هيلدا إسماعيل .. إمرأة تندف شعراً

 د. نـبـيـه القــاسم

     عندما دخلت في زيارتي الأخيرة إلى لندن قاعة نادي الكوفة لحضور الأمسية الشعرية للشاعرين عبّاس بيضون وعبده وازن، شدّتني إليها فتاة تختلفُ عن الحضور بعباءتها العربية البدوية التقليدية. كانت تشع ضوءا وحرارة وصخبا و تتنقل من مكان إلى مكان. تُحادثُ هذا وتبتسم لتلك وتُضاحك ثالث، وأحيانا تمدّ يدَها إلى حقيبة صغيرة تحملها، تُخرجُ كتابا تخطّ عليه بعضَ الكلمات وتُقدّمه هديّة. وذهبت بي الذكرياتُ إلى مشهد مشابه لشاعرة عراقية هي أمل جبوري التقيتها في عمّان قبل سنوات ترتدي العباءةَ العراقية تسحرُ بجمالها وتشدّ بشِعْرِها المُتراقص على شفتيها ليتقطّرَ سحرا في آذان المتلقين. وأخذتني التداعياتُ بعيدا إلى رابعة العدوية تلك البدوية العربية التي كانت قصائدُها   صلوات تُرددها الملائكةُ في أرجاء الجنّة.

    مدّت يدَها معتذرة: النسخ العربية انتهت. هذه مترجمة إلى الإنكليزية. وقرأتُ كلماتها التي خطتها "المبدع نبيه قاسم . هذه أيقوناتي.. ورغم هذا لم أقل إنها معجزة؟ ة .. ة..ة هيلدا إسماعيل 16.9.2005 ة.. ة"

وحتى جلس الحضور استعدادا لبداية الأمسية الشعرية ظلت هيلدا تملأ المكان صخبا وحيوية وسحرا.

ولم تختلف النسخة العربية عن ترجمتها الانكليزية فالغلاف الأنيق الجميل الراقي الصلب بلونه الأسود الطاغي على الغلاف المتداخل مع اللون الأزرق الخفيف من اليمين ووجه قطة عينها زرقاء تحتل الجانب الآخر. وكلمة أي قونات(اسم الكتاب) يعلوها اسم الشاعرة.

وأيقونات  هو النص الإبداعي الثاني , صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت بينما الترجمة الانكليزية (Icons) صادرة عن دار نشر عالمية بلندن هي:

stacey international publisher. أما إصدارها الأول فهو "ميلاد بين قوسين". هيلدا شابة سعودية بدأت كتابة إبداعاتها ونشرها عبر الإنترنيت وهي الآن تقيم وتعمل في لندن.

وزّعت هيلدا نصوصها على ثلاث مجموعات ذات دلالة هي: أنثى مواربة ، تناهيد، مواءات. . وصدّرتها بما سمته (ربّما إهداء) "قصائدي القصيرة/ أحلتُها شِباكاً/ كم أحبّ اصطيادَكَ../ في (الشّعر) العَكِرْ !!"

وهي بذلك تُحَدّدُ هويّة نصوصها بأنها قصائد قصيرة، جعلت منها شباكا بهدف اصطياد طريدتها . ولكنها توضح أنّ سهامَها الصائبة لن تكون نبالا جارحة تُدمي وإنما شِعرا عَكِراً. ومن هذه الكلمات الأولى تُدخِلُ القارئ في مُواجهة مع النص, فلمذا تجعل من القصائد شِباكا للصيد وليس كما اعتدنا أن تكون القصيدة الجميلة ساحرة قارئها وآخذة به إلى عوالم غير التي يَعهدها. ولماذا تُريد صيدَ طريدتها ولم تدعْها وحدَها تُؤسَر بسحر الشعر فتأتي مُنقادَة طائعة مُستسلمَة. ولماذا الشِعر العَكِر وليس الصّافي الرّاقي الأخّاذ بعذوبته؟

هيلدا من كلماتها الأولى، كأنثى، تُوضّح علاقتَها بالآخر (الرجل) فهي لا تُريدُه مُحبّا مُتملّكا سيّدا مُطاعا كما اعتاد الرجلُ العربي أن يكونَ في تحديد علاقته بالمرأة ، فالمرأة عند هيلدا لن تقبلَ أن تكون الضحيّة والمُحدّدةَ وظائفها سلفا. هيلدا تعرف حدودَ قوّتها وقوّة الرجل، فشهرزاد عندما اندفعت لتُواجه ظلمَ شهريار وتفتدي بنات جنسها عرفت أيّ سلاح تُشهر في وجه الظالم. كانت كلماتها الساحرة المتدفقة بإيقعاتها الأخّاذة الشبكة التي أوقعت فيها شهريار وجعلته أسيرَها الرّاضي بسِجنها.

هكذا هيلدا تختارُ الشعرَ وسيلة والكلمات شِباكا وتختارُ الشّعرَ العَكِر حتى إذا أوقعت طريدتَها الرجلَ في شِباكها وجدَ نفسَه في دوّامة لا يعرفُ كيف يجدُ النجاة منها.

وقد اختارت نصف وجه جميل لقطة عينها زرقاء ناعسة، لتلازمَ كلّ صفحة من الصفحات. وكانت الصورة ستكون أجمل وأكثر تعبيرا لو اكتمل الوجه بنصف وجه هيلدا،  فالقطة هي الصورة الأخرى للأنثى .

وتدخلنا الشاعرة إلى نصوص القسم الأول الذي اختارت عنونته بـ "أنثى مواربة" لتقدّم نفسَها للآخر دون مواربة" قلبي؟/ أحبّه خاويا/ أنثى أنا../ كلّما تضوّرتُ ../ صِرْتُ أشهى." وتتابع في النص الثاني :"عينايَ!!.. ليسَتا مكاناً غَريبا للرّقْص".  وتعترف في النص الثالث "أمام المرآةِ../ أخلعُ وجْهي/ أحَدّقُ فيّ../ وأتآكل."  فهي أنثى بكل ما تعني الكلمة،  أنثى لا ترضى لقلبها أن يستكين ويقبل بالروتين، دائما تريد التجديدَ ودائما تريد أن تظل الأشهى. وكما قلبها هكذا فعيناها هما المكان الطبيعي للرّقص المستمر. لكنها بحاسية الأنثى وشفافيّتها تعترف أنّّها عندما تعود إلى غرفتها وتتعرّى أمام نفسها وتنظر إلى وجهها الحقيقي تتألّم وتحزن وتتعذّب.

بهذا تبوح لنا هيلدا بسرّ الأنثى التي تحاول أن تكون فراشة سعيدة تتنقل من زهرة إلى أخرى ومن بستان إلى ثان، تُوَزّع الفرحَ على الجميع، لكنها إذ تصطدم بالواقع المُعادي والآخر (الرّجل) الرّافض للنديّة تنكفئ على ذاتها. لا تقبل أن تعترفَ بعجزها، فتُكابر، ولكنها عندما تعود إلى وحدتها في غرفتها الوحيدة وسريرها ومرآتها تعترف بالحقيقة أنّها لم تكن إلاّ أنثى مُواربة.

هذه الأنثى اعتقدت أنّها ستكون غير الأخريات في هذا الواقع الذي لا يتغيّر، وعندما كانت جدّتها تحكي لها قصّة الشاطر حسن وهي تمشط لها شعرَها كانت تجعلها ترحل بعيدا خلف ساحرها على حصانه القويّ الجميل وتُحلّق في سماوات ليس لها نهاية لتحُطّ في جنّة خُلد ليس فيها إلاّهما. ولكنها عندما كبرت ووعت ما جهلت تذكرت قصّة جدتها والشاطر حسن واعترفت أنّ شاطرها ليس الحسن بل هو "الشاطر ألم" فهي لم تعرف معه غير العذابات والألم . جمالها كان لعنتها. "ياسميني../ رنّة خُلخالي/ تفاصيليَ (العسليّة)../ كلّي الدّافئ../ لعناااااتٌ.. لا تنطفئ."وشوقها المُبالغ فيه وكشفها لسرّها جعلها الضحية "الشوقُ../ يجعلُ منّي../ ضحيّةً مُمْكنة..ة" هذا الحبّ المتدفق والشوق المبالغ فيه والإندفاع نحو الحبيب تعترف أنه كان الدافع لخيانته لها وتركها وحيدة مع ألمها " لأنني لا أتقاسمه../ إلاّ معَ نفسي/ (الألم)/ يجعلني وحيدة."  وتكابر وترفض الاعتراف بانحسار حلمها "على نعش حلم../ أحفر دُعابة../ أفقأ أمنياتي/ وأجهش/ بالضحك."  لكنها أخيرا تنهار وتعترف أنها مهما تظاهرت بالقوة والجلادة والقدرة على التّحدي والمُواجهة فهي الضحيّة الضعيفة. "بعض الجروح ../ أهنتُها.. بابتسامة." "أنا وهي../ كيف نكون اثنتين؟!/ ألمْ يخترقنا../ غِمْدٌ واحِد؟!" "التخلّي ../ يقودني من يدي/ أصيحُ:/ فراشي حزين../ وأعمى" وتبكي غير مبالية بكشف الحقيقة والاعتراف بمُعاناتها من الوحدة "البرق../ كم مرّة صوّرني../ وأنا أبدّلُ دُموعي؟!/ كمْ مرّة ألتقطَ لأحزاني../ صوَراً عاريةً؟!"  و " مكرهة..ة.. ة..ة..ة/ بعَرضِ سريري../ أنام/ بقَلب عار../ يُعلّقني النّهار."

ويكون الانهيار الكامل باعترافها بخطئها وانسياقها وراء أحلامها وانخداعها بالشاطر حسن، فهي لأنها أنثى أرادت أن تكون صادقة مع نفسها كانت الضحية الوحيدة "قصيدتـ ..ي / ي، ي، ي/ أشياءٌ (أنثى)/ بالصدق تبدأ/ ولنفس الأسباب../ تنتهـ..ي"  ولا تجد مَن تلومه غير جسدها "ألوووومُ جسَدي/ مِن أجله../ تُرتَكبُ البِدايات/ ولهمْ../ تلوح نِهاياتي"  وتُعزّي نفسَها أنّ بإمكانها أن تبدأ من جديد، فهي لا تزال قادرة على الحياة." أليسَ خيراٌ!!/ يفوتني قطارُ الحبّ../ بدَلاً من أنْ يدْهسني؟!"

هكذا ينتهي القسم الأول من النصوص التي تحكي فيها قصة الأنثى الضحيّة في عالم ذكوري لا يرضى فيه الرجل إلاّ أن يكون الأقوى والوحيد. وتنتقل للقسم الثاني الذي اختارت له اسم "تناهيد" الدّال على الاعتراف بالضعف والرضى بالتسليم وانتظار مساعدة الآخر للمضي في درب الحياة التي ليست التي حلمت بها ولكنها التي تُفرض عليها وتتقبلها مُرغمة. فهي تعترف من النص الأول بأنها تُريده إلى جانبها "أحتاااااجُ يدَك/ هاتها/ لنُجدّفَ (بالقصيدة) ../ ضدّ الموت" وتكتفي بأن يجعل منها أيقونة يزيّن بها صدره "أطرقني أيقونة../ أيّ .. أيقونة"  فهي تعترف أنها إلى جانبه ومعه يكون لها وجود وظل :"روحي../ مدعوكة بالضوء/ كلّما انحزتُ لكَ../ استطال ظلّي" وتستسلم له "اعزفنـ..ي/ ي، ي، ي/ أوتاري مَشدودةٌ.. /للـ ...وَجَع" و " بين ذراعيكَ الممدودتينِ../ قامتي ..تمتد/ أهدابي.. تطول/ والمطرُ .. يشتعل"

هكذا تستمر هيلدا في رسم الأنثى المستسلمة للرجل الأقوى في هذا القسم من النصوص، ولكنها تكشف أيضا أنّ ضعف الأنثى هو في حدّ ذاته قوّة ، إذ تستطيع من خلال استسلامها للرجل أن تجعل منه عبدا يأتمر بأمرها ويفعل ما تريد ، يلهث وراءها وينام عند قدميها "ينهضُ الفجرُ../ وأجدكَ متوسّدا قدّميّ../ يا الله ه ه ه / هل من رجُلٍ غيرُكَ../ يتعلّقُ بأقدام أنثى نائمة!!".   وتحاول أن تنبهه إلى إمكانية أن يفقدها لأن هناك مَن يترصد به ويحاول سرقتها منه "إصحَ../ صديقُكَ يحلم/ الخيانةُ لن تأتينا يوما.. / من الأمام!!"

 وتستمر في مقطوعاتها الجميلة هذه لتصل إلى القسم الثالث من نصوصها باسم " مواءات" فيها تصرخُ صرخات أنثى تعشق. وتموء مواءات قطة داهمها شهر شباط على غير موعد وتعترف  "المواء صوتُ أنثى/ تتقطّرُ بُرودة/ تحتمي في فراء قطّة.. ة/ ة، ة، ة/ ولا تنجو من الخربشات" وتموء بألم مسموع في آخر نص لها " على حبل (الغارب)../ ثيابي النّظيفة .. أنشرها/ وعلى (حلّ) شَعري.. / أجلسُ القُرفصاء/ أتماثلُ (لِلَعْقٍ) .. وأمو.. و ..و.. و.. ء".

هكذا ، بهذه النصوص القصيرة التي تعبق شعرا ترسم هيلدا إسماعيل صورة الأنثى التي تُريد أن تتمرّد على واقعها فلا تجد لها من مَهرب إلاّ أن تعود إلى قيدها وسجانها وواقعها معترفة أنها الأنثى التي ليس لها إلاّ الأنكفاء إلى جانب الآخر (الرجل) رغم كل ما يتحلى به من مساوئ وخيانات .

اختارت هيلدا إسماعيل شكل القصيدة الومضة ، التي تبوح فيها بفكرة وتطرح موقفا وتكشف أنّة . رفضت شكل القصيدة الطويلة لأنها رأت فيها الصورة القبيحة للشعر السيء لأن طول القصيدة سيحرف صاحبها عمّا هدف أن يقول لينساق وراء التداعيات والحكايا والمواقف . بينما هي في اختيارها للقصيدة الومضة / البرقة قالت ما أرادت ، وعبّرت عمّا رغبت . وأوجزت بما يأخذ إلى عوالم لا بدايات لها ولا نهايات.

هيلدا إسماعيل الإمرأة التي تعرف كيف يكون الصّخبُ والحركةُ وكيف تفرض وجودَها وتُسمع ضحكاتها وتشدّ إليها كل مَن يكون حاضرا معها . هي الأنثى التي عرّفها مرّة عباس محمود العقاد بكتلة من الأاعصاب .. هيلدا إسماعيل امرأة تندف شعرا.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi