّ، هذه ألوانها المفضّلة منذ تفتّح أنوثتها، شملت صورتها بالمرآة بنظرة رضا"(ص6-7).

الزمن: عدو المرأة الذي تخشاه وتخافه وتحاول التهرّب منه ومُراوغته بشتى الوسائل مع إدراكها الداخلي بأنه المُنتصر أخيرا.

"وللحظة تجسّدت أمامها سنواتها الأربعون، المحور الأساسيّ في حياتها كان البحث عن الحريّة، وعن طريقة تحقيقها، كلّ هاجسها كان أن تتحرّر في العمق من كلّ ضغط خارجي يبغي تشويهها وتغريبها عن ذاتها."(ص9).

"الآن أنتِ تتربعين على الذروة فكم من الزمن ستقاومين الهبوط؟"(ص15)

الوحدة: التي تكاد تخنقها حيث تشعر بالإهمال والغربة والضجر والتّهميش ممّا يوصلها إلى درجة الجنون.

 "فتحت عينيها وخاطبت صورتها في المرآة: هيام حدّدي مخاوفك؟ هل أنتِ خائفة من أفول الشباب؟ أو لأنّك وحيدة؟ أجل امرأة وحيدة حتى الثمالة."(ص15).

"الضجر، إنّه الضجر، طوال اليوم لم يرن هاتفها، لم يفتكرها أحد، صمت مطبق، التلفاز، المذياع، الكتب، الجرائد، المجلات، الجدران، كلها لا تقاوم ضجرها، الضجر يفتت الأعصاب يُدمّرها"(ص20).

ولم تختلف بطلة روايتها "أفراح صغيرة أفراح أخيرة" عن بطلات رواياتها الأخريات، فهيام بطلة الرواية في الأربعين من العمر، تعيش وحيدة في بيتها بعد طلاقها من زوجها، تقاوم مرور الأيام والسنوات، وتحارب الضجر والوحدة، وتنتظر الرجل الذي يحبّها ويملأ لها حياتها ويُسعدها.

لم ترو هيام قصّة حياتها لنا بصورة مباشرة، وإنّما اختارت مَن يروي القصة عنها لتُعطي نفسَها حيّزا أوسع من الحريّة في البوح والتّفاصيل وطرح الأفكار، وحتى لا يسم البعضُ روايتها بالسّيرة الذاتية، كما فعلوا مع روايات أخرى لها (يوميات امرأة مطلقة، امرأة من طابقين). فهيام تُريد أن تكشف عن عُهرِ الرجل الشرقي وأقْنَِعَتِهِ الزائفة التي يَخدع بها، وظلم المجتمع في محاسبته المرأة على كلّ تصرّف من تصرّفاتها.

 

بداية القصة

هيام الفتاة العربية، ابنة مدينة اللاذقية السورية والأسرة المثقفة المتعلمة، أثيرة جدّها والأقرب إليه. بعد تخرجها بنجاح من مدارس مدينتها سافرت إلى باريس لنيل الدكتوراه في النقد الأدبي من جامعة السوربون. وفي بيت صديق لها تعرّفت على شاب سوري يُحضّر أطروحته لنيل الدكتوراه في هندسة الجسور. وكان صوت فيروز المنطلق من شريط كاسيت والتقاء النظرات الشرارة الأولى لقصة حبّ عنيفة بينهما عاشاها في باريس، وزاد إعجابها به عندما امتحنته بعد تقديمه شبكة الخطوبة لها إذا كان سيرفضها إذا علم أنّ لها تجربة سابقة مع رجل قبله، فقال لها: "لا أبدا، هذا سُخف فظيع، صدّقيني أنا حرّ من عُقدة أن أكون الرجل الأول، وحين أحببتكِ لم يهمّني إنْ كان لك علاقة مع رجل قبلي." (ص36) وحتى عندما حاولتْ إيهامَه بأنّها ليست عذراء قال لها مؤكدا: "هيام، أنا لم أسألك شيئا، حياتك مُلكك، لستُ ديّانا ولا أملك هذا الحق."(ص37).

اعتقدت هيام أنّها وجدت الرجلَ المثالي الذي ستعيش معه حياتها القادمة، وكانت الفرحة كبيرة يوم خطوبتهما وسط الأهل بعد عودتهما من باريس. لكن الواقع سرعان ما نبّههما إلى أنّهما لم يعودا في باريس وإنّما يعيشان في اللاذقية، بلدتهما صاحبة التقاليد والعادات الاجتماعية الضاغطة، فقد رفض أهلها أن تخرج معه لقضاء السهرة خارج البيت.(ص41)

 

صدمةُ الواقع وتَعرية الرّجل

       اعتدنا في روايات الروّاد التي تناولت حياة الطالب الشرقي الذي سافر إلى أوروبا طلبا للعلم، أنّ أوّل ما بهره من العالم الجديد كان المرأة المتحرّرة، وطبيعة الحياة المنفتحة التي لا تعرف القيود، وكيف أنّ هذا الطالب سرعان ما يقع في حبّ أول فتاة تبتسم له، على سبيل المثال: (قنديل أم هاشم ليحيى حقي، عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، الحي اللاتيني لسهيل إدريس، موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح) بينما نجد أن الفتاة العربية التي تسافر للدّراسة في أوروبا تبقى حبيسة ذاتها، وإذا أحبّت أو أقامت علاقات عاطفية، وحتى جنسية، فتكون في غالبها مع شاب عربي شرقي تلتقيه في الجامعة أو صدفة في مناسبة ما، وما يبرز في كل الشخصيات الذكورية أنّها تهتم في إظهار وجهها الحضاري المتحرّر المُتسامح المتفهم لكل ما له علاقة بسلوكيات المرأة وخصوصياتها وحريتها في جسدها وعواطفها. ولكن هذا الشاب نفسه سرعان ما يخلع قناعَه المزيّف، ويعود لحقيقته المتزمّتة المتمسّكة بالعادات والتقاليد، المحاسب للمرأة على كل صغيرة وكبيرة، مجرّد أن يعود إلى وطنه ويستقر فيه.

        وهذا ما رأيناه في زوج هيام الذي سرعان ما تكشّفت حقيقتُه بعد عودته من فرنسا وزواجه، لقد كانت سنوات الزواج السّبع التي عاشتها هيام معه من أشقى السنوات، فقد فشلت هيام في الإنجاب، ورغم الفحوصات العديدة، والتنقل ما بين الأطباء المختصين والاستشارات الطبيّة خارج البلاد وداخلها، وحتى زيارة تمثال العذراء والابتهال لها وطلب مساعدتها: "هذه أنا، تأمّليني، أنظري إليّ، أترين وجهي، ساعديني، أرجوك ساعديني."(ص43) لم تحمل ولم تُنجب.

 واشتدّ ضغط الزوج والأهل عليها إلى درجة فقدان القُدرة على المواجهة فهربت لتنزوي مع نفسها، واشترت دمية شقراء تُغمض عينيها وتفتحهما، تُصدر أصواتا حلوة بين ضحك وبكاء، ومُكاغاة، تلهو بها تتخيّلها طفلَها المنتظر، وتسرعُ لتخفي الدمية حين يأتي زوجها. ( ص43)

وازدادت قسوةُ الزوج، وبدأت تصرّفاته تتغيّر ومعاملته تقسو وتَجرح، فعندما طلبت منه المساعَدةَ وهي تُعدّ العشاء لأصدقاء يزورونهم، أجابها بجفاء وهو يلاعبُ طفلَ صديقه: "أنا عديم أطفال، دعيني ألعب مع الصغير؟" (ص43). وتمرّ الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات، ويضيق بها العيشُ والغضبُ والثورة بعد سبعة أعوام من الزواج، فانفجرت في وجهه غاضبة متحدّية مُتّهمة: "أنا لست بويضة، أنا إنسانة، إنسانة، أتفهم، كل يوم أسمع مئة مرّة كلمة حَمل، وإباضة، إباضة، وحَمل، تعشيش وإلقاح، لقد خنقتني، وما أن تسمع عن طريقة جديدة في معالجة العُقم، حتى تُطالبني بالانصياع والتجريب، ما هذا الجحيم الذي أعيشه، لماذا لا تتبنّى طفلا؟!".

ولم تُفاجأ بجوابه القاطع: "قلتُ لا مرارا، انسي موضوع التبنّي، أنا أريد طفلا يحمل صفاتي." وبسخرية جارحة علّقت: "يا لها من صفات! لم يعد في قلبك ذرّة رحمة، ذرّة حبّ، أوه مَن يطلب منك الحبّ الآن، لكن ارحمني، ارحمني من هذا العذاب" كان جوابه الحاد: "رجل غيري، كان تزوّج مرّة ثانية، ومنذ سنوات." (ص44) ولكنها فوجئت من ردّة فعله على اتّهامها له بالكذب: "كذب، كذب، أنت تعرف تماما أنّك تُؤلمني، بل كيف تُؤلمني، صرتَ فنّانا في تجريحي، كلّ همّك إشعاري كلّ دقيقة، بل كلّ ثانية أنّني ناقصة. أنتَ تتّبع أسلوبا، أنا أحتقره، تُريد أنْ تضغط على أعصابي وتضغط حتى اضطر أنا لطلب الطلاق، هذا أسلوب الجبناء." فقد ثار وغضب وصفعها صفعة مدوّية على وجهها فتكوّمت كحيوان جريح يئنّ وسط دموعه. وصرخت في وجهه: "أتضربني يا نذل..!".

ولم تُصدّق ردّ فعله، ولا الكلام الذي تسمعه من الإنسان الذي أحبته وعاشت معه أجمل أيام الحب، فقد قال خالعا القناع الذي عرفته به بكل قسوة وتجريح: " كفى، أنا صبرتُ عليكِ صبرَ أيّوب، ما ذنبي إنْ كنتِ عاقرا، ساعة نحس يوم تعرّفتُ بك، أنتِ امرأة لا تصلح للزواج أبدا، وهل هناك فتاة ذات أصالة، وأخلاق عالية، ترضى أن تعيش مع رجل لا تربطها به صفة رسمية، أكثر من سنة في شقّته؟"(ص45)

وصُعقَت من هول المفاجأة، وتمثّل لها في صورة الرجل الذي خدعها لسنوات بقناعه الحضاريّ المزيّف ووجد الفرصةَ الآن ليُخرِجَ العَفن المتراكم في أعماقه، عفن متوارث عبر أجيال. وفي تلك اللحظة شمّت رائحة النهاية، فالنهايات لها رائحة خاصة، نظرت إليه وهي تعلم تماما أنّها النظرة الأخيرة لرجل أحبّته وخذلها، ومتأكّدة أنّها لن تعيش معه أبدا بعد ما سمعته، فقالت له بهدوء واحتقار: "كفى لننفصل بصمت، أشرف لنا." (ص45-46)

وهكذا كان، ولم ترض بكل محاولاته لاستعادتها.

 

قسوة الوحدة والضّجر والتّهميش والحَجْر

       يبرز في معظم الروايات النّسَويّة هذا الموتيف المخيف الذي يُدخِلُ المرأةَ العانس أو المُطلّقة أو الأرملة التي شارفت على الأربعين من عمرها في دوّامة من الخوف والرّعب والفزَع والشّعور بالتهميش والتّجاهل والحَجْر، فالمجتمع بمفاهيمه وعاداته وتقاليده يفرضُ على المرأة سلوكا يُحدّدُه لها في نطاق المفاهيم والسلوكيّات التي تبنّاها ولا يقبل بأيّ خروج عليها، وهذا هو الواقع الذي عاشته هيام بعد طلاقها، فقد كانت وحيدة، لا مؤنس لها، لم يبق لها في المدينة غير شقيقتها مع زوجها وابنتها، وصديقة تُثرثر معها، وتشكوان لبعضهما مخاوف الزمن وألم الضجر ورهبة الوحدة. تقضي بعض ساعات يومها في مكتبتها تبيع الكتب، وساعات ما بعد العمل في الثرثرة وشكوى الزمن وزيارة البعض.

وهم امرأة

       توحّدُ المرأة مع ذاتها وتهميشها وتجاهلها وتَحجيرها يدفعها للانشغال بذاتها والوعي لحاجيات جسدها الذي لم يبق لها غيرُه لتَنشغل به، وهذا يقودُها لمَن يُعيد لجسدها الحيوية، وللبحث عن الرجل الذي يتشوّق إليه الجسد. فعندما شكت هيام لصديقتها الوحيدة بُشرى الصداع الذي أصابها قالت لها: " لوكان هناك رجل يُحبّنا ونُحبّه لما كان هناك صداع". وعندما تظاهرت هيام بعدم الرضا قالت لها بُشرى: "هيام هذه حاجة طبيعيّة، أن نُحِبّ ونُحَبّ. نحن بحاجة لرجل يُسعفنا من الوحدة والفراغ، والشباب الذي يضيع هدرا كما نعيش أنا وأنتِ، منذ سنوات لم يلمسنا رجل." (ص88).

مُعاناة المرأة المثقّفة

المرأة المتعلّمة المثقفة المجرّبة والمنفتحة على الثقافات والمجتمعات هي ميّزة بطلات روايات هيفاء بيطار، وهذا ما يجعل إحساسهنّ بالظلم أقسى وأكبر، ورغبتهن في التمرّد والثورة والتحدّي والمواجهة أقوى وأسرع.

هيام طالبة الدكتوراه في النقد الأدبي عندما قبلت بعلاقتها مع الشاب السوري الذي تعرّفت عليه في باريس وفيما بعد أصبح زوجها، اعتبرتها علاقة طبيعيّة، ولكنها سرعان ما رفضت الاستمرار في القبول بظلمه وتهميشه وتجاهله وتحقيره لها بعد الزواج، وعندما انكشف وجهُه الحقيقي لها، وأنّه لا يختلفُ عن أيّ رجل شرقيّ بتفكيره ونظرته للمرأة، احتقرته  وفرضت عليه الطلاق، ولم تقبل بالعودة إليه.

 فالمرأة قد ترضى البقاء تحت كنَف الرجل، وتتحمل كلّ صروف المُعاناة والظلم طالما هي تشعر باحترامه لها ورغبته فيها، لكنها إذا افتقدت احترامَه وشعرت برفضه لها تتحوّل لتكونَ في منتهى القسوة والعنف والكراهيّة.

وهيام نفسُها رفضت الأستاذَ الجامعي الذي تقدّم إليها ورضيت به بعد اكتشافها أنّه يريدُها مُربية لحفيدته، وهي التي وجدت في توفيق الشاعر الدمشقي الرجلَ الذي مُمكن أن يُخرجَها من وحدتها ويُنعشَ جسدَها ويُعطي لحياتها نَكهة طالما تمنّتها في ساعات وحدتها وضجرها، وهو الذي عرّفها في دمشق على الحياة الصاخبة غير التي اعتادتها في اللاذقية، ورأت كيف أن الحياة الزوجية ليست هي المقدسة، وأنّ لكل واحد من أصدقاء حبيبها زوجة وأولاد، وعشيقة يُبادلها الحبّ والجنسَ دون أيّ تأنيب ضمير أو شعور بالذنب.

لم تكن هيام مُقتنعة بالعلاقة التي تربطها بتوفيق رغم الرسائل المتبادلة بينهما واللقاءات الحميمة التي تتم في زيارته لها أو زيارتها له. لكنه نجح في إخراجها من وحدتها، وأن يشعرَها بقيمتها وقيمة الحياة التي تحياها. لقد عرف كيف يَدخلُ إلى قلبها بتأكيده لها إنّ الزواج مقبرة حقيقية، وحريّة الفرد قيمة لا تُقدّر. وأنها هي محظوظة بخلاصها من قَيْد الزواج بينما هو لا يزال مُقيّدا وأسيرا ولا يمكنه الفكاك من قيده، فكما رضي بالزواج لشعوره بالذنب تجاه المرأة التي رافقته السنوات الطويلة بإخلاص وثقة رغم عدم حبّه لها، فإنّه لن يطلقها ويتخلّى عنها لحبّه لولديه حبّا يجعله يحتمل أمّهما لأجل أن يعيشا حياة أسريّة مستقرّة.(ص58).

هكذا نجح توفيق في استدرار عطف هيام، وجعلها ترأف به وتنجذب إليه أكثر، فمَِن مثلها يعرفُ قسوةَ الزواج وظلمَه وثقلَ قيوده، فكيف لها أن لا تعطفَ على توفيق الزوج الضحية، وأن لا تنجذب إليه لتُخرجَه من حزنه ووحشته وتُحرّره ولو لساعات من سجنه وسَجّانه. وفي الوقت ذاته "تجد فرصتها لتعوّض السنوات التي حرقت فيها أعصابَها وهي على بعد خطوات من الأربعين."(ص59) ولتنطلق بأحلامها على إيقاع همساته لها: "امرأة مثلك دافئة ورقيقة، جريمة حقّا أن تكون وحيدة."(ص62)، "الشوق الأبدي بين الرجل والمرأة لا يُمكن أنْ يزول، إنّه غريزة ، إنّه أصل استمرار الحياة، فالرجل والمرأة ليسا نصفين يُكملان بعضَهما، بل كانا في الأساس واحدا انشطر إلى نصفين، وبقي الحنينُ بين هذين النصفين. وامرأة مثلك من غير الطبيعي أن تُلغي الرجل من حياتها. فالحبّ أعظم ما في الوجود، بل هو هدف الوجود."(ص64)

وكما أثار إعجابَها حبيبُها الذي تزوّجته وطلقته عندما أكد لها بعد تعارفهما أنه لا يهمّه إن كان في حياتها رجل قبله أو كانت غيرَ عذراء(ص36) هكذا سحرها توفيق عندما أظهرت استغرابها منه لعدم اهتمامه بمعرفة إذا كانت متزوجة أو مطلقة أو عازبة بقوله: "كل هذا لا يهمني. يهمني أن يعودَ البريقُ لعينيك الجميلتين."(ص74-75)

وتابعت هيام علاقتها بتوفيق مُخفية أمرَها عن شقيقتها وصديقتها، سعيدة بساعات اللقاء به، وفرحة برسائلها التي تُرسلها له وبالتي تستقبلها منه، وعاشت السعادة التي حلمت بها "أن تكون موضع حبّ شخص يعرف جيّدا كيف يُحبّ، كيف يُعطيك جزءا من روحه، كيف يصوغ من كلماته نسيجا حيّا ودافئا يُغطّيك فيه، أو يلفّك" (ص98)

العذاب في ساعات التوحّد مع الذّات

كانت هيام المثقفة المتعلّمة، تتعذّب مع نفسها في ساعات توحّدها مع ذاتها، ورغم نجاحها في إيجاد الرجل الذي يُخرجها من وحدتها، ويُنعش جسدَها ويُعيد الحيويّة إلى روحها في شخص توفيق الشاعر الدمشقي، لم تكن مقتنعة أنّه الرجل الذي حلمت به، ولم تهدّ الحواجز والموانع التي تُبعدها عنه، فظلّ بالنسبة لها الرجل الغريب، الذي تلوم نفسها على اندفاعها نحوه وتهوّرها معه وتسليمه جسدها. وتلوم نفسها على تسرّعها بالسفر إليه بعد أسبوعين فقط، وتتساءل: "ماذا سيقول في سرّه عن امرأة تقطع عشرات الكيلومترات لتراه؟"(ص101-102) ولم تنجح كل محاولات الإقناع والتأكيد والبرهان التي قامت بها مع نفسها في إزالة الغشاوة عن الرجل الذي تلهث وراءه ليُخلّصها من وحدتها ويُنعش روحها ويُفتّحَ جسدَها.

ورغم محاولاتها اليائسة لتبرير علاقتها بتوفيق ولقاءاتها به "ألا يفترضُ في الإنسان أن يخلقَ فُرَصا وظروفا هو بنفسه؟" (ص112) إلا أنّها كانت تتراجع خائفة أمام سَطوة وثِقَل "الأصول والأعراف المُتعارف عليها"(ص112). ثمّ تعود لتتناسى كل الممنوعات لتتمدّد على السرير ولتنتشي بثقل جسَد الرجل، وتُحسّ إحساسا كادت تنساه في سنوات وحدتها الطويلة، وعندما تصحو بعد اللقاء وتجد نفسَها عارية تماما،  تُحسّ أنّ أعصابها تتلف من النّدم، أصوات في داخلها كانت تصرخ وتصرخ محتجّة على لقائها السّريع مع رجل بالكاد تعرفه.. ولا يجمعُها به  الحبّ.. إعجاب واستلطاف، يأس ورغبة، وحبّ المغامرة، أشياء وأشياء رمتها على السرير، في شقّة رسّام عبقري مع شاعر غريب.(ص121) وتُتابع في تعنيف نفسها "فعلا أنا مغفّلة وغبيّة، ما الذي قادك إلى دمشق تقطعين عشرات الكيلومترات لتلتقي رجلا لا تُحبّينه، وتتعرّي في أحضانه كالمخَدّرة."(ص123) لكنها سرعان ما تعود لتُبرّر تصرّفها "إنّ دافعها لهذه السّفرة كان ضجرها وخيباتها الماضية، وتعترف بشوقها للرجل، وتذكّرت كيف أدهشها شعورُها وهي تُحسّ بثقله فوق جسدها، أدهشها إحساسُها بوزنه ذلك الإحساس البسيط الماديّ الذي نسيته لسنوات."(ص129) وتتساءل: "لماذا عليها أن تُحارب سعادتها وتضع العصي بين الدواليب." (ص132) وحتى كون توفيق متزوّجا لم يهمها "وماذا يعني أن يكون لكل رجل حبيبته؟ وما ذنبُه إنْ لم يُوفّق في زواجه، هل يُحرّم عليه أن يبحث عن السعادة مع امرأة أخرى؟ وكلّ إنسان حرّ بحياته الشخصيّة واختياره."(ص133).

 

في مُواجهة العادات والتقاليد

وثارت هيام على عادات الناس وتقاليدهم ومفاهيمهم، فكيف تقبل عدم استقبال حبيبها في بيتها لأنّ الجيران يُراقبون تحرّكات امرأة وحيدة ومطلّقة، ولو رآه أحد داخلا أو خارجا من بيتها لضَجّت الفضيحة في المدينة في نفس اللحظة. ولماذا لا تتمكنُ من زيارته في الفندق؟(ص136). "فالحبّ غاية وحاجة أساسيّة في الحياة، وروعة الحياة وحلاوتها حين التعامل معها بقلب مُحب"(ص139). "الحب دوما يُشرق من قاع اليأس، حين توصدُ بوجهنا كلّ الأبواب، وحين نعتقد أنّنا استنفذنا فرصنا في الحياة يُفاجئنا سخيّا دافئا مُدهشا."(ص142)." ألم يُطْلِقُها الحبُّ من قمقم الخوف والتقاليد، ومزّق كلّ اللّجم والحبالَ التي تسجنُها، مُحرّرا إيّاها من مخاوف الطفولة، ومن عُقَد المراهقة، ومن سُخف الاعتبارات الأخلاقيّة للبالغين والناضجين."(157).

وسخرت هيام من كلّ المفاهيم التي اتّفق عليها الناس، وأعلنت أنّها لم تعد تُبالي، فالإنسان قد يعيش زمنا طويلا من عمره حتى يتمكن من الوصول إلى مرحلة عدم الاكتراث لهذا المبدأ، بل يظلّ ضحيّة خوف اجتماعي يشلّه ويُغيّر مسارَ حياته، وتساءلت بغضب: "تصوّر ألاّ يتمكنَ الإنسانُ أن يعيشَ ذاتَه، وأن يتصرّف بما يرغب، لأنّه خائف من نظرة الآخرين له، من أحكامهم، يا إلهي، أليسَ هذا شيئا مُرعبا؟" (ص188). وتشعر بالاختناق والموت وهي تشكو ثقلَ التقاليد عليها، فهي بثقل الحديد والصخور، وتُحسّ بها تُطبق على صدرها كبلاطة من رخام.  (ص189).

 وأيقنت أنّ الحب هو مصدرُ كلّ الأحاسيس وزخمها وما علّموها إيّاه باطل الأباطيل، قالوا لها: "إنّ المرأة تعلّمت أن لا تعيش هذه الأحاسيس إلا حين تُطلق عليها اسم الحبّ، الحب تستعمله النساء كتأشيرة الخروج بالنسبة لجواز السفر، لقد رُبّيت المرأة بشكل عام على الاعتقاد أنّها لا تُسلّم نفسَها إلا إذا أحبّت، أجل هكذا زرعوا في أعماق المرأة، التي يفترض أن تكون ذات مستوى راق وأخلاق، بتعبير أدقّ أن تكون طبيعيّة، المرأة الشّاذّة هي التي تعيش مشاعر رغبة بكل أحاسيسها وتقول صراحة لنفسها هذا ليس حبّا، بل انجذاب، إعجاب، بداية حبّ ربّما." (ص147-148).

 

الخوف من الوحدة.. والزّمن

الزمن هو العدو الأوّل والكبير لكل امرأة، فهذه الفتاة الغرّة الصغيرة التي تُريد مطاردة الزمن وانتعال الحذاء العالي وتجميل الوجه الصغير، والإصرار على أنها لم تعُد صغيرة على الحبّ، وافتعال دور المعشوقة المُطارَدَةِ من كل شاب، هي نفسها التي ستقف مُرْتَعبة من مرور الزمن وبداية ظهور تأثيراته القاتلة على وجهها وجسدها، وتركها وحيدة تُواجه ظلمَه وقسوته.  

وهيام في اندفاعها نحو توفيق، وبالسرعة التي حدثت، كان سببها الشعور بالوحدة وبثقل الزمن عليها، والرغبة في طرد المَلل والروتين من حياتها المتكرّرة، فهي تعيش في مدينة اللاذقيّة، مدينة الكسل والنعاس والثرثرة، لا توجد أيّ فُرص، عالمها كله مُقتصر على صديقة تجترّ معها الحديثَ ذاته كل يوم وعلى مَدار سنوات، وأسرة أخيها، وخارجهما لا يوجد سوى تماثيل، أشباح، مُسوخ.(189). أرادت برغبة جامحة أن تشعر أنها ليست وحيدة، وأنها لا تزال مرغوبة ونافعة للحب. فهي تتساءل بحزن: "إلى متى سأنام وحيدة؟!". (ص149)

كانت هيام تحلم ككل فتاة بالحبّ والزواج والإنجاب، وأن تعيش عمرَها مع رجل يُشعرها بالأمان والاستقرار، تكون له وحده، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن.(ص156)، وها هو العمر يفوتها، تنظر كلّ يوم إلى صفحة وجهها في المرآة، وتتخيّل بشرتها وقد كبرت عشر سنوات، كانت تُشير بسبابتها إلى مواضع في بشرة وجهها وتقول هنا تبدأ التجاعيد، وهنا ستترسّخ، كانت تنتظر الشيخوخة كلّ يوم، لأنّه لا يوجد شيء آخر تنتظره.(157)

وعندما جاءها الرجل مُعلنا حبّه لها سارعت إليه، فلم "تكن تحلم وهي تتربّع على عرش وحدتها، أن يعشقها رجل متميّز بتلك الطريقة الشاعريّة الإبداعيّة، وأن يفتتن بها، ويُشعرها كم هي أنثى ودافئة ورقيقة". (157).

وتعود بعد كل رحلة إليه بمشاعر متضاربة  وأحمال من الإحساس بعَبثيّة الحياة، وإلى الإحساس العميق بالوحدة، وتؤكّد لنفسها بحزن قاتل أنّها امرأة وحيدة تُحارب الزمن، تُريد أن تظلّ نَضرة وشابّة، تُحاول أنْ تحفرَ في وجه الزمن كما يحفرُ في وجهها، تُريد خلقَ فُرص غنيّة لتشعر أنّها تعيش، تخلق صداقات، تُحاول كتابة الشعر، تقرأ بنهم، وترمي بنفسها في أحضان الحب عمدا، لكن ها هو الزمن يقودها بسلاسة ودون جهد منه إلى المكان الذي يُريده.(185)

وكيف لها أن تكونَ سعيدة وهي تكبر يوما بعد يوم، حتى تكبُر وتُصبح كهلة، وتهترئ، وتسأل الخالق بكلّ حرقة المرأة المعذّبة الخائفة من الوحدة والشيخوخة والزمن الزّاحف: "أوه يا إلهي لماذا جعلتَ الإنسانَ شقيّا بطَبعه؟ كان يجبُ أن نُخلق كهولا، ثمّ نصغُرُ ونصغرُ".(185).

 

الحبّ هو المَهْرَب، ولكن!

" لوكان هناك رجل يُحبّنا ونُحبّه لما كان هناك صداع. هذه حاجة طبيعيّة، أن نُحِبّ ونُحَبّ. نحن بحاجة لرجل يسعفنا من الوحدة " (ص88).

وكانت كلمات بشرى صديقة هيام، تُلاحقها كلّ ساعات اليوم والليل، وتُعذّبها وتضخّم لها إحساسها بوحدتها وتَهميشها وثقل الزمن عليها، وقد نجحت هيام في إيجاد الرجل الذي يُخرجها من وحدتها، ويُنعش جسدَها ويُعيد الحيويّة إلى روحها في شخص توفيق الشاعر الدمشقي. لكن مأساة هيام أنها طوال مشوار حبّها مع توفيق كانت تعيش صراعا عنيفا مع نفسها، لم تكن مقتنعة أنّه الرجل الذي حلمت به، ولم تهدّ الحواجز والموانع التي تُبعدها عنه، فظلّ بالنسبة لها الرجل الغريب، الذي تلوم نفسها على اندفاعها نحوه وتهوّرها معه وتسليمه جسدها. ولم تنجح كل محاولات الإقناع والتأكيد والبرهان التي قامت بها مع نفسها في إزالة الغشاوة عن الرجل الذي تلهث وراءه ليُخلّصها من وحدتها ويُنعش روحها ويُفتّحَ جسدَها، وفي الوقت ذاته، لا تستطيع التخلّص من الشعور العميق بأنه رجل غريب ولا ضمان لمستقبل معه.

قد يكون زواج توفيق هو العلّة المتخفيّة وراء اضطرابات هيام، فقد رفضت الزواج من الأستاذ الجامعي الأرمل الذي كانت قد قبلته عندما طلب يدَها، بعدما أخبرها أنّها ستقوم بالاعتناء بحفيدته، لأنها أحسّت أنّه يُريدها مربيّة لحفيدته وليس رغبة في الزواج منها. وهكذا في علاقتها مع توفيق الشاعر الدمشقي، فقد سحرها بكلامه ونجح في ملامستها وتقبيلها وإسعادها من اللقاء الأول. واعتقدت أنها اقتنعت بتعليله سبب زواجه، وأنّ الزواج بالنسبة له كان نكسة، واضطر إليه لرغبته في مكافأة المرأة التي رافقته رحلة شبابها بالزواج منها. فهو لم يحبّها وكانت مجرّد رفيقة، صديقة، استطاعت أن توقعه في فخّ الزواج. فهو لا يرى للزواج أيّة حسنات، ولولا وجود ولديه لكان طلّق زوجته وعاش حرّا، وهو يعتبر الزواج مقبرة حقيقيّة.(57-58) وعندما حاولت التطرّق لعلاقاته البيتيّة بالأولاد والزوجة، كان جوابه قاطعا: "أنا مشغول دوما، لكن أحاول دوما أن أكون صديقهم"، أمّا بالنسبة للزوجة فكان موقفه حادّا "لا أسمح لها أن تتدخلّ بغيابي، بحياتي الخاصّة، بعملي، بأصدقائي، أنا رجل حرّ".(70)

 

غيرةُ المرأة العاشقة وقسوةُ الرّجل

قد تكون هيام فرحت بهذه العلاقة المنقطعة بين توفيق وزوجته، وشعرت بالغرور أنّها وحدها المتربعة على عرش قلبه، ووحدها الشّاغلة تَفكيرَه. لكن الشكّ كان يُراودها ويجعلها تتساءل: " لماذا يؤكّد لها دائما أنّ ما بينهما حبّ؟ وهل أحبّها حقّا؟ إنّها تميل إلى تصديقه، لكنّ الحبّ شيء مختلف، إنّه كبير وعظيم.." (114) لكنّ سهرتها مع شلّة الفَنتازيا أصدقاء توفيق في دمشق جعلها تشعر بتفاهتها وأنها ككل الأخريات ليست إلاّ عشيقة عابرة، وبعد أن يملها سيعود إلى زوجته وينساها.(123) ليلتها لم تستطع مبادلته الحبّ، افترسها توتّر غريب، تركته يغط في النوم، كانت تتأمّله بعينين حياديتين أبعد ما تكونان عن العاطفة، وتُراقب تنفّسه البطنيّ، وبدا لها وهو نائم، غريبا وبعيدا، واستنكرت بقوّة وجودهما على نفس السرير.(124). لم تعد تحتمل شخيره، خرجت من الغرفة، حافية وبكامل ملابسها، وقرّرت أن توقظه، ليوصلها إلى محطة الباصات لتعود إلى مدينتها وبيتها.

فشلت هيام في محاولتها تَهميش زوجة توفيق وتجاهلها وإنكار وجودها اعتمادا على تأكيداته لها أنها لا تُشغل أيّ حيّز في حياته، ولا يقربُها ويتمنّى لو لم تكن في حياته، كلّ هذا يتلاشى أمام كلمة (آلو)، بالصوت الحياديّ الهادئ، التي تسمعها هيام عبر الهاتف عندما رغبت في سماع صوت الحبيب البعيد. كلمة (آلو) بحروفها الثلاثة، جعلت ملامح هيام تختفي وراء غيمة من الغمّ، وقلبها يغوص وهي تحسّ بقَهر شديد، فقد كان صوت زوجته الذي وصلها عبر الهاتف، وأعادها إلى حقيقة الواقع أنّ حبيبها متزوج، وله أولاد وبيت، وأنّه ليس على استعداد للتنازل عن زوجته، وهو يحبّ أولاده، ولن يُدمّر بيتَه حتى ولو كانت هيام هي الثمن البديل. وتخيّلته يلهو مع زوجته وولديه، زوجته التي يراها كلّ صباح ومساء، يتناولان الغداء معا، ويسهران معا، وينامان.. أوه، لا..، غير معقول أن يقربها. فهاج غضبها وتمنّت لو تراه الآن لتتشاجر معه وتُعنّفه على إهماله لها، عليه ألاّ يقرب زوجته بعد أن أحبّها هي وعرفها، بعد أن اندمجا وصارا واحدا، أجل الحب لا يعرف الشركة، لقد وهبته نفسَها وجسدَها، وعليه أن يكون مخلصا لها ولا يخونها مع زوجته.(144).

ولم تتمالك نفسَها وهي تسمعُه يُكلمُ زوجتَه مُرتبكا فصارحته بقَسوة: "ما بك لا تقدرُ أن تتكلّم، عجبا هل تُراعي مَشاعرَها لهذه الدرجة، ألم تقُل إنّها لا تعني لك شيئا سوى كونها أمّا لطفليك.. هل أنت جبان؟ أيعقلُ أنْ تكونَ جبانا؟ لم أتخيّل أبدا أن ترتبك هكذا، آسفة مُجَدّدا، اعتذر لي منَ المَدام." (145) وتلوم نفسَها بكل حرقتها الكاسحة "أنا المغفّلة المسكينة أجلس بغبائي أكتبُ له، واسمع موسيقاه، وأنمّي حبّي له بينما هو- وبكلّ صفاقة- يتناول طعام العشاء مع زوجته."(146).

اجتهدت هيام في طرد خيال الزوجة من تفكيرها وأن تنسى وجودها لأنها تريد لحبّها أن يدوم، ولكن أين الديمومة سوى في الزواج وتساءلت هيام بألم:  "وفي شرقنا الحزين هل تدوم قصّة حبّ خارج إطار الزواج، ألا تموت مختنقة في الأزقّة وفي الأقبية؟ّ" (151). وتحزن بعُمق وهي تعترف بأنّ حظها من الحياة سيّء فقد "حظيت برجل متزوّج وبعيد" وتتذمّر "أهذا ما كانت تنتظره؟!" (157)."رجل متزوّج وأب وملتزم بحياة أبديّة مع أسرته، بل إنّه لا ينوي أبدا أن يُغيّر أيّ شيء في حياته، على العكس، إنّه حريص جدا على مشاعر زوجته وأطفاله، وما هي بالنتيجة سوى حبيبة أو عشيقة - لا فرق- مجرّد محطّة يعرفُ سلفا أنّها ستنتهي ذات يوم، عاجلا أم آجلا، وأنّ شرارة الانجذاب والسحر بينهما ستخبو إنْ عاجلا أم آجلا أيضا." (158).

واتخذت هيام قرارها الصّعب بقَطع علاقتها، وكتبت له رسالة طويلة وضّحت فيها مواقفها بكلمات نازفة حارقة "أطلب إليك أن ننهي ما بيننا ، لا أريد أن أسمّه ، قد يكون حبّا أو جنونا أو وهما، قد يكون حقيقة أو هروبا، ليس مهمّا ما يكونه، ما أعرفه جيّدا الآن، أنّه يجب إيقاف هذه العلاقة المعاكسة للتيّار، لتيّار الحقّ والواجب والضمير." (159-160)، وأرسلتها له بالبريد المستعجل.

لكنها سرعان ما ندمت على رسالتها، وطلبت منه عندما اتّصل بها أن يمزّقَ الرسالة عندما تصله قبل أن يقرأها.(165) ورغم أنّها عادت لتلتقي به، وتُسافر إليه في دمشق، وتسهر مع شلة الفنتازيا من أصدقائه، وتجلس في حضنه، وتقضي الليل معه وتضاجعه إلاّ أنّها لم تستطع التخلّص من الشعور أنّه غريب بالنسبة لها، وأن علاقتها به غير طبيعيّة ولا بدّ من نهاية لها ، حتى أنها، في لحظة من لحظات سباتها تسلّطت عليها فكرة بأنّها قريبا ستسافر لتُعَزّي بالشاعر، سيأتيها خبرُ وفاته قريبا، وبكت وهي تتخيّل نفسَها أنها ستسافر لدمشق ولن يكون بانتظارها.(182) وتساءلت: "ماذا لو فقدته؟ ماذا لو خطفه الموت؟ يا إلهي لماذا لا تكتمل السعادة؟ الموت هو العدو الحقيقي لحياة الإنسان. وهل من وسيلة لمحاربة الموت سوى عيش عُمق اللحظة؟ أليس هذا التفكير وهذه القناعة، محرّضيها الأساسيين للحبّ؟ أوليسَ تفانيهما في العناية ببشرتها ورشاقتها هي إبعاد قدرَ المستطاع لذلك العدوّ الخبيث الموت؟." (183). وأقنعت نفسها "فليبق حرّا، لتبقى حرّة يجمعهما الحبّ، الدفء الوهم، الانتظار، الغضب، الشجار، إنّما لن تستسلم لصقيع الوحدة الذي هو صقيع الموت."(184). واستعادت كلماته وهي معه: "أنتِ حبيبتي، لن أتزوّجك حتى تظلّي حبيبتي."، "إذا كنتِ حريصة على علاقة الحبّ بيننا فلا يجب أن نتزوّج، لأنّ الزواج مقبرة للحبّ، أمّا الحبيبة فهي أغلى وأهم بكثير من أن تتحوّل لزوجة، أتعرفين معنى زوجة، أوه تُصبح منفضة غبار، تنشغل بأعمال المنزل الأبديّة، وتنسى نفسَها وتحسّ بأعماقها أنّ هذا هو دورها الذي انتظرته منذ كانت طفلة، أم، وزوجة.."(192) واستعادت حرقةَ ألمها عندما رفض فكرةَ الزواج منها لأنها تعرفُ أنّ الرجل إذا أحبّ امرأة كثيرا يتزوّجها.

ولم تستطع طردَ طيف زوجته، وكم انتابها القرفُ والنّفورُ وهي تراه ينتحي في غرفة مجاورة ليتصلَ مع زوجته ويتحدّث معها بصوت رقيق، وكأنّه يُقدّم لها الطاعة الزوجيّة مدى الحياة. إنّها الآن متورّطة بالحبّ، معذّبة بالغيرة من امرأة تتصدّر قلبَ حياته، إنّها موجودة معه في غرفة نومه، وإلى جواره على مائدة الطعام، إنّها أمّ اغلى شخصين عنده في الوجود.(196).

وتخيّلت كيف قام توفيق برفقة زوجته وولديه برحلة إلى اللاذقية، وتخيّلت كيف تقوم الزوجة بسحب منديل ورقيّ تمسح به العرَقَ عن جَبهة توفيق، وتخيّلت فستان الزوجة البسيط المفتوح من الأمام بصفّ من الأزرار ، وكيف تترك الزرّين الأخيرين مفتوحين كاشفة عن ركبتَيها وربما فخذَيها.(209)

وكيف ثارت عليه وقد أهملها ثلاثة أيام وجوده في اللاذقية مع زوجته وطفليه ولم يتصل بها، وكيف صرخت به عندما دخل عليها في المكتبة: "لماذا أتيتَ، ابقَ مُلتصقا بها، إنّها تُناسبك. أوتظنّني غبيّة إلى هذا الحدّ؟ ما دمتَ زوجا خنوعا هكذا، وأبا مثاليّا، لماذا تُريد أن تعشقَ وتُحبّ إذا؟ أرجو أن تكون متعتكما أنتَ وحَرمك المَصون في حدّها الأعظم، هل اكتسبتما اللون البرونزي المُثير، هل سبحتما كفاية، وأكلتما السمك بأنواعه، واجتمعتما بالأصحاب، وقضيتما ليالي غراميّة". وعندما طلب منها السكوت أجابته: "وماذا تتوقّع أن تسمع؟ هل تعتقد أنّني العشيقة التي تنتظرك دوما مبتسمة راضية بالفتات."(217). وصارحته بعد أن هدأت: "صدّقني لا أحتمل وجودَها، لا أحتمل أن تلبس المايوه ليلا ونهارا، وأن تناما بجوار بعضكما.. أتفهم لا أحتمل."(219).

ولهذا لم تنفعل بما سمعته من كلمات قالها لها يوم التقاها، يخبرها أنه سيستأجر بيتا بعيدا يضمهما ويكون عشّهما السعيد الذي يهربان من الدنيا إليه. كانت تُحسّ أنّ النهاية تنذر دوما بقدومها، كما ينذر أيلول برائحة الخريف، وكما ينذر خفقان القلب المفاجئ وغير المتوقّع بوقوع الحبّ، لكن ما الذي ينذرها الآن بالنهاية. كانت تتمنى وهي تشرب القهوة معه وتصغي إليه لو تقول له: كفى، لا تتكلم بعد، لن تستأجر بيتا ولن نعيش فيه كلصّين، ما أنتَ سوى متزوّج، وما أنا سوى امراة وحيدة، تُجرّب الطعمَ الأخير للحبّ، عارفة سلفا أنّه الحبّ الأخير، وربّما تتمسّك به لأنّه الأخير.(214-215)

الصراع مع الذات 

لكن هيام كانت مُقتنعة بأنّها ليست تلك المرأة التي ترضى أن تُدمّر عائلة، لتعيش مع رجل. ولهذا لم يُخرجها عن طورها قولُه لها بأنّه سيُسافر إلى باريس لعشرة أيام وأنها ستكون رفيقتَه هذه الأيام، شعرتْ أنّ كلّ شيء يبدو لا واقعيّا، أنّها ظلّ امرأة، أنّها ليست أبدا المرأة الأصليّة. وأفزعتها الأسئلة، مَن تكون إذا؟ أهي ممثلة تُمثل دور عاشقة تُريد السفر؟ لكن أين هي المرأة الأصلية؟(225). آه ما أحلى لو تبقى في بيتها تنام بعُمق، ترشف القهوة، وتكون ملكة متوّجة في مملكة وحدتها، وتتأمّل حياة الناس حولها.. أليست حياتها البسيطة تلك أفضل من السفر مع رجل متزوّج وغريب؟ عجبا هل صار غريبا، ذلك الذي سافر عشرات المرّات ليلقاها، والذي قطعت مسافات طويلة لتقضي معه يوما أو ساعات، أهو غريب حقّا؟ هل صار خارج عواطفها ومشاعرها؟ وكيف غدت صورته باهتة وبعيدة لا تُحرّك في نفسِها أيّ شعور؟ كيف غدا بعيدا لَكأنّه ذكرى عمرُها عشرون عاما؟ لكن ألمْ يُحرّكها الحبّ دوما باتّجاهه، "الحبّ أم الرغبة بالحبّ؟ الرغبة بتوديع الحبّ وداعا لائقا. إنّها تشتمّ رائحة النهاية، فلتكن نهاية لائقة، ليُجللها الصمت، يجب أن تنتهي قصص الحبّ الرائعة بالصمت دوما، لأنّ أيّ كلام لن ينفع بل سيبدو سخيفا وجارحا."(228)

ولم يفارقها هذا الشعور عندما كلّمها ليلة السفر، كانت تُصغي إليه بغرابة، شيء ما تُحسّه غير طبيعي، لماذا يُحرّض كلامُه الرّقيق في نفسها هذا الشعور بالغرابة والكآبة، وبالرغبة بالهروب أيضا؟.(229).

وطاردتها أفكارها المؤنّبة القاسيّة: "ماذا تنتظرين بعد كي تبدئي حفلة الوداع، وإلى أيّ مدى ستستمرّين معه؟ هل تعتقدين أنّك ستستمرين معه سنة أو سنتين؟ وستتفرّجان معا على بدايات الذبول، ستلاحظينها بعين عقلك، كما تلاحظين كلّ يوم خيالَ تجعيدة حول عينيك، أو في رقبتك تتحوّل بعد أسابيع إلى خطّ واضح، وبعد سنوات ستصير التجاعيد أثلاما، وحتى لو أردتِ إجراء عملية شدّ البشرة، فإنّ تجعيدات ذهنك الشيخيّة ستبقى، هكذا الشباب يأفل، ويغرب كالشمس، لكن الشمس تعود لتُشرق مُجدّدا، فهلاّ أشرقتَ مُجدّدا يا شبابي؟!." (232). وشعرت وهي مُنطلقة في سفرها لتُرافقه إلى باريس أنّها سائرة في جنازة. تَرطّبت عيناها بالدموع، وأحسّت أنّها بائسة وتأمّل أن تحدث عراقيل أثناء الرحلة فتُبطلها.

 

الشكوك الأخيرة والقرار الحاسم

وراودتها أفكار وشكوك وتساؤلات غريبة: "ترى ما أدراكِ إن كان يحبّك فعلا؟ ما أدراكِ، وهو في الواحد والخمسين من عمره أن يكون راغبا في توديع الحبّ وأن يعيش بدوره حبّا آخر، ما أدراها أنّه لا يهرب من فم الشيخوخة التي تفغر فاها كالغول ينوي ابتلاع ضحيّته؟"(235).

وكان المشهدُ الأخير الذي حسَمَ قرارَها النهائي بالقطيعة، فجأة وهي تنتظرُه في المطار، وصل يقودُ سيارته وإلى جانبه تجلس زوجتُه؟ وفي المقعد الخلفي طفلان. استقرّ نظرُها على المرأة. إنّها تبدو جميلة، تضع نظارة شمس بنيّة اللون وقد رُصّعَت أطرافُها بأحجار ماسيّة مُلتمعة، انكشف فخذا المرأة وهي تترجّل من السيّارة، كانت تلبس تايورا أخضر، امرأة مُتناسقة القَوام ونحيفة، إنها جميلة إذا؟ وقد عقصت شعرَها بربطة شعر تُشبه الوردة من الساتان الأسود، أهذه هي زوجته إذا، التي تلبس مايوه سباحة من قطعتين، أوه ليست بَدينة وكَهلة كما توقّعتها، أو كما أحبّت أن تتخيّلها لتُبرّر علاقتها مع زوجها. كانت رياحُ اختناقها تتحرّك في داخلها، أطلقت تنهيدة وهي تقول: العائلة السعيدة. ونظرها مُثَبّت عليهم يخلق دوائر مُتوالدة تحبسُهم داخلها، تفرّجت عليه كيف يُقبّلهما واحدا واحدا، وآمنت بالطريقة التي ودّع بها زوجتَه أنّ علاقتهما حميمة بالتأكيد، فجأة هزّتها حمى عنيفة قذفتها خارج مقعدها، كان جسدها يرتعش، وركضت تُحضر حقيبة سفرها، وانطلقت، والدموع تنقذفُ من عينيها ككرات مائية، هاربة من باب جانبي قبل أن يلمحها، ابتلعت دموعها وقالت للسائق: محطة الباصات لو سمحت. ومرّت إلى جانبها سيّارتُه تقودُها زوجتُه، والطفلان يجلسان في المَقعد الخلفي، قالت لنفسها: "هذه حياتُه، هذا هو، يجب أن يكونَ وسطهم ولهم ومعهم، لن أرضى أنْ أكونَ بعد الآن مَنطقة مُحَرّمة، حتى لو كان ما يجمعُنا حبّا رائعا، إنّما لا، لن أستمر، لستُ قادرة على الاستمرار، أوه باريس اعذريني، لن ألقاكِ وأنا مضطربة، مَغشوشة."(237). واستقلّت الباص عائدة إلى مدينتها وبيتها وكان شعور حقيقيّ بالرّضا يتنامى في نفسها، ويُشرق مُغرقا إيّاها بسلام طالما افتقدته.

علاقة المكان وأثره

انحصر عالم هيام في عالمين من حيث المكان هما: باريس حيث كانت تدرس في السوربون لنيل درجة الدكتوراه في النقد الأدبي. وبلدها سوريا في مدينتي اللاذقية مَسقط رأسها، ودمشق التي عرفت فيها مواقع محدودة التقت فيها مع حبيبها وشلّته. وبينما كانت باريس، حيث اكتسبت العلم والمعرفة والثقافة، وتعرّفت على حضارات جديدة، دافعَها للتحرّر والثّقة بالذات وقدراتها على شقّ طريقها واختيار ما تُريد، فإنّ بلدتها اللاذقية أعادتها إلى أزمنة القَهر والظلم وتحكّم الرجل وقسوة المجتمع ومراقبته وتَهميشه للمرأة ومحاكمتها، وكشفت لها دمشق زيفَ الرجل ابن الذّوات وصاحب السلطة المُستغل الكاذب الذي يعيشُ حياة مُزدوجة كاذبة خادعة.

وبينما كانت باريس بكل أمكنتها تُعطيها الفرَح والسعادة والثقة والشعورَ بالانطلاق والحريّة وحبّ الحياة. فإنّ الأماكن في اللاذقية ودمشق كانت قاسية عدائيّة كالحة تُشعرها بالوحدة والظلم والرفض والسجن والتّفاهة حتى ولو شعرت لبعض الفتَرات بفرحة المكان الذي جمعَها والحبيب.

شخصيّات الرواية

ولم تختلف مشاعرها تجاه الأمكنة عنها تجاه الشخصيّات التي عرفتها، فزوجُها الذي تعرّفت عليه في باريس وخدعها بقناعه الحضاريّ سرعان ما عرفته بوجهه الصّريح المَرفوض، وطلّقته ورفضت أيّة علاقة جديدة معه، والأستاذ الجامعي الذي رضيت به زوجا، رمتْ له شَبَكةَ الخطوبة عندما اكتشفت أنّه يريدُها مُربيّة لحفيدته. وحتى حبيبها توفيق الذي وجدت فيه المهربَ من الوحدة ومرور الزمن لم تجد فيه ضاّلتها ومَرفأ أمانيها، بل رأته على حقيقته الذّكوريّة حيث يُريدُها عشيقة له، يأتيها ساعةَ يُريد، ويعود بعد تَركها إلى بيته وزوجته وأولاده وحياته التي يحياها، ولا يسمحُ لها بتَعدّي حدودَ حياته الخاصّة، مُسَيّجا إيّاها بالأفكار الفلسَفيّة حول مكانة الزوجة كمنفضة مُحتقرة مهمّشة عند زوجها بينما العشيقة هي الأثيرة والأميرة المُدلّلة.

ولم تكن الشخصيّات الذّكوريّة الأخرى بمختلفة كثيرا، فأصدقاء حبيبها يعيشون حياتهم الذكوريّة بكل شبَقها، في حياة مُنفصمة خادعة باذخة بعيدة عن عيون الرّقباء، كلّ مع عشيقتة، ليعود بعد ساعات لبيته مُنهَكا مُخادعا مُدّعيا الإرْهاقَ في العمل، مُطالبا بالرّاحة والنّوم الهادئ. ولم تختلف شخصية النساء المرافقات، فكل منهنّ تابعة لرجلها، مُستَغَلّة جسديّا، ومُحتقَرة فكريّا ومُهمّشَة،  ليس لها من أهميّة إلاّ بما تُوفّره لرجلها من مُتعة وخَدَمات جنسيّة.

الشخصيّة الوحيدة التي تطوّرت وتغيّرت تَبَعا لتغيّر الأحداث كانت شخصية زوج هيام الذي عرفناه في باريس شابا مُتنوّرا مُنفتحا مُتفَهما حضاريّا مُحترما للمرأة وخصوصيّاتها واستقلالها وحريّتها الجَسَديّة والحياتيّة مُساويا لها في كل شيء، وإذا به ينقلبُ، بعد عودته لوطنه وزواجه من هيام، إلى رجل شرقيّ يحمل كلّ الأفكار الشرقيّة، ويتمسّك بكلّ العادات والتقاليد والمَفاهيم التي يحملها الرجل بالنسبة للمرأة. بينما لا نجد هذا التغيير في باقي الشخصيّات، فتوفيق الذي اجتهدت أن ترسم له صورة الرجل المثالي، وتُبرّرُ له كلّ تصرّف وقَوْل، وتُسامحه على كلّ هفوة، ظلّ يُمثل دورَ العاشق الولهان والزوج المظلوم ويعيش حياته المزدوجة. وبشرى صديقة هيام تعيش حياتها الروتينيّة القاتلة، تشكو الوحدة والزمن، وتنتظر الرجل الذي قد يأتي.

 وحتى هيام نفسها، فقد عرفناها وهي تدرس في باريس الفتاة المنطلقة المُتّفتحة السّاعية نحو السعادة التي اختارتها، كلّها ثقة ورغبة في المغامرة والحياة، هيام حاملة لقب الدكتوراه في النقد، هذه المتعلمة المثقفة سرعان ما أصبحت بعد عودتها وزواجها امرأة شرقيّة عاديّة، تُساير زوجَها وتقبلُ إهاناته وقسوتَه وظلمَه، وتعمل بإرادته، وتستميتُ في السّعي لإنجاب مولود تُفرح به زوجَها وأهلَه، ولا تتورّع عن القيام بتجاربَ ومحاولات، وحتى الابتهال لمريم العذراء حتى تُنجدها وتَهبها مولودا. وبعد الطلاق تتحوّل لتعيش حياة امرأة مطلّقة ترتعب من الوحدة والضجر والتّهميش والروتين وتنتظر الرجل الذي يأتيها لينعش جسدَها ويُعيدَ له الحياة والرونق.

فأين ذهبت أفكارُ هيام التحرريّة الثورية ومواقفُها القويّة الحادّة بالطّلاق من زوجها ورفض شبكة الخطوبة وافتتاح مكتبتها؟ أين دورُ هيام الثقافي الفكري الأدبي الاجتماعي؟ ماذا فعلت بشهادة الدكتوراه في النقد الأدبي من جامعة السوربون في فرنسا؟ أين كتاباتُها ودراساتُها وإبداعاتُها؟ هل اكتفت بتعليق الشهادة على الحائط وجلست لتُراقبَ تهدّل جسدها وتجاعيد وجهها وترتعب من مرور عقارب الزمن أمامها.

وكيف ترضى بدور العاشقة المُتوارية خلف الجدران، هاربة من عيون الرقباء، وراضيّة عن صُحْبة شلّة عشيقها التّافهة؟

تحدّدت حياة هيام بعد طلاقها ما بين جلسات الأهل والصديقة والعمل في المكتبة، وبعد تعرّفها على توفيق في مشاهدَ مُكرّرة لا جديد فيها من تبادل كلام الحبّ بجمل قصيرة لا تحملُ أيّ قضيّة هامة وعامّة، أو ما نُسمّيه هموم المثقفين، وإنما تدور حول هموم ذاتيةّ حول حبّهما، بينما لغة رسائلهما المُتبادلة من شعر ونثر، تميّزت بشفافيتها وغنائيّتها وجمالها وخيالها. وما وسَم هذه المشاهد كان    الهرب من عيون الناس والمُضاجعة، ومن ثم الندَم وتأنيب الضمير والشعور بالوحدة والتّهميش والتفكير المُتردّد ما بين القَطيعة والاستمرار في طريق الحبّ رغم أنها تُدرك أنّ مكانتها عنده لا تتعدّى العشيقةَ الآنيةّ العابرة.

السّرد الروائي عند هيفاء بيطار

       كما في كل رواياتها، هكذا تُقدّم لنا هيفاء بيطار سردا أنثويّا متميّزا بأنوثته، مُنشغلا بجسَد المرأة، بَعيدا عن كل الهموم العامّة والقضايا الكبيرة التي تكون في مركز اهتمام الرجل.

        هيفاء بيطار اختارت تقديم روايتها بضمير الغائب وعن طريق امرأة باسم هيام لتُبعد كلّ تلميح أو إشارة إلى السيرة الذاتية التي تعوّدناها منها في روايات كثيرة.

        ورغم أنّها تحافظ إلى حدّ ما على التسلسل المنطقي للأحداث إلاّ أنّ التداعيات تتداخلُ وتتشابك في مونولوجات ذاتية ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ونشهد لهيفاء بيطار تميّزها في حوارها مع الزمن الذي يُشكل إيقاعا مركزيّا في معظم مواجهات بطلات رواياتها مع الزمن. إذ أنّ الزمن، كما رأينا، هو العدوّ الأول والأكبر للمرأة باقترابها من سنّ الأربعين، فتُحسّ، وتعمل بكلّ جهدها وإمكانياتها لمحاربته بالسعي للمحافظة على جمال ورشاقة جسدها، وتلهث في البحث عن حبّ لعلّه يكون فرحَها الأخير، يُعينها لتُواجهَ الزمنَ وتتحدّاه برغبتها أن تخلق فرصا غنيّة لتَشعرَ أنّها تعيش، ولتحاولَ أنْ تحفرَ في وجهه كما يحفرُ في وجهها.

        لغة هيفاء السّردية جميلة سلسة سهلة فيها إيقاع متميز، تعتمد الجمل القصيرة، وتُكثر من تَضمين الرسائل والقصائد الشعرية الجميلة فتُخرج القارئ من رَتابة السّرد العاديّ. كما كان للأسلوب الحواريّ ما بين الشخصيّات، وخاصة الحوار الذاتي ما بين هيام ومُحاوِرَتِها، أكبر الأثر على جماليّة السرد ودَفعه بالحدَث. قد يُؤخَذ على الكاتبة تكرار المشاهد، فوصفُ المَشهد يتكرّر، والمشهدُ نفسه يعود على نفسه، ولا يُفاجئنا بأيّ حدَث جديد، حتى الكلام يكون نفسُه في بعض منه، والمواضيع الذاتية نفسها، فلا خيال، ولا تجديد ولا إبهار بحدَث أو موقف.

صحيح أن خصوصيّة المرأة تنبع من مُعاناتها المتميّزة، وقد تكون هيفاء بيطار قد أرادت أن تُركز في روايتها هذه على معاناة المرأة وخصوصيّة هذه المعاناة التي لم ولن ينجح الرجل، مهما حاول، أن يتخيّلها ويُجسّدها على الورق بالكلمات. فإذا قصدت هذا تكون قد نجحت، وقدّمت لنا نموذجا لامرأة في قمّة مُعاناتها وهمومها وخصوصيّاتها الذاتية.

 

* بيطار، هيفاء. (2008). أفراح صغيرة .. أفراح أخيرة. الجزائر. منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى.

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi