سؤالي لأحمد عبد المعطي حجازي:

لماذا يُغَيّرُ بعضُ المُبدعين الكبار مواقفَهم!

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 أرّقني هذا السؤال منذ سنوات بعيدة، فأن يتقلبَ الصغارُ في مواقفهم المَبدئية والسياسيّة والاجتماعيّة أمر مفهوم ومغفور ولا أحد يُحاسبهم عليه.

 ولكنّ الكبار!؟ كيف نقبل منهم ذلك؟ وأيّ عذر نجدُ لهم ؟.

أحترم كلّ مبدع، على تمسّكه ومُحافظته ودفاعه عن مواقفه وآرائه واقتناعاته التي يؤمن بها مهما اختلفت معه وعارضته. لكنني أرفض تقلبّات وتغيّرات ومواقف وآراء واقتناعات هذا المبدع مع كلّ تقلبات وتغيّرات في الزمان والمكان والظروف التي تُحيط به.

كانت صدمتي الأولى بكاتبنا ومُعلمنا إميل حبيبي الذي فاجأنا بمواقفه المُرْتَدّة عن كلّ ما عَلمَنا، وإعلانُه أنّه لم يعد يستطيع حَمْلَ بطيختين في يد واحدة، وينصح كلّ مبدع ألاّ يكونَ مُلتزما بأيّة نظريّة .. لأنّها تحدّ إبداعَه وتمنعه من الانطلاق".

 يومها كتبت تحت عنوان: " حتى لا نفقد البَصرَ والبَصيرةَ معا":

 "كأنّي بيُعاد الحيفاريّة وقد التقت عائدَ الميعاري في أحد زقاقات تل الزعتر - إنْ كانَ هناك تل زعتر الآن - تصيحُ باكية:

-        ضيّعنا الكبارُ صغارا وحمّلونا وزْرَهم كبارا، وإذْ نفَضنا أجنحَتنا رَجَمونا بحجارتهم فأدمونا.

    فيجيبها عائد بألم:

-         قد أفهم أنْ يَعقّ الأبناءُ أباءَهم .. أمّا أن يكونَ العكس فهذا مستحيل.!

  وتبتسم يُعادُ من بين الدموع قائلة:

-         أخشى إذا عدتُ أجد سجينَ زندا المنتظر قد غشيَ بصرُه فضلّ الطريق.

 وعزّاها عائد بقبلة على خدّها وقال:

- قد تفقدُ المناقيش طعمَ الزعتر.. وقد أغيّر سروالي فألبس الجينز على طريقة رعاة البقر، لكنّ ثقتي لن تتزحزحَ بأنّ البذرةَ الطيّبة في الأرض الطيّبة هي الباقية". (الاتحاد 13 أذار 1991). 

        ثم كانت صرختي، التي لامني عليها كثيرون وحيّاني الكثيرون، يوم خاطبتُ محمد مهدي الجواهري الشاعر الكبير قائلا: "الجواهري الكبير .. يا خسارة." (الاتحاد 11\12\1992) على أثر ذلك المشهد المثير، حيث وقف ضعيفا مستجديا، يُنشد بين يديّ وليّ النعمة قصيدةَ مَدْح ذكّرتني باستجداءات المتنبي الذي غفرَ له زمنُه ذلك.

وتمنيّتُ الموت، قبل سنوات، لعبد الوهاب البياتي يوم التقيتُه في عمان في حَفل عشاء ضمّ العشرات من شعراء وكُتّاب عرب صيف 1996، حيث جلس في مكان جانبي على طاولة العشاء دون أنْ يهتمّ به أحد أو يدعوه لتصدّر الطاولة، وثم وأنا أراه يخرجُ إلى الشارع وحيدا في نهاية حفل العشاء وقد أنهكته السنون وغدرَه الزمن.

لقد عاش جيلنا عصرَ الأحداث الجسام، زمن حركات التحرر العربية والعالمية وتحرر الشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وانحسار الاستعمار، وعاصر الرجال الكبار الذين فرضوا وجودَهم وغيّروا منحى الأحداث وتركوا بصماتهم على التاريخ.

وحفظنا وردّدنا كلمات وأشعار كبار الشعراء والكُتّاب.

ولهذا كانت صدمتي كبيرة كذلك عندما سمعت الشاعر محمد الفيتوري في لقاء تلفزيوني معه، يتفاخرُ بمواقفه المُناهضة لكل ما عرَفناه عنه.

وكانت أخيرا تصريحات الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في مقابلة له نُشرت في جريدة الحياة يوم 24\12\2005 يُعلن فيها تراجعَه عن كلّ مَواقفه السياسية والفكرية التي آمنَ بها وغادرَ بسببها مصر لسنوات عديدة، زمن السادات، ويؤكّدُ تخلّيه عن إيمانه القديم بالتجربة الناصريّة، ويؤكدُ أنّ جمال عبد الناصر لم يكن أكثرَ من ضابط أسّس لشرعيّة الانقلابات العسكريّة في عالمنا العربي.

ولم أصدّق ما قرأت، أيمكنُ أنْ يقولَ هذا الكلامَ الشاعرُ الذي قال في جمال عبد الناصر أجمل الكلمات والقصائد!؟

 أعرف أنّ العديد من المصريين يحقدون على عبد الناصر ويتهمونه بأنه أهملهم وانشغل بقضايا الشعوب الأخرى وبالقضيّة الفلسطينية على حساب معيشة ورُقيّ وتطوّر الشعب المصري.

 ولكن أن يقول هذا الكلام أحمد عبد المعطي حجازي!؟

 أهكذا ينظرُ أحدُ كبار مُبدعي مصر إلى جمال عبد الناصر، أحد أكبر زعماء العالم في العصر الحديث، الرجل الذي غيّر وجهَ العالم، وأعطى الثقة والحلم والأملَ للشعوب المَقهورة المُستعمَرة؟  

لقد التقيتُ أحمد عبد المعطي حجازي آخرَ مرّة قبل سنتين في القاهرة في احتفال مجلة "أدب ونقد" بمناسبة مرور عشرين سنة على صدورها، واستمعتُ إليه يُلقي شعرَه، وتبادلنا الحديث في الشعر والأدب.

وسؤالي الآن: كيف سأقابله في المرّة القادمة وأيّ حديث سوف نتبادله وقد صَدّعَ ذلك الموقعَ الذي كنتُ أراه وأحترمه عليه؟

أبمثل هذه السهولة يتنازلُ شاعر كبير عاش عمرَه مناضلا مؤمنا واثقا من صواب دربه، ويتخلّي عن كلّ ماضيه. ويَنْعتُ، بمثل الكلمات التي قالها الرجلَ الذي أعادَ للأمّة العربية اعتبارَها واحترامَها ومكانتها، وكان حلمَ وأملَ الشعوب المُستعمَرة الضعيفة؟

أحمد عبد المعطي حجازي.. الشاعر الكبير الذي أحببتُ وحفظتُ كلماته. ليس لي ما أقوله لك إلاّ ما قلته للجواري الكبير:

-        أيّها الشاعر الكبير .. يا خسارة.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi