حنان الشيخ تروي لنا قصة أمّها  في:

"حكايتي شرح يطول"

 د. نـبـيـه القــاسم

رغم وجود المصادر التراثية العديدة التي تُؤكد وجود نماذج من السيرة الذاتية في تراثنا العربي،(1) إلاّ أنّ السيرةَ الذاتية بمفهومها الحديث وتعريفها النقدي تُعتَبر "ظاهرة حديثة غَربية" حسب رأي جورج ماي(2). ويتحدّد تعريفُها كما جاء على لسان مُنَظرها الأبرز فيليب لوجون " حَكي استعادي نثري يقومُ به شخص واقعيّ عن وجوده الخاص، وذلك عندما يُركّزُ على حياته الفرديّة وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة"(3) وبعد مدّة عاد وحَدّث تعريفَه بقوله: "أنّ الكتابة السير- ذاتية هي أوّلا ممارسة فرديّة واجتماعيّة لا تقتصر على الكُتّاب وحدَهم" (4).

وكما في الإبداع الأدبي عامّة وكتابة السيرة الذاتيّة خاصة كان الرجلُ هو المبدع الأوّل والوحيد لفترة زمنيّة طويلة في الغرب. هكذا أيضا في أدبنا العربي كان الرجل هو المُبادر والمُتفرّد. ويعود ذلك إلى ذكوريّة المجتمع وصعوبة اختراق المرأة للحواجز العالية التي وُضعَت  أمامها. فالرجلُ لم يُسَلّم بسهولة بقدرة المرأة على مُراوغة الكلمة ومُراودتها واصطيادها وخلق نموذج إبداعيّ كما يستطيع الرجل، ولهذا شهدنا التشكيكات والاتّهامات والإدّعاءات التي رافقت ظهور كل إبداع أنثوي وادّعاء رجل أنّه صاحبُ هذا العمل(أذكّرفقط بما جري للشاعرة سعاد الصباح والإدّعاء بأنّ الشاعر نزار قباني هو مَن يكتب لها قصائدها، وما جرى للكاتبة أحلام مستغانمي عندما أصدرت روايتها "ذاكرة الجسد" والقول بأنّ الشاعر سعدي يوسف هو صاحب النّص).

دخول المرأة عالم الخَلق والإبداع ومنافستها للرجل في قُدس أقداسه التي اعتبرَها اختصاصاته المُتفرّد بها وضعت كليهما أمام تحديّات كبيرة.  وشعر الرجل باهتزاز عرشه وانحسار تألّقه وانقشاع الهالة التي أسبغها على نفسه، وأن المرأة التي طالما، حَجّمها في وظائفها التي حدّدها لها وقيّدها في الإطار الذي رسَمه، تتمرّد وتكسرُ قيدَها وتكتسح أطرَها وتتجاوزُ وظائفَها وتُواجه الرجلَ في ساحته مُواجهةَ الندّ للندّ.

وكانت المرأة العربية، كما الغَربية، على إدراك تام بأنها تُحارب الرجل من موقعه الخاص به. فالمجتمع الذي تتمرّد عليه وتخرجُ لمُواجته وتَغييره ذكوري بمفاهيمه وعاداته وتقاليده وحتى لغته. هذا المجتمع الذكوري الذي وضع له قوانين صارمة ومتشدّدة وصعبة التّجاوز والاختراق، حتى على الرجل، وحدّد الأقانيم الثلاثة المقدّسة التي لا يجوز الاقتراب منها وهي: الجنس والدين والسياسة. وإذا كان يصعب على المبدع  الاقتراب من هذه الأقانيم المحرّمة الثلاثة في الرواية أو الشعر فكيف ستكون حالته في السيرة الذاتية التي تكون شهادة الإدانة الرئيسية والكافية لتسليم عنقه لمقصلة المجتمع والسلطات المسؤولة. وكيف سيكون ردّ فعل مجتمعُنا العربي المُتشبّث بالماضي إذا كانت صاحبةُ هذه السيرة الذاتية واحدة من بناته المُتمَرّدات!؟ وذلك لأنّ  السّردَ في السيرة الذاتيّة يكون بضمير المتكلّم مما يعني كما يقول جيرار جينيت سيكون " التبئير على بطل السيرة شيئا مفروضا في الشكل السير- ذاتي".

 ويُوضّح جينيت " بأنّ السارد السير- ذاتي غير ملزم بأيّ تحفّظ بإزاء ذاته، والتحدّث باسمه الخاص، بسبب تطابق السارد مع البطل". ويؤكّد " أنّ التبئير الوحيد من وجهة نظر السارد - البطل، يتحدّد بالعلاقة مع معلوماته الحالية كسارد، وليس بالعلاقة مع معلوماته الماضية بوصفه بطلا، أي أنّ اتّجاه السّرد لا يبدأ بشكل خطيّ، كما هو في الحياة التي عاشها في الماضي، بل الحياة التي يرويها (الآن) بوصفها جزء من ماضيه"(5).

ورغم أنّ التطابق بين المؤلف والسارد هو المطلوب، والقائم فعلا في معظم الأعمال  السير ذاتية إلاّ أنّ الصدق المطلوب غير مؤكّد في كتابة السيرة الذاتية وذلك لما تتعرّض له السيرة الذاتية من إمكان الخطأ أو التصحيف المتعمّد كالنسيان أو التناسي، والحذف والإضافة، والتعديل والتكييف، وإكراهات الوعي القائم زمن الكتابة والاسترجاع اللاحق للأحداث"(6) ويشير والاس مارتن إلى متغيّرات تمنع تقديم صورة ثابتة لحياة الكُتّاب منها ما يتعلّق بالنفس التي تصف الأحداث حيث تتبدّل منذ تجربة الأحداث ومنها ما يتعلّق بالأحداث وقيمتها في زمن استرجاعها وكتابتها"(7). كما أن الصدق في السيرة الذاتية محاولة يُحبطها أو يحدّ منها زمنُ الكتابة، كما أنّ فعل الاسترجاع والاستعادة بواسطة الذاكرة يتمّ في الحاضر، ذهابا إلى الماضي بطريقة الانتقاء أو الاختيار التي تسميها يمنى العيد (الاستنساب) وعجز الكتابة عن استعادة كل أبعاد المحكي بل اجتزاء وأحيانا تقديم وتأخير الوقائع كما يقتضيه السياق. (8) ولا يملك سارد السيرة- الذاتية القدرة  للتخلص من زمن الكتابة (الحاضر) ليلتحم  بالماضي الذي يرويه"(9) وهذا ما يدفعه إلى (خلق الماضي) الذي يصعب على الاستعادة.

وحنان الشيخ الكاتبة اللبنانية التي تألّقت في إبداعاتها الروائيّة مثل "حكاية زهرة" و "مسك الغزال" تخرج إلينا بعمل إبداعي متميّز هو "حكايتي شرح يطول".  والحكاية هي قصّة أمّها كاملة التي روتها لحنان لتُقدمها لنا. تقول كاملة في نهاية قصتها: "ها هي حكايتي كتَبَتها لي ابنتي حنان.. حتى إذا رويتُها لها توقّفتُ عن لوم نفسي. كنّا نجلس معا من غير آلة تسجيل، تخطّ في دفاترها الصغيرة التي تُشبه المفكّرات التي ألصقتُ عليها الصوَر"(10). وتُخبرنا أنّها كانت تستهلّ حديثها مع حنان في كل مرّة بالكلمات "حكايتي شرح يطول، لوما الجرادة ما علق عصفور" وأنّ حنان لم تنشر القصة مباشرة وإنّما خبأتها، وبعد مرور عامين على وفاتها عادت إلى الأوراق وجهّزتها للنشر واكتشفت أنّها نسيت أن تسأل أمّها عن معنى الكلمات التي كانت تبدأ بها كلامها.  وأنّها استفسرت من صديقة لها عن المعنى(11)  ومن ثمّ اختارت مبتدأ الكلمات لتكون عنوانا للقصة.

ووالدة حنان الشيخ "كاملة" لم تكن تعرفُ القراءْة والكتابة، وكانت تُعبّر عمّا تُريد بالصوَر التي ترسمها. والقصة كما كتبتها حنان هي سيرة ذاتية لوالدتها ترسّمت فيها حياتها من بدايتها في بيتهم المتواضع في جنوب لبنان وما عانته وأمها وشقيقها على أثر هجْر الوالد لهم وزواجه من أخرى والتنكّر لحقوقهم ممّا دفعهم للأعمال الصعبة ومن ثم قرار الأم  الانتقال إلى بيروت للعيش هناك في كنف الأبناء من الزوج الأول. وفي  بيروت لم تكن الأوضاع الاقتصادية أفضل، فقد اضطرت الأم للعمل وعلى دفع ابنتها كاملة التي لم تتجاوز العشرسنوات، إلى  طَرق أبواب البيوت للكسب. وكانت نقطة التحوّل الأولى في حياة كاملة عندما كتبوا كتابها على زوج شقيقتها التي توفيت ومن ثمّ إيداعها عند خياطة قريبة لتُعلمَها المهنة حيث تَعرّفت هناك على جار الخياطة محمد الذي جذبته كاملة الصغيرة بجمالها ورشاقتها وعفويّتها وصغر سنّها وصوتها الجميل فطاردَها حتى نجح في كسب قلبها ليعيشا قصة حبّ عنيفة لم تتأثر بزواج كاملة ولا بولادتها مولودتها البكر فاطمة. فقد حرصت ومحمد على اللقاء المستمر في غرفته وحتى أقامت معه العلاقة الجنسية التي كانت "حنان" ثمرتها آلى حدّ ما. وتتوسّع كاملة في وصف زوجها بكل النعوت السلبية وتذكر محاولاتها المتكررة للتخلّص منه حتى نجحت في النهاية  بالطلاق منه والزواج من حبيبها محمد الذي عرفت معه أجمل أيام حياتها. لكن سعادتها انتهت بحادث طرق أودى بحياة محمد ومواجهة كاملة وأولادها لصعاب الحياة ووحوشها من جديد.            وبانفجار الحرب الأهلية عام 1975 وجدت كاملة نفسها تفتقد أولادها الواحد تلو الآخر، ففاطمة وحنان مع الأولاد يسافرون إلى لندن . وتلحق بابنتيها من محمد إلى الكويت ومن ثم تلحق بابنها البكر إلى ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة.  ولكنها تقرّر العودة إلى لبنان لتعيش في وطنها وبين أهلها حتى كانت نهايتها بأن مرضت وفارقت الحياة وهي وسط أفراد بيتها.

قد تبدو سيرة حياة كاملة في خطوطها العريضة عاديّة كحياة الآلاف من الفتيات العربيات في بلداننا العربية. لكن التميّز فيها في التفصيلات والأحداث والمُمارسات التي كان يرفضها الأهل ويعاقبون عليها ويدينُها المجتمع. فكاملة منذ صغرها انحازت إلى جانب أمّها ورفضت طاعة والدها والبقاء عنده فغافلته وهربت. وفي بيروت كانت تتحدّى العيون الملاحقة لها وتقابل أصحابَها بالسخرية. كانت تحلم أن تكون ممثلة سينما ولهذا كانت تذهب دون علم أفراد بيتها لحضور أفلام سينمائية وكانت تتقمص شخصية البطلة وتحياها بكل تفاصيلها. وعندما وقعت في حبّ محمد لم تهتم لعواقب ذلك وانساقت في حبّها رغم أنها كانت مخطوبة لزوج شقيقتها التي توفيت. ولم تستسلم لحكم العائلة بتزويجها القسري وتمرّدت، وعندما فشلت كل محاولاتها وأرغمت على الزواج رفضت اقتراب زوجها منها حتى تآمر عليها الجميع واغتُصبَت بالقوة. وفي علاقتها مع محمد تحدّت كلّ مفاهيم العائلة والمجتمع وظلّت تُقابله وتُبادله الحبّ حتى نجحت أخيرا بالزواج منه بعد إرغام زوجها على الموافقة علىالطلاق منها. 

وسيرة حياة كاملة هي سيرة حياة الكثيرات مثلها اللاتي عشن ظروفها التي عاشتها، وهي صورة بانورامية للمجتمع الشيعي الفقير في الجنوب اللبناني بكل عاداته وتقاليده ومفاهيمه وعلاقاته، وما يحدث لمَن يترك هذا المجتمع لينفتحَ على مجتمع بيروت المتفجر والمتغيّر أبدا.  كما أن سيرة كاملة هي تأريخ للأحداث المهمة التي عاشها لبنان منذ سنوات العشرينات من القرن العشرين حتى سنوات السبعينات الأخيرة  وأحداث الحروبات الأهلية اللبنانية في الخمسينات والسبعينات من القرن نفسه. كاملة تُمثّل هذا النموذج المتمرّد من الفتيات وحتى الشباب الذين رفضوا الاستسلام للواقع ونظروا إلى المستقبل يريدون ارتيادَه من أوسع بواباته لا يقفُ أمام طموحهم أيّ عائق. لم يكن في تحدّيها للواقع المَعيش ما هو من الخوارق والمستحيلات وإنما كان الإصرار على الرفض والنزوع الدائم للتغيير والخروج على المألوف. وذلك يتمّ ببساطة وعَفويّة تقترب من البراءة الطفوليّة ولكن باستمرارية وثبات على الرفض والتحدّي والسّعي نحو التغيير مستفيدة من معايشتها لوالدَيها وما تميّز به كلّ منهما : الأم باصرارها على ملاحقة الزوج الهاجر لها والمتزوّج عليها ومطالبته بدفع ما يُستَحَقّ منه، ومن ثم تركه والابتعاد عنه إلى الأبناء في بيروت لخوض حياة جديدة . والوالد الذي عشق نفسَه وأحبّ المرأة ووجد فيها سعادته وفرحَه فلم يتنازل عنها، ولأجلها ترك الزوجة والأولاد. وكما والدها أيضا كاملة كانت تخون زوجَها وتتحدّى المجتمع بعاداته وتقاليده، وتلتقي حبيبَها، وحتى تُضاجعه، ولم تهتم بكلام الناس وتعليقاتهم. ومن ثمّ تركت زوجَها وابنتيها من أجل الزواج من حبيبها الذي اختاره قلبها، ولم تشعر بالندم.

كاملة كانت تعي أهمية الدور الذي قامت به في حياتها وأبعاد الأفعال التي مارستها، رغم أن البعض قد يعتبرها عاديّة وليست ذات قيمة. فكاملة كونها الساردة لقصتها تُذكرنا بقول ماري تيريز عبد المسيح في تحليلها لدنيوية الحب في "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي: " السارد هنا لا يُجاهرُ بخطيئته بل إنّه في حديثه عن تجربته في الحبّ يكشفُ عن مكنون ذاته بما له وما عليه فيما يخُصّه ويخصّ الآخرين. ويتمّ الإفصاح عن الذات في أسلوب ديالكتيكي حواري يُشارك فيه الساردُ والقارئ معا. حيث يخوض كلّ منهما التجربة عبر الآخر ممّا يهيئهما لتجاوز ذاتيّة الأنا لبلوغ الآخر. فالسارد يُجاوز ذاتيّتَه حينما يُشركُ القارئ في تجربته والقارئ يُجاوز ذاتيّته حين يخوض تجربة السارد. وإذا تحقّق التواصل بين السارد والقارئ عبر التجربة الابداعيّة يكون ما يُطلَق عليه بالمفهوم الأوسطي بلوغ التنوير perieteia وبالمفهوم الديني الهداية للحق"(12). ولهذا اهتمّت أن تكون سيرتها مُدوّنة ليعرفها الآخرون، وسعدتْ أنّها أودعتْ قصتها عند ابنتها الكاتبة حنان، التي كانت الأقربَ إليها ورأت فيها صورة مطابقة لها.

لقد اختارت الكاتبة حنان الشيخ أن تروي قصّة والدتها بضمير المتكلم لأن الوالدة هي التي روت قصتها وحنان أعادت صياغتها وتحدّثت باسمها ونجحت في أن تكتبَ سيرة ذاتيّة يتوفّر فيها الشرط المهم الذي حدّده فيليب لوجون وهو وجود تطابق بين المؤلف والسارد والشخصيّة.(13) وما تنفرد به "حكايتي شرح يطول" أنها تنسحب على أربعة أزمنة هي:

أ‌-      زمن وقوع الأحداث في الماضي البعيد.   ب- زمن سرد الأحداث على الكاتبة في الماضي قبيل موت صاحبة القصة.  ج- زمن الكتابة.  د- زمن القراءة.

ومن الطبيعي أن تتفاوت الأزمنة وتتداخل ما بين الاسترجاع والاستحضار وفي حالة "حكايتي شرح يطول" تكون العودة للماضي والاسترجاع للأحداث على دفعتين:

 الأولي: عندما روت كاملة صاحبة السيرة قصتها على ابنتها حنان . والثانية: عندما قامت الكاتبة حنان، بعد مرور سنوات على موت أمها،  بكتابة ما سمعته وسجّلته في أوراقها.

 وطبيعي أن تَتمّ في المرتين، خلال محاولة الذهاب إلى الماضي والاستعانة بالذاكرة لاسترجاعه وإحيائه تحت تأثير الحاضر بمفاهيمه وتغييراته، قَصَد الساردُ أو لم يقصد، عمليات الانتقاء والاختيار والتقديم والتأخير لسَرد الأحداث ممّا يُبعد صفة الصدق الكامل عن السيرة الذاتية التي توخّتها الكاتبة بتقديمها لقصّة والدتها. فمهما حاولَ كاتبُ السيرة الذاتية التخلصَ من أثر الزمن الحاضر ، زمن الكتابة، والالتحام بالماضي فسيجدُ أنّه واهم وليس بمقدوره ذلك.

حنان الشيخ في كتابتها لسيرة والدتها، كما في رواياتها السابقة، لم تحاول الرقابةَ والحذفَ ومراعاةَ الآخرين، ونقلت لنا بكل صدق وأمانة مواقفَ وأفكارَ وممارسات أمّها كاملة التي بكل شجاعة تجاهلت الأقانيم الثلاثة المحرمة "السياسة والجنس والدين" وتمرّدت على مفاهيم الناس وقوانينهم. فعندما أحبّت وهبَت روحَها ونفسيتَها وحتى جسدَها للحبّ وللرجل الذي أحبته رافضة كل النصائح والتهديدات، وتجاوزت كلّ الحواجز والصعوبات حتى حققت التواصلَ معه والزواج منه. وعندما شعرت أن المراسيمَ الدينيّة المُتّبعة تُقيّد حريّتها وتضغط على أنفاسها رفضتها بسهولة ودون أيّ شعور بالذنب، فقد رفضت إدخالَ الشيخ المقرئ الذي أثقل عليها بحضوره اليومي بعد موت زوجها حتى ضاقت ورفضت فتح الباب له وسألته بتحدّ وآصرار :"نعم شو بتريد؟ وإذ قال: أنا الشيخ اللي بيجي كل يوم أقرأ عن روح ابن عمّك. قالت له طاردة إيّاه: الظاهر إنّك غلطان بالبيت، ما فيش ميّت عنّا مش حرام تفوّل علينا"؟(14)       

يبدو أنّ الكاتبة حنان الشيخ انساقت في كتابتها لسيرة والدتها فجعلتها تتحدّث بالنيابة عنها حتى بعد عجزها عن الحركة والكلام والوعي وحتى بعد مغادرتها للحياة وبعد مرور سنوات على موتها ممّا جعلني كقارئ أتساءل عن الحكمة في عملها هذا، ولماذا لم تقم حنان، التي ائتَمَنَتها أمّها على قصتها، بعد تدهور صحة أمّها ومن ثم موتها، بتسجيل ما كتبته بلسانها هي مؤكدة بذلك على اخلاصها لوصية أمها ووديعتها ومُظهرَة حبّها الكبير لتلك الوالدة التي كان لها التأثير الكبير عليها مما كان يُكسب القصّةَ المصداقية والواقعيّة والقبول أكثر.  لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال: إنّ حنان الشيخ في روايتها لسيرة والدتها الذاتية ساهمت في ترسيخ هذا الجنار في أدبنا العربي الحديث واستطاعت أن تُحقّق الشرطَ الأساسيّ فيه وهو وجود التطابق بين المؤلف والسّارد والشخصيّة.

 

الإشارات:

1- قطع من السيرة الذاتية لمحمد بن شهاب الزهدي والسيرة النبوية لابن اسحق وابن هشام وكتاب سيرة محمد النفس الزكية ، وكتاب الحارث بن أسد المحاسبي، وكتب سير الملوك والأمراء والسلاطين. ونجد تراجم وسير الفقهاء والمحدثين والقراء في كتب الفارابي وابن سينا والبيروني وياقوت الحموي وغيرهم.

2- جورج ماي: السيرة الذاتية، ترجمة محمد القاضي وعبدالله صولة، قرطاج، تونس 1993،

3- فيليب لوجون: السيرة الذاتية، ترجمة وتقديم عمر حلي. المركز الثقافي العربي بيروت 1994 . ص 22

4- فيليب لوجون: جريدة القدس العربي، لندن العدد 4118 في 13 آب 2002 ص 11

5- جيرار جينيت وآخرون: وجهة النظر من السرد إلى التبئير، ترجمة ناجي مصطفى، الدار البيضاء 1989، ص 67

6- حاتم الصكر: السيرة الذاتية النسوية: البوح والترميز القهري. مجلة فصول ، عدد 63 شتاء وربيع 2004. ص 211

7- والاس مارتن: نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المشروع القومي للترجمة القاهرة 1998، ص 97

8- يمنى العيد: السيرة الذاتية الروائية والوظيفة المزدوجة، مجلة فصول، العدد الرابع، القاهرة شتاء 1997، ص 12

9- جورج ماي : مصدر سابق ص 94

10- حنان الشيخ: حكايتي شرح يطول. دار الآداب ، بيروت 2005. ص 379

11- المصدر السابق ، ص 380

12- ماري تيريز عبد المسيح: دنيوية الحب في طوق الحمامة. مجلة إبداع، العدد التاسع، سبتمبر 1996، ص 92

13- فيليب لوجون : مصدر سابق ، ص 24

14- حنان الشيخ: حكايتي شرح يطول، ص 280

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi