في أبوّاتنا فَقَدنا شخصيّتَنا

"الكُنْيَة(*) وحقيقتها"

 

 د. نـبـيـه القــاسم

تتمايزُ الشعوب فيما بينها بعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها لمختلف جوانب الحياة ولكيفية تحديد العلاقات بين أبناء المجتمع. وكانت، ولا تزال، مسألة تحديد الفرد لهويّته الخاصّة ولرؤيته لنفسه وتقييمها وتحديد مكانتها ودورها وفعالياتها وعلاقاتها، الشاغل الكبير للفرد الذي يعمل من حيث يدري أو لا يدري، لتثبيت وجوده وتأكيد أهميته وسط المجتمع الذي يُقيم فيه.

ويشهد مجتمعنا العربي في السنتين الأخيرتين ظاهرة مثيرة للسلب ؟ أو الإيجاب؟ وهي تعريف الواحد لنفسه بأبي فلان، وقد يكون هذا الانسان متزوّجا وله أولاد، وقد يكون غير متزوّج ولا أولاد له، وحتى قد يكون فتى في أول تفتّحه.

أذكر حتى سنوات قريبة أنّ الواحد منّا كان يُعَرّف بأبيه: نبيه الفريد، صبري البديع، أديب المحاسن. وفي حالات كثيرة يُعَرّف الواحد بأمّه إذا كان والده قد توفّي وهو صغير، أو كانت شخصيّة الأم هي الأقوى فيُقال: حنا الجميلة أو سعيد الوردة.

هذا النّسب للأب أو الأم هو الذي عرفه العرب منذ الجاهلية رغم المجتمع القبلي الذي ذوّب الفرد في القبيلة، فعَرفنا عنترة بوالده شدّاد، ومعاوية بن سفيان، وزياد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وجمال عبد الناصر، وعبد الله بن الحسين. والحسين بن طلال.

كان الأب أو الأم هو ما يُعَرّف به الفَرد، وإذا أراد التوسّع أكثر فيذكر اسم الجد، ولا يذكر اسم العائلة إلاّ في المعاملات الرسمية ممّا ولّد انقسامات وتباعُدات بين أفراد العائلة الواحدة، وأحيانا بين الإخوة، فنجد أخوين يُعرّفان باسم عائلتين مختلفتين. فنقول محمد الخطيب ورجا الصالح ولا نذكر اسم العائلة "أسدي" ومع السنوات تتكوّن عائلتا الخطيب والصالح، وكأنّ لا علاقة بينهما، وهما في الحقيقة تعودان إلى الأخوَين خطيب وصالح.

وكان ذكر الإسم الثلاثي هو المفضّل والمميّز للواحد والمُعرّف به. ولكن المشكلة تعقّدت والأسماء تداخت وكثرت البلبلة في العائلة الواحدة مع اتّباع طريقة المكاتب الرسمية للدولة في تعاملها مع الأفراد بذكر اسم الشخص والعائلة فقط دون ذكر اسم الأب أو الجدّ. فيصدف أن يكون في العائلة الكبيرة مثل عائلة محاميد أو أسدي أو الحلبي أكثر من خمسين واحدا باسم محمد أو علي أو قاسم. وحتى نصل للواحد الذي نريد علينا أن نسأل ونسأل ونُثقل على الناس.

وصدف لي أن ذهبتُ لأزور معرفة لي في قرية "البعنة" القريبة من بلدتي "الرامة" أصرّ على مَدار ثلاث سنوات أن لا أعرفه إلاّ باسم أبي محمد. وأخذت أسأل في قرية البعنة عن أبي محمد وألفّ وأدور، وأكثرُ من واحد يقول لي: كيف ما تبرم ستجد أبا محمد، المهم اسمه إيش؟ حتى وصلته في النهاية ، وقبل أن اسلّم عليه وأستمع إلى ترحيباته وهو ينادي على زوجته: يا أم محمد هذا الأستاذ في بيتنا. قلت له: قبل كل شيء قل لي اسمك الشخصي وبعدين منحكي. وضحكتُ وضحك أبو محمد وشاركتنا الضحك أم محمد التي دخلت مرحبّة: يا هلا.. يا هلا في الأستاذ.

وكم من واحد على صداقة مع انسان أو أكثر على مَدار سنين طويلة، وتبادلا الزيارات البيتية، ولا يعرفه إلا بكنيته بأبي فلان. وإذا سألته عن اسمه الشخصي اعتذر وقال لا أعرف ولم أسال خجلا.

وشغلتني هذه الخاصيّة التي يتميّز بها العربي ويعتزّ، وأقلقتني أكثر من كثرة استعمالها والتحلّي بها في السنتين الأخيرتين، وزاد اهتمامي ما لاحظته من انتشارها حتى بين مَن كانوا يعتزّون بأسمائهم، ومنهم رفاق في الحزب الشيوعي والجبهة، وكان الواحد إذا سمع رفيقَه يُناديه يا رفيق  مفيد أو الياس يمتلىء زهوّا وسعادة وفرحا. واليوم يرسل لي دعوة زواج ابنه وفي رأس الدعوة يكتب اسمه الكامل وبين قوسين أو وسط السطر الثاني أو قبل اسمه كُنيته أبو محمد أو أبو خالد أو أبو وليد".

كانت الكنية بأبي فلان، مقصورة على بعض الأشخاص في المجتمع لهم مكانتهم وهيبتهم مثل: أبو خالد لجمال عبد الناصر وأبو عمّار لياسر عرفات. أو في التنظيمات الثورية للتّستّر على الإسم الحقيقي: أبو جهاد وأبو الهول وأبو إياد. وعلى المستوى البلدي أو العائلي تنحصر في واحد أو اثنين. أمّا باقي الناس فيُعرَفون بأسمائهم الشخصية أو بآبائهم: ابن فلان أو ابن فلانة.

ويعود سبب الكنى عند العرب كما يقول ابن الأثير إلى "أنّ ملكا من ملوكهم الأول كان له ولد توسّم فيه إمارات النّجابَة فشغف به، فلمّا نشأ وترعرع وصلح لأن يُؤدّب أدب الملوك، أحبّ أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة يكون فيه مقيما يتخلّق أخلاقَ مُؤدّبيه، ولا يُعاشر مَن يضيع عليه بعض زمانه. فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه، ورتّب له مَن يُؤدّبه بأنواع الأداب العلمية والمَلكيّة، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه، ثمّ أضاف إليه مَن هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمّه وأمرائه ليُواسوه ويتأدّبوا بآدابه بموافقتهم له عليه..

 وكان الملك على رأس كل سنة يمضي إلى ولده، ويستصحب معه من أصحابه مَن له عند وَلده ولد، ليُبصروا أولادهم، فكانوا معه إذا وصلوا إليهم سأل ابن  الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: "هذا أبو فلان، وهذا أبو فلان" يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى آبائهم فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب، ثم انتشرت حتى صاروا يكنون كل انسان باسم ابنه".

ويرى السيّد حيدر شرف الدين العاملي أبو رضا أنّ أصل استعمال الكنية عند العرب لاخفاء أسمائهم، لأنهم كانوا أمّة قبَليّة تعيش حالات الحروب والغارات، فربّما اتخذوا الكنى- في بداياتها- ليخفوا وراءها شخصياتهم المعروفة عادة بالأسماء، ثم تبلورت إلى أداة معبّرة عن الأشخاص، وتميّزت بخصوصيّات أخرى.

وقال الجرجاني: الكنية: ما صُدّر بأب أو أمّ أو ابن أو بنت.

وقال ابن الأثير: لمّا كان أصل الكنية أن تكون بالأولاد، تعيّن أن تكون بالذين ولَدوهم، فمَن لم يكن له ابن وكان له بنت، كنّوه بها.

وورد في النحو الوافي 1/277: مَن لم يكن له ابن أو بنت، كنّوه باقرب الناس إليه كأخ وأخت وعمّ وعمّة وخال وخالة.

 وجَروا في كنى النساء بالأمهات هذا المجرى في الكنى بالأولاد.

وقال ابن الأثير: وكذلك فعلوا في إضافة الأبناء والبنات إكراما واحتراما لهم بإضافتهم إلى آبائهم مع تَرك أسمائهم. وأجروا غير الأناسي مجراهم في ذلك، لما شارك الناس في الولادة- باقي الحيوانات، كنّوا ما كنوا منها بالآباء والأمهات كأبي الحارث للأسد، وأم عامر للضبع. وكذلك تجوزا في إجراء الحيوانات العُجم مجرى الناس في الكنى والأبناء، حملوا عليها بعض الجمادات فأجروها مجراها فقالوا: أبو جابر للخبز، وأم قار للداهية، وابن ذكاء للصبح، وبنت أرض للحصاة.

والهدف من الكنية كما يقول الأهدَل: للإخبار عن نفس كأبي طالب، كنّي بابنه طالب، وهذا هو الأغلب. والتفاؤل والرجاء، كابي الفضل، لمَن يرجو له جامعا للفضائل. والإيماء إلى الضدّ كأبي يحيى لمَلك الموت. ولاشتهار الشخص بخصلة فيكنّى بها.

ومن فوائد الكنية وأغراض وضعها" التمييز بين الأشخاص بتعيين أحدهم بكنيته، بالدلالة عليه.

يقول ابن قتيبة: الكناية أنواع، ولها مواضع.. فمنها: أن تكني عن اسم الرجل بالأبوّة لتزيد من الدلالة عليه، إذا أنتَ راسلتَه أو كتبتَ إليه، إذ كانت الأسماء تتفق.

ويكنى الرجل بالأبوة لتعظّمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدلّ على الحنكة وتخبر عن الإكتهال.

وقال ابن الأثير: إنما جيء بالكنية لاحترام المكنّى بها وإكرامه وتعظيمه.كي لا يُصَرّح في الخطاب باسمه.

وقال الرضي: الكنية عند العرب يقصَد بها التعظيم لعدم التصريح بالاسم.. فإنّ بعض النفوس تأنف من أن تُخاطَب باسمها.

وقد تُجعَل اللفظة المستعملة للكنية "لقبا" لشخص، والمراد بجعلها اعتبار جهة المدح أو الذمّ فيها، بحيث لا تُستعمَل  إلاّ لإرادة أحدهما منها، فتسمى "لقبا" اصطلاحا، وهي "كنية" لفظا.

وقد قسّم ابن منظور الأنصاري الكنية إلى ما يُراد به الذم أو المدح، أو الخالي منهما.(لسان العرب 20/98)

ويقال: إنّ الكنية تدلّ على الاحترام والتعظيم للمكنى، وهذا ينافي أن يكون دالاّ على الذم عندما يُستعمَل لقبا.

وقال ابن منظور: الكنية على ثلاثة أوجه:

الأول أن يُكنّى عن الشيء الذي يُستَفحَش ذكره.

والثاني أن يُكنّى الرجل باسمه توقيرا وتعظيما.

والثالث أن تقوم الكنية مَقامَ الاسم، فيُعرَف صاحبها بها، كما يُعرَف باسمه.(لسان العرب 20/98 مادة (كنى)).

 وبعد كل هذا أراني أسأل : لماذا يتمسّك الكثيرون منّا بأن ندعوهم بأبي فلان متنازلين عن أسمائهم الحقيقية؟ ألانهم بالفعل أصحابُ مَقامات عالية ومهمّة، حقيقة أو وهما، أو للشعور بفقدان الهيبة والمكانة والثقة بالذات، فيجد الواحد في مناداته بأبي فلان أنه ذات مَكانة وهيبة وقيمة، فيشعر بالنّشوة والهيبة والفرحة، ويمسّد شاربَيه وهو يتوهّم نفسَه عنتر زمانه ..  

وأعود لأسأل : هل في أبوّاتنا نتعزّى عن فقداننا لشخصيتنا؟!

  

*- مجلة "تراثنا" العدد 17 حقيقة الكنية وميّزاتها . محمد رضا الحسيني. صفحات 5-29 / 74-95

 

صحيفة "القدس العربي"، لندن - 25.10.2008

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi