الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب

ونظرة جديدة للدكتور سليمان جبران

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

ينطلق الدكتور سليمان جبران في دراسته للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب من الفرضية التي يراها "بأنّ الشعر العربي الفلسطيني في إسرائيل، وخاصة في السنوات 1948-1967، لم ينشأ من فراغ، وإنّما هو امتداد طبيعي، بشكل أو بآخر، للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب، سواء في تقاليده النضالية المناهضة لحكم الآخر أو في مبانيه وأسلوبه، خصوصا أنّ أبناء الرعيل الأوّل من الشعراء الفلسطينيين في إسرائيل كانوا تثقّفوا وشرعوا في الكتابة قبل 48 أيضا"(المقدمة ص5).

وحيث أنّ نيّتَه -كما وضّحها في المقدّمة- "كانت القيام  بدراسة الشعر الفلسطيني في إسرائيل، فقد رأى أن يعود لمنابع هذا الشعر  ليتقصّى مميّزاته المضمونيّة والأسلوبية، ليشكّل ذلك تمهيداً ضروريّاً" للدراسة التي ينوي انجازها.

ويُشير  الدكتور سليمان جبران إلى مصادر دراسته والمراجع التي حصل عليها وينبهنا إلى خلل بيّن وقف عليه وهو "أنّ مواقف وتقييمات كثيرة في هذه المراجع تحكمها أهواء كاتبيها حيناً، أو اعتبارات خارجيّة مجانبة للموضوعيّة حينا آخر" و "أنّ معظم هذه المراجع لم تتناول شعر تلك الفترة التأسيسيّة الهامّة، في تاريخ الشعر الفلسطيني والشعب الفلسطيني على حدّ سواء، بالتحليل النصّي الموضوعي، بل انصرفت غالبا إلى عَرض الظروف السياسيّة والشخصيّة لنشأة هذا الشعر، وانعكاس ذلك في موضوعاته ومضامينه"(المقدمة ص 6).

بدأ دراسته بتناول نهضة الأدب الفلسطيني وظروفها الموضوعية، ثم انتقل لعرض موجز تناول فيه الشعر الفلسطيني ما بين الحربين العالميتين ومن ثم انتقل ليركّز دراستَه حول أربعة شعراء يراهم الممثلين الحقيقيين للشعر الفلسطيني في فترة الانتداب البريطاني.

كانت مقالة الشاعر اللبناني صلاح الأسير في مجلة الأديب اللبنانية عام 1944 التي استعرض فيها ، بناء على طلب المجلة، الشعراء  العرب المعاصرين في البلاد العربية وتجاهله للشعراء الفلسطينيين ما أثار الجدلَ والنقاشَ والرّدود العديدة وما أوصل الدكتور جبران إلى النتيجة " أنّ الأدب الفلسطيني حتى الأربعينات من القرن العشرين لم يظفر باعتراف الأوساط الأدبية المهَيْمنة في القاهرة وبيروت، بل اعتُبر رافدا "تابعا"، حتى في نظر بعض أبناء البلاد أنفسهم" ويُلمّح بخَفر إلى أنّ هذا التجاهل قد يكون سببه النظرة الأقليمية، لكنه يُسارع ليعترف بأن النهضة الثقافية في فلسطين قد تأخّرت فعلاً واختلفت عمّا شهدته مصر ولبنان من انبعاث أدبيّ ثقافي في العصر الحديث.(ص13) ويُعيد أسباب هذا التأخّر لعوامل تاريخيّة عديدة أهمها "أنّ فلسطين لم تكن كيانا جغرافيّا سياسيّا متميّزا حتى الحرب العالمية الأولى" بل كانت تشكل مع الأردن جندين من أجناد بلاد الشام، وأنها لم تكن كيانا مستقلا أو شبه مستقل، لا قبل الفتح الإسلامي، ولا قبل المسيح في العصور القديمة أيضا"(ص13) وفقط بعد الحرب العالمية الأولى "ظهرت فلسطين في كيان جغرافي سياسي مستقل لأوّل مرّة في التاريخ الحديث والقديم وفي ظلّ الانتداب / الاستعمار البريطاني بالذات.(ص22)

ويعارض الدكتور سليمان جبران رأي كل من الدكتور عبد الرحمن ياغي والدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور كامل السوافيري الذين رأوا أنّ بداية النهضة الأدبية في فلسطين كانت منذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر ويتساءل عن السبب الذي جعل مؤرّخي الأدب العربي الفلسطيني يُصرّون على منتصف القرن التاسع عشر بداية لمرحلته الأولى. ويشك في أنّ السبب "يكمُن في اعتبار هذا التاريخ،عادة، بداية لظهور وانتشار مفاهيم القومية العربية، أو لعلها محاولة لدفع رأي المتطرّفين الذين جعلوا سنة 1939 بداية النهضة الأدبية في فلسطين، أو لعله سبب آخر."(ص15) ويرى "أنّ الشعر الفلسطيني بمعناه الوطني الدقيق، لم يُكتَب قبل مطلع القرن العشرين، أمّا شعر القرن التاسع عشر فهو، وإن كتبه شعراء من فلسطين، إلاّ أنّه لا يعكس مجتمعا فلسطينيّا وانتماء فلسطينيّا، وإنما هو شعر إسلاميّ في معظمه، لم يٌجدّد في مفاهيم الشعر، أو مضامينه أو أساليبه شيئا" (ص15-16).

موقف الدكتور سليمان جبران هذا يضعنا أمام التساؤل الدائم حول مفهوميّة انتماء النتاج الأدبي أو صاحبه  للبلد الذي ينتمي اليه الكاتب أو نتاجه. ويرى ،كما يبدو من تَوضيحه، أنّ المضمون هو المقرّر للإنتماء. ويحصر النهضة فقط في الشعر، من مُنطلق تمَحور دراسته حول الشعر بقوله: "ولكننا نرى أنّ الشعرَ الفلسطيني بمعناه الوطني الدقيق، لم يُكتَب قبل مطلع القرن العشرين"(ص15) و "ونخلص إلى القول بأنّ بداية الشعر الفلسطيني الحقيقية كانت في مطلع القرن العشرين" (ص16).  وفي هذا أعارض الدكتور سليمان جبران، وأرى أنّ النهضة بدأت في فلسطين في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مُتَمثلة، ليس في الشعر حصراً، وإنما في المدارس والأرساليات والمطابع والصحف والجمعيات والنوادي والحركات السياسية والمؤلفات العديدة في مختلف المواضيع شعرا ونثرا حتى ولو كانت عامّة في طروحاتها ولا تعكس هموم المجتمع الفلسطيني الذي لم يتبلور بعد. أمّا أنّ الأدب، شعرا كان أم نثرا، المُعَبّر عن الهمّ الفلسطيني والعاكس للقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الصهيوني الاستعماري قد تبلور وتطوّر في القرن العشرين فهذا أوافقه عليه، وكان طبيعيا أن يكون بعد تبلور الوطن الفلسطيني والصراع على هذا الوطن ومستقبله.         

يشير الدكتور سليمان جبران في الفصل الثاني من دراسته حول الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب إلى التحوّل الكبير الذي شهدته البلاد نتيجة لتبلور الوطن الفلسطيني المتوحد  المعروفة حدوده وهويّة مواطنيه لأول مرّة في التاريخ. وما عاشته في عهد الانتداب البريطاني، رغم الاضطرابات المستمرة فيما بين الحربين العالميتين، من انتقال البلاد، كما يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي، "إلى أوضاع حضاريّة جديدة، ودخلت في حياة الناس: الكهرباء والسينما ومسارح التمثيل ومجالس اللهو والغناء، وملاعب الرياضة والمدارس الحديثة وطرق المواصلات العامّة والإذاعة والصحافة، مع وما تحمله هذه كلها من عوامل تجميع"(ص23).  كما أن الصراع على البقاء والاستقلال مع سلطة الانتداب والحركة الصهيونيّة أدّى إلى زيادة الوعي السياسي والاجتماعي ونشوء الأحزاب وعقد المؤتمرات وإقامة الجمعيات وصدور الصحف التي وصل عددها إلى 22 مجلة و57 جريدة، وإلى اتّساع نطاق التعليم وانتشار المدارس الرسمية والأهلية وارتفاع الوعي الثقافي  والفكري كما يقول الدكتور كامل السوافيري.(ص23-24).

ويُنَبّه الدكتور سليمان جبران الباحثين الذين تناولوا هذه التحوّلات التي عاشها الوطنُ الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني من مشاعر الحَرَج التي لمسها في كلامهم فيحاولون التقليل من شأن هذه التطوّرات بالبحث عن النوايا السيئة للإنتداب البريطاني من وراء ذلك أو بما طرأ من تقدّم أكبر في هذه المجالات في الناحية اليهودية، بقوله "لا نظنّ أنّ هناك ما يدعو إلى الحرج في الإقرار بالتطوّر الذي طرأ على نواحي الحياة عامّة في ظلّ الانتداب، ما دامت هذه التطوّرات وقائع تاريخيّة لا مَجال إلى إنكارها.  ثم إنّ الحياة لا بدّ أن تتغيّر من عصر إلى عصر، والانتداب البريطاني، رغم كل مَساوئه، لا يُقارَنُ بالحكم العثماني السابق، كما أنّ المهمّات الرسمية التي انتُدِبَت بريطانيا لتَحقيقها كانت تطوير البلاد وتهيئتها للاستقلال"(ص24).

والأدب، كباقي مَظاهر التطوّر، كان حظّه الأوفر ودورُه الأبرز في تصوير أوضاع المجتمع وفي تَصدّيه للتحديّات التي تقف في طريقه. وواصل الشعر دورَه التاريخيّ في التصدّي والمُواجهة والتحريض ودفع الجماهير إلى النضال والثورة. وكأن النثر والشعر تقاسما الدور : "فالشعر يُناضل في وجه التحديّات الخارجيّة ويُجنّد أبناءَ الشعب في هذا النضال، والنثر يتولّى القضايا الداخليّة من دعوة إلى الأصلاح والتقدّم وتَثقيف الأخلاق والتربية على المبادىء."(ص25).

ينتقل الدكتور سليمان جبران في الفصل الأخير من دراسته إلى تناول أربعة شعراء يعتبرهم الممثلين الأبرز للشعر الفلسطيني في فترة الانتداب البريطاني. وأوّل هؤلاء الشاعر وديع البستاني، ويعتبره رائدا للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب وذلك كما يرى للأسباب التالية: السبب الأوّل: " أنّ البستاني اتصل بالقضية الفلسطينيّة منذ شهر تشرين الثاني 1917. وهو الشهر الذي في ثانيه صدر تصريح بلفور واعدا اليهود بالوطن القومي في فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ كرّس نفسه وقلمَه لمناصرة الشعب الفلسطيني وقضيته"(ص29-31). السبب الثاني: " أن وديع البستاني يُمثّل المرحلة الأولى من عهد الإنتداب، بل يُمكن القول إنّه يمثّل طور الانتقال في الشعر الفلسطيني من الشعر التقليدي إلى الشعر التجديدي في الثلاثينات والأربعينات."(ص31) والسبب الثالث: " أن البستاني يمثّل الجيل السابق على الشعراء الفلسطينيين الآخرين، وهو أوّل مَن تنبّهَ إلى حقيقة الانتداب الإنجليزي ووعد بلفور".(ص32-33)    

يُقرّر الدكتور سليمان جبران أنّ "البستاني ظاهرة نبيلة في تاريخ الشعر العربي الحديث عامة. إنّه امتداد "الحلم العربي" في كتابات المفكرين والأدباء العرب، روّاد الفكر العربي الذي أخذ يتنامى منذ أواسط القرن التاسع عشر بشكل ملحوظ، الحلم العربي بإقامة دولة عربيّة موحدة أساسها الرابطة القومية، دونما فَرق بين دين وآخر أو فئة وأخرى، تحقيقا للشعار القومي المعروف " الدين لله والوطن للجميع". وقد وهب البستاني فلسطين الكثير من شعره وفكره ونشاطه السياسي والقضائي، فذلك لأنّه اعتبرها قضيّة عربية قوميّة بل القضية القومية الأولى" (ص 34) ويرى جبران أن النقد الذاتي يقلّ في ديوان البستاني ويخلو من السخرية المرّة بالزعماء ورجال السياسة على عكس ما نجد في شعر ابراهيم طوقان وأبي سلمى. ويعزو ذلك إلى كون البستاني لبنانيا مارونيّا يقيم في فلسطين آثر الترفّع عن النزاعات والخلافات مُكرّسا شعرَه وجهدَه في القضايا الوطنيّة العامة" (36-37). كما أنّ البستاني كان يدعو دائما إلى التآخي بين المسلمين والمسيحيين في الوطن  الواحد والقضيّة الواحدة.(ص 38) ولم تحظ المرأة بالمكانة اللائقة في شعر البستاني بينما كانت قضيّة فلسطين والتحرّر والاستقلال هي شغل الشاعر الشاغل.  

ويرى الدكتور سليمان جبران أن شعر المناسبات واضح في ديوان البستاني. وأسلوب قصائد البستاني تقليدي يسير فيه على نهج الكلاسيكيين الجدد،  القصيدة عنده تعبير أدبي عن المناسبة القومية أو الاجتماعية، تابعة لها، منفصلة انفصالا يكادُ يكون تاما عن ذات الشاعر. إنها وسيلة لتوصيل الأفكار والمواقف إلى المُتلَقي. ولهذا فهي أقرب إلى المباشرة والخطابية. مشفوعة بالإيقاع الكلاسيكي الواضح، بعيدة عن الإيحائيّة والصور الذاتية المُركبة. وهو يعمد في معظم قصائده، خاصة القصائد الجادّة إلى الأوزان الكلاسيكية الفخمة: الطويل فالوافر فالكامل فالبسيط.. والقافية أيضا موحدة مطلقة، باستثناء قصائد قليلة هامشيّة يُحاول فيها التنويع في القافية وتبدو أقرب إلى التجريب. ويعمد أحيانا إلى القوافي الوعرة لإظهار القدرة والبراعة . ويكثر في قصائده أيضا من الإلماع allusion أو الاشارة إلى الشعر العربي الكلاسيكي. وهو لا يستقي من الشعر القديم فقط، بل يستعير من القدماء أحيانا ألفاظهم ومصطلحاتهم أيضا. ويلفت النظر ما تتخلل قصائد البستاني من إلماعات إلى التراث الإسلامي بالذات؛ القرآن الكريم والأحاديث النبويّة.(ص 45-50).

ويستغرب الدكتور سليمان جبران عدم اهتمام الباحثين والدارسين للشعر الفلسطيني في عهد الانتداب بوديع البستاني وشعره ويقول : "لعلّ السبب في ذلك أنّ البستاني "لبناني المولد والعشيرة" ولكنه يدحض ذلك باستشهاده بتخصيص الدكتور ناصر الدين الأسد للشاعر إبراهيم الدباغ (1880-1946) وهو فلسطيني النشأة مصري التوطّن ولم يذكر فلسطين في شعره إلا عرضا مرّة أو مرتين، ورغم ذلك ظفر بإثني عشرة صفحة عن حياته وشعره، بينما وديع البستاني الذي كرّس حياته وشعره للقضية الفلسطينية ونُصرة الشعب الفلسطيني حظي بأربع صفحات فقط من كتابه الكبير دونما عنوان مستقل ويستهل حديثه عن الشاعر كأنّما "عرضا".(ص 33-34). ويعود الدكتور جبران ليسأل عن سبب تجاهل الدارسين للبستاني بقوله " أو لعلّ هناك سببا آخر!؟" ويُعلّق: "ولكننا على كل حال لا نرى ما يُسوّغ ذلك مطلقا". وكأني به في نهاية حديثه عن البستاني يُلمح إلى السبب الذي قد يكون وراء تجاهل الدارسين لوديع البستاني بتأكيده على هويّة البستاني قائلا: " هكذا نجد أن وديع البستاني ليس فقط "لبناني المولد فلسطيني التوطّن" (إشارة إلى إبراهيم الدباغ وما حظي به من اهتمام) "بل إنّه أيضا مسيحيّ المولد والنشأة مسلم البيئة والثقافة ، لا يلتفت إلى الرّابط الديني بينه وبين الإنجليز، إذ هو مسكون بالرابط القومي الوطني؛ الرابط الأول والأهم في حياته وشعره. هذا هو الشاعر وديع البستاني: شاعر لبناني-فلسطيني، مسيحي-مسلم، أوّل مَن تصدّى للتحدّي الانتدابي-الصهيوني في فلسطين، فكرّس شعرَه وحياته للدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة طوال فترة الانتداب، فاستحق في راينا اعتباره رائد الشعر الفلسطيني."(ص50) . وكأني بالدكتور سليمان جبران يريد أن يسأل: أهذا يُهمله الدارسون والباحثون ومثل ابراهيم الدباغ، مَن كانت القضية الفلسطينية والوطن غريبة عنه، تُخَصص له الصفحات الكثيرة .. لماذا اهملتم وديع البستاني !! ألأنّه لبناني المولد والعشيرة ؟ أم "لعلّ هناك سببا آخر.!؟"(ص33).

الشاعر الثاني الذي تناولته الدراسة هو "إبراهيم طوقان"(1905-1941) الذي أجمع الدارسون على أنّه شاعر فلسطين الأوّل، وقد وصفته أخته الشاعرة فدوى طوقان بأنّه "شاعر الوطن" وذلك لأنه "سجّلَ آلامَ فلسطين وآمالَها خلال الانتداب الإنكليزي، كما لم يُسَجّله شاعر فلسطينيّ من قبل." ويتساءل الدكتور سليمان جبران: "هل هو أكبر شعراء فلسطين في عهد الانتداب لأنه "سجّل آلام وطنه وآماله" في شعره فحسب؟ بكلمة أخرى: هل الوطنيّة التي تناولها في شعره هي ما أهّله فعلاً لأنْ يتقدّم على سائر الشعراء، في ذلك العهد، وهم كثر؟ ألم يكتب وديع البستاني، قبله وفي الوقت ذاته، في كلّ الموضوعات الوطنيّة والأحداث السياسيّة التي عاشتها فلسطين في فترة الانتداب البريطاني؟ ألم يتناول كثيرون من مُجايليه أيضا الموضوعات ذاتها، بشكل أو بآخر، ويكرّسوا جلّ قصائدهم لخدمة القضيّة الفلسطينية؟" ويُحدّد الدكتور سليمان سؤاله أكثر : "هل تقتصر مكانة طوقان الشعرية على ما كتبَه في الوطنيّة دونما اعتبار لأشعاره الأخرى، وفي الغزل بوجه خاصّ؟"(ص53).   

ويرى الدكتور سليمان جبران أنّ تقدّمَ إبراهيم طوقان على غيره من الشعراء لا يعودُ إلى الموضوعات التي تناولها ، فالموضوعات مُلقاة على قارعة الطريق وقد تناولها كثيرون، وإنّما يعود إلى تَفَرّده المتمثّل في "كيفيّة صياغة هذه الموضوعات في قصائده، في المقوّمات الفنيّة الراقية التي استطاع إنجازَها آنذاك" (ص54).

ويقف الدكتور جبران عند ما اتّفق عليه دارسو شعر إبراهيم طوقان من انّ شاعريّة طوقان تعود إلى منابع ثقافته المتنوعة: البيئة البيتية، القرآن الكريم، تَلقّي العلم على يد نخلة زريق، بيئة الصحافة، بيئة الجامعة الأمريكية وبيروت المفتوحة الآفاق الاجتماعيّة، التعرّف على الآداب الأجنبية واتقانه اللغة الانكليزية. ويوافق الدكتور جبران على أنّ للدراسة الجامعيّة ولأجواء بيروت كان الأثر في صَقل موهبة الشاعر إلاّ أنه ينفي أثر مَعرفة الشاعر للغة الانكليزيّة وقراءة الأدب الانكليزي على صَقل شاعريته. كما أنه يرفض تصنيفه شاعرا رومانسيا، ويرى أنّ شعرَه ، حتى الغزل منه، "أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال، فالحبيبة هي امرأة من لحم ودم لا صورة مُتخيّلة بعيدة، والحبّ في شعره علاقة رجل وامرأة لا عاطفة سماويّة مقدّسة. كما أن شعره لا يفيض بالحزن العميق وخيبة الأمل من الحياة والناس، والشاعر عنده ليس رسولا أو نبيّا، كما أنّ الطبيعةَ أيضا ليست عالما أمثل يلجأ إليه الشاعر ليبثّه خيبته من الحياة والناس" ويرى أنّ شعر طوقان أقرب إلى مدرسة وسطى بين الكلاسيكيّة الجديدة بزعامة أحمد شوقي والرومانسيّة المَشرقيّة لدى جماعة أبولو في مصر خاصة".(ص57) ويرى أنّ الموهبة التي تعهدها الشاعر منذ صغره بقراءة الكثير من التراث الكلاسيكي؛ هي العامل الأوّل في شاعرية إبراهيم طوقان. كما أن طوقان كان يعتني بقصائده وألفاظَه ويجوّد لغتَه. وتأثر بالقول الشعبي فكان أقرب الشعراء إلى الروح الشعبية في التعبير وأكثرهم استقاء للألفاظ والصور الشعرية من المقول اليومي.(ص59)

وينتقل الدكتور سليمان جبران إلى ديوان إبراهيم طوقان ويخلص إلى أنّ قصائد الغزل والقصائد الوطنيّة هي الغالبة على شعر طوقان عددا وفنّا. وأنّ قصائد الرثاء هي في الغالب تقليديّة ذات وزن كلاسيكي واحد وقافية مُوحّدة. ومعظم قصائد الديوان قصيرة نسبيا، ويرى أنّها الممتازة والمتقدّمة على القصائد الطويلة الملتزمة بالأوزان الكلاسيكية الفخمة والقافية الموحدة والصياغة الرصينة(ص63). ويقف على المميزات الفنيّة في شعر إبراهيم طوقان مثل: التنويع في القوافي باستخدام الشكل المقطوعي أو التوشيحي في القصيدة. والاهتمام بالإيقاع الداخلي الغني وتماسك النص. والمماثلة المحكمة بين شطري البيت الأوّل وشطري الثاني، والقافية المقيّدة غير المردوفة. والصور الشعرية الأصيلة حيث نجح الشاعر في تطوير الصورة القديمة أو الإضافة إليها بحيث تبدو صورة طوقانيّة متصالحة مع سياقها، منسجمة مع فنّه الشعري. كما أنّ صوره الشعرية هي على الغالب صور واقعية، حسيّة، يغترفها من الحياة بعيدا عن الرمز والتجريد، لا إغراب فيها ولا تعقيد، ممّا ساعد على انتشار شعره. ومن سمات شعر طوقان البارزة روح الفكاهة المنعكسة في أشكال الدعابة والسخرية والتهكّم.(ص64 -73).

ويعود الدكتور سليمان جبران ليؤكد في نهاية تناوله لشعر طوقان بأنّ " الفن الشعري الراقي الذي تميّز به شعر إبراهيم طوقان ، لا الموضوعات السياسية فحسب، ما جعله يظفر بمكان الصدارة في الشعر الفلسطيني في عهد النتداب. (ص77).

وتبقى أمنية لم يُحققها الدكتور سليمان جبران في تناوله لشعر إبراهيم طوقان وهي التنقيب والتجميع والدراسة لشعره الكثير المنتشر بين الناس، والذي ينحصر في شعر الغزل ، هذا الشعر الذي يُعطي صورة صادقة وعميقة لشخصية وفكر وتحرّر إبراهيم طوقان وتطوّر وتدفق وحرارة وصدق تجربته الشعرية ، الشعر المحرّم الذي لم يقم أحد بالتنقيب عنه وإصداره في كتاب كما حدث مع قصائد ابي نواس المحرّمة.

وينتقل ليقدّم لنا الشاعر عبد الرحيم محمود(1913-1948) الذي يرى فيه ظاهرة نبيلة في تاريخ الشعر الفلسطيني، والشعر العربي الحديث عامّة لأنه كما قال جبرا ابراهيم جبرا "لم يكتف بالكلام عن الشجاعة ومجابهة الموت،كما يفعل معظم الشعراء، بل كان الشاعر الفارس الأوّل والأكبر في الشعر العربي الحديث. لقد قضى حياته نضالا مُسلّحا من أجل فلسطين وكلّما جاشت عواطفه كلاما لاهبا وشعرا لاظيا، اتّبع القول بالفعل، وحمل بندقيّتَه ودخل سوح القتال" حيث استشهد في معركة الشحرة شرقي الناصرة سنة 1948.(ص81)  ويُوافق الدكتور سليمان جبران كلا من الدكتور ناصر الدين الأسد والباحثة الدكتورة سلمى خضراء الجيوسي على  أنّ حياة عبد الرحيم محمود القصيرة والحافلة بالاضطراب والتضحيات لم تمكنه من الاخلاص لشاعريته بتكريس الوقت الكافي في توسيع ثقافته وتعهد موهبته.(ص83) كما يرى أنّ استشهاد الشاعر في ساحة القتال وظروف حياته ونضالاته أثّرت على تقييم بعض النقّاد لشعره وفنّه. ويرى أنّ شهرة عبد الرحيم محمود تكاد تنحصر في قصيدة "الشهيد" وبالتحديد في البيتين الأوّل والثاني بالذات :

سأحمل روحي على راحتي             والقي بها في مهاوي الرّدى

فإمّا حياة تسرّ الصديـق              وإمّـا مَمات يُغيظُ العِدى

ويتوقف الدكتور جبران طويلا عند قصيدة "الشهيد" بالتحليل والنقد والتعليق. وينتقل بعدها ليلقي نظرة على قصائد ديوان الشاعر التي تتوزّع على ثلاث موضوعات أساسية هي: الوطنيات، الغزليات، الاجتماعيات. حيث يخلص إلى أنّ القصائد الجيّدة على الأغلب هي القصائد القصيرة، وأنّ التقليد والمحافظة غطّى على الشكل الإيقاعي في القصائد، كذلك القافية الموحدة برزت في القصائد الطويلة خاصة التي كان يعمد فيها  إلى التصريع. كما انّه كثيرا ما كان يلتفت إلى الماضي الزاهر ومَثْلنة الدولة العربية-الإسلامية في القرون الوسطى مما يرى فيه الدكتور سليمان جبران منحى يعكس في الواقع مواقف فكرية محافظة بعيدة عن الرؤية المعاصرة، لا نقدا مشروعا للحاضر المتخلّف المُمَزّق فحسب.(ص96). وكان تأثّر عبد الرحيم محمود واضحا بالشعر العربي القديم حيث ظهرت في قصائده أصداء الشعر القديم في الألفاظ والتراكيب الكلاسيكية الوعرة. كما أنّ تقليديّة عبد الرحيم محمود تبرز في موقفه التقليدي من المرأة وخاصة في قصيدته "نون النسوة" وقصيدة "حوشوا البنات من الشوارع" التي كتبها عام 1931 ويُطالب فيها البنات بالتحجّب.

ويُشير الدكتور سليمان جبران إلى أن التحوّل في مواقف عبد الرحيم محمود الفكرية والاجتماعية ترك أثره في مبنى القصيدة عنده وفي شكلها الإيقاعي. حيث نراه يحاول التخلّص من المبنى الكلاسيكي الصارم في الإيقاع المتمثّل في الوزن الواحد والقافية الموحدة في قصيدة "ذكرى الزمان" ويعمد إلى المبنى التوشيحي. كذلك يُشير إلى ظاهرة الشعر المَقطوعي الذي برز في قصائده التي تميّزت بمناحيها الانسانية والرومانسية واليسارية التي غلبت على شعره في الأربعينات.(ص99) وفي هذا الشعر وضح الاتجاه اليساري للشاعر المتمثل في الثورة على المواضعات الاجتماعية والتعاطف مع الطبقات الفقيرة، ومُناصرة العمال، وفي تَبنّي مواقف الماركسيين الطبقية وبعض مصطلحاتهم أيضا، حتى أنّ الأستاذ  إبراهيم عبد الستار يرى أنّ عبد الرحيم محمود "اشتراكي النزعة ذو مبدأ ومذهب في الحياة الانسانيّة". ولا يُوافقه الدكتور سليمان جبران على قوله هذا ويقول "يصعب القول، في الواقع، إنّ عبد الرحيم محمود كان اشتراكيّا أو ماركسيّا بكلّ معنى الكلمة، لكنْ من الواضح أنّه تأثّر بالماركسيين والفكر الماركسي"(ص101).

وكما أشار الدكتور سليمان جبران إلى تأثر إبراهيم طوقان باللغة العامية وأثرها الواضح في شعره، هكذا يشير إلى تأثير العامية على شعر عبد الرحيم محمود حتى أنّها تتخلل القصائد الكلاسيكية في المرحلة الأولى من شعره.

ويعزو الدكتور سليمان هذا التحول في فكر ومواقف عبد الرحيم محمود إلى إقامة الشاعر فترة من حياته في مدينة الناصرة، واتصاله بالأوساط الشيوعيّة فيها، أو نتيجة اتّصاله بالشعراء والمثقفين العراقيين خلال الفترة التي قضاها في العراق، أو لعلّ هذا التحوّل، نتيجة طبيعيّة لتقدّم الشاعر في السنّ وللخيبات التي لاقاها في فشل الثورة الفلسطينيّة سنة 1939، وحركة رشيد عالي الكيلاني التي شارك فيهاسنة 1941.(ص99).

وكان الشاعر عبد الكريم الكرمي "أبو سلمى" (1909-1980) آخر شاعر يتناوله في دراسته. ومن البداية يُحدّد نقطة اختلاف مهمة ما بين أبو سلمى وكل من إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود بأن كلا الشاعرين توفيا قبل وقوع نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 بينما أبو سلمى عاش نصف عمره في فلسطين وطنه، ونصفه الثاني لاجئا مُشردا بعيدا ممّا ترك أثره على حياته وشعره.

بعد توسّع الدكتور سليمان جبران في استعراض حياة وعمل أبو سلمى من بداية حياته حتى سنة وفاته ينتقل لتناول شعره الذي يراه في معظمه شعرا سياسيّا يساريّا، ويذكر أن العديد من الذين تناولوا شعره السياسي أشاروا إلى يساريته وإلى ربطه الواضح بين القضية الوطنية والقضية الطبقية (ص125-127) ، ويرى الدكتور سليمان جبران أنّ يسارية أبو سلمى برزت بشكل واضح في قصائده منذ الثلاثينات وبشكل خاص في الأربعينات؛ بعد انتقال الشاعر إلى العمل والإقامة في حيفا، وارتفاع مكانة الاتحاد السوفييتي بسبب الحرب العالمية الثانية في الشرق الأوسط عامة، وبين المفكرين والشعراء العرب بوجه خاص.(ص127).

وكان للغزل حظا وافرا في شعر أبو سلمى خاصة قبل عام 1948 حتى أنّ ابراهيم طوقان سمّاه رسول الهوى:

يا رسـول الهوى صحـابتك العشّـاق طراً، وحزبـك الآرامُ

شيعة لو حشدت يوماً قواها           هلك الكاشحون واللّوامُ

ويقول عنه الكاتب إبراهيم المازني:" حياته كلّها في "دنيا الهوى" ويرى الدكتور سليمان جبران أنّ غزل أبو سلمى تميّز "بالإيقاع العذب والألفاظ السائغة والصور القريبة، إلاّ أنه لم يخرج في غزله عن مقوّمات الغزل التقليديّة، حتى أنّه في المراحل المتأخّرة، ظلّ غزله رقيقا ناعما، يحفلُ بالإيقاع والصور الشعرية، إلاّ أنّه قليل التجديد، يكاد يخلو من حرارة التجربة والمشاعر الجائشة".(130-131) ويذكر أنّ أبو سلمى في غزله زاوَجَ بين الحبيبة والمرأة والأرض والوطن. ويحدّد الدكتور جبران مصادر الغزل عند أبو سلمى: "المصدر الأوّل هي فتاته بكل مفاتنها: الوجنات، العيون، الشفاه، الثغر، الصوت، القدّ، خفّة الدّم. والمصدر الثاني: الوطن بكل عناصر الطبيعة فيه: ليالي اللقاء، نجوم المنى، نسيم الربى، طيور المروج، اغنيات الغدير، دموع الجبل." ولكن أبو سلمى في مزاوجته بين الحبيبة والوطن لا يصل إلى حدّ التوحّد والتماهي بينهما.

ويركز الدكتور سليمان جبران على السمات الأسلوبية لشعر أبو سلمىقبل عام 1948 مثل: الغنائية التي تبدو واضحة منذ بداية تفجر شاعريته وظلت تلازمه طوال فترات حياته وبارزة، ليس في القصائد الغزلية فقط، وإنّما في القصائد الوطنية أيضا.

ويتميّز شعر أبو سلمى بالبساطة والعذوبة وإن كان في أول عهده انساق وراء بعض الألفاظ الكلاسيكية الغريبة عن السياق الحديث. ويذكر الدكتور سليمان جبران أنّ أبو سلمى رغم محاولاته كتابة القصائد التوشيحية في بداية طريقه الشعري وفي الغزل بالذات إلاّ  أنه سارع للإنقطاع عن هذا المنحى في غير الأغاني والأناشيد.(ص139)

يختتم الدكتور سليمان جبران دراسته عن الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني بقوله مؤكدا إنّ هذا الشعر " تمثّل في الشعراء الأربعة: وديع البستاني رائد الشعر الوطني الفلسطيني؛ إبراهيم طوقان أبرز شعراء فلسطين في عهد الانتداب، عبد الرحيم محمود الشاعر الشهيد، عبد الكريم الكرمي الشاعر الذي غنّى اسمَ حبيبته فلسطين في وطنه وفي المنفى؟ هؤلاء الأربعة هم في رأينا، مَن وضعوا الأسس الفكرية والفنيّة للشعر الفلسطيني في فلسطين "الانتدابية" والشتات، وفي إسرائيل أيضا." ويضيف مؤكدا ما كان قدِ ذكره كثيرا " " ما يميّز الشعر الفلسطيني قبل 48، هو الانخراط الحميم في الحياة السياسيّة والنضال الشعبي، والمناحي اليساريّة فكراً وصياغة، والاستقاء بشكل واضح من اللغة العاميّة والماثور الشعبي".(ص142)

 

* د. سليمان جبران. نظرة جديدة على الشعر الفلسطيني في عهد الانتداب. سلسلة منشورات الكرمل 9 . جامعة حيفا 2006.

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi