نبيه القاسم في حوار مع ليانة بدر في تونس عام 1994

ليانة بدر نجمة في سماء أريحا

مفتتح الكلام: ليانة بدر روائية وقاصة فلسطينيّة ولدت في القدس وعاشت في أريحا حيث كان والدها الطبيب يعمل. عام 1967 نزحت مع أهلها إلى الأردن حيث درست في الجامعة الأردنية. كما ونالت شهاد الليسانس في علم النفس العام من جامعتي بيروت العربية والجامعة اللبنانية. بعد عام 1982 عاشت في دمشق ومن ثم انتقلت إلى تونس حيث هي الآن تستعد للعودة إلى موطنها الأول أريحا.

أصدرت حتى الأن الروايات التالية: "بوصلة من أجل عباد الشمس"، "عين المرآة"، وأخيراً "نجوم أريحا". كما وأصدرت عدّة مجموعات قصصية هي: "قصص الحب والمطاردة"، "شرفة على الفاكهاني"، "أنا أريد النهار"، "جحيم ذهني" وقد تُرجمت قصصها إلى العديد من اللغات.

 

عندما حطّت بي الطائرة على أرض المطار في تونس كانت ليانة بدر أحد الأسماء الأولى التي كنت أبغي مقابلتها... فمنذ قرأت لها مجموعاتها القصصية "أنا أريد النهار" عرفت أنني أمام مُبدعة كبيرة، وهذه فرصتي اليوم أن ألتقي بها وأحاورها وأقدّمها إلى قارئنا العربي في البلاد.. وعندما التقيتها صباح الغد في مقرّ "الدائرة الثقافية" لمنظمة التحرير الفلسطينية أخذت بعفويتها وصدقها وذكائها وخفّة دمها، خاصة عندما قالت مُعلّقة على تقديمها لنا بأنّ ياسر عبد ربه زوجها بقولها: "هنا وسط رجال الأدب والثقافة يُقدَّم على أنّه زوجي بينما بين رجال السياسة أقدّم على أنّني زوجته"، وضحكنا...

وفي بيتها الذي أوصلتنا إليه السيارة الخاصة التي أُرسلت لإحضارنا كانت ليانة مع زوجها القائد ياسر عبد ربه في استقبالنا، أنا والصديق محمد علي طه. واستمعنا بشغف واعتزاز إلى ياسر عبد ربه وهو يفصّل لنا في حديثه حول المباحثات السياسية ويحلّل لنا شخصية كل من يوسي سريد وشمعون بيرس، وفرحنا ونحن نسمعه يدخل إلى أعماق يوسي سريد ويكتشف دقائق الأمور ويعرّي الحقائق التي يحاول سريد التستر عليها والتظاهر بالسوبرمان والرجل الآخر..

وطال الحديث بيننا وتشعّب إلى مختلف جوانب الوضع الراهن ثم كان على ياسر أن يذهب للمشاركة في اجتماع قيادي.

والآن قلت لليانة انتهى الحوار السياسي ليبدأ بيننا حوار الأدب: وأنت لست بالمُبدعة المجهولة لقارئنا العربي فقد قرأنا لك المجموعات القصصية والروايات. وتحتلّين مكانة خاصة كونك شاهدة عيان على كلّ ما ألمّ بأبناء شعبنا الفلسطيني منذ عام 1967 حتى اليوم وسجلت بذلك بقلمك إذا كان في القصص القصيرة أو في الروايات... والقارئ لأعمالك الإبداعية تلاحقه بعض الأسئلة التي يريد جوابك عليها..

          ضحكت ليانة بدر وقالت بمرح: إسأل ياخي وأنا على استعداد للجواب..

          قلت: تبدو المرأة في أعمال ليانة بدر في صورتين متناقضتين: الضعيفة المستسلمة الحزينة الراضية بما كُتب عليها، والمرأة القوية الرافضة لكلّ القيود المتمرّدة المُصادمة. كيف تفسّر ليانة بدر ذلك؟ وأي نموذج للمرأة سنلقاه في أعمالها القادمة؟

          قالت ليانة: نعم، ففي الصور المتعدّدة نجد ملامح وشكل المرأة الجديدة. تلك التي ولدت في العصر الحالي بتناقضاته وتنوّع مشكلاته. أنها لا تنتمي إلى الجدات اللواتي كانت حياتهن ترتسم بصورة قدرية. فعدد الأولاد تقرّره الطبيعة، وإمكانية العمل غير متوفّرة إلا داخل المنْزل، كما أنّ الحصول على المال والقدرة على المطالعة أو التثقف لا تسنح إلا للغنيات فيهن. المرأة الجديدة التي ينتمي لها الجيل الحالي من النساء امرأة تعاملت مع تكنولوجيا القرن العشرين، فصار بإمكانها التحكم في شروط حياتها إلى درجة ما. إنها امرأة تقرأ الصحف وتتابع الخبر الإذاعي والتلفزي، وهي عاملة خارج المنْزل، ومساهمة نشيطة في التكوين الروحي والثقافي لأولادها. هذه المرأة الجديدة التي خاضت غمار النضال الوطني على مستوى العالم بشكل عام، وعلى المستوى الفلسطيني بشكل خاص تعرف أيه قدرات فيّاضة تمتلكها. كما أنها تدرك حق الإدراك أهمية تواجدها وحضورها على المستوى الاجتماعي، النضالي والسياسي، إلاّ أنها وفي الوقت ذاته تعيش التخلف، والتحامل السابق الذي فرضته العادات والتقاليد على المرأة، لذا نجد المرأة ممزقة بين العمل والكسل، بين العطاء والأحجام، بين الاستمرار والتشبّث بالماضي، ذلك لأنها تجسد الجسر بين جيلين مختلفين من النساء، أنها امرأة المستقبل ومشاركة الرجل طموحاته الإنسانية وأمانيه في التحرر الوطني والشخصي، ولكنها في الوقت ذاته لا تتمتّع بما يفوق حرية نساء الجيل السابق كثيرا، إنها لا تتمتع إلاّ بإمكانية العطاء الدائم، فهي مناضلة وعاملة وربة بيت وموظّفة، لكن كلماتها ضائعة ومغيبة ولن يهتم بسماعها أحد كما يحدث في مجتمعات لا تعطي حقّ التعبير إلاّ للرجل في الأساس، لذا نجد أنّ المرأة تمشي من النقيض إلى النقيض فهي الحزينة، الباكية تستنفر في نفسها الرفض والتحدي، وهي القوية الواثقة التي لا يدوم عنفوانها طويلاً لأنّ معظم ما تواجهه يكسر عنفوانها، إنني أتكلم عن النساء الفلسطينيات اللواتي ساهمن في النضال والكفاح ثم عُدن وبجرة قلم إلى بيوتهن، وهنّ كثيرات في مجتمعنا الفلسطيني لكني لا أتناول نموذجاً في حالة ثبات، بل إنني أراقب، وأتابع هذا الصراع المرير الجاري بين الماضي والمستقبل، بين جواري سالف الأزمان وسيدات مستقبلهن وصانعات غد أوطانهن، كما أنني ككاتبة لا أكتفي بالمراقبة وحدها، بل أبث تعاطفي مع نماذج من هاته النساء، عائشة في عين المرآة، هناء، وخزنة في الرواية ذاتها، ولن يجد المرء يقيناً أو سكوناً بينهنّ أبداً، ولا حتى في بطلات بقية القصص أو الروايات التي كتبتها وآخرها نجوم أريحا.

          سألت ليانة بدر: أريحا، ذلك المكان الذي يستقر في كيان وعقل وقلب ليانة بدر.. كيف تتعامل ليانة بدر مع المكان وإلى أيّ مدى تتمايز الأماكن عندها؟

          قالت: للمكان قدسيّة خاصة لدى مَن تشرّدوا رغماً عنهم، فهو الدلالة والعلامة الفارقة، بل والسهم الذي يعين اتجاه العودة، قد تتخدّر الحواس لدى تكرار المشاهد ذاتها، وقد يتحوّل الفردوس عندها إلى مظهر يومي أو مكان عادي، أما حين لا يكف المرء التنقّل فإنّ التّأكيد على خصوصيّة مكانه الأوّل يظهر من خلال التعرّف على المكان الجديد، لقد ظلّ المكان الأصلي بالنسبة لي طويلاً، مثل ضوء منارة تبثّ إشارتها للسفن البعيدة، هكذا أحسّ كلما تذكرت القدس مسقط رأسي، والخليل بلد أهلي، وأريحا حيث عشت طفولتي وصباي إبنة للطبيب الذي افتتح العيادة الأولى في البلدة.

          أمّا على صعيد تعدّد الأمكنة وتمايزها فقد اغتنيت على صعيد الكتابة بسعة أفق وقدرة على الرؤيا كانت هي التعويض عن كدر البعاد، كما أنني عملت على شحذ أدواتي بكلّ ما أستطيعه، وبكلّ قواي كي أستطيع التغلب على مشكلة تشتت الشخصيات التي أكتب عنها، وتبعثرها في منافي عديدة، لذا عملت على شكل الكلمات المتقاطعة في رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" بحيث تابعت مصير الشخصيات الذين لا يعيشون في مكان واحد عبر عملية خطف طائرة سمحت بمتابعة سير القص وإعادة تركيب أدوار الشخصيات، كما أنني عملت في رواية "نجوم أريحا" على كسر الزمن مستوحية الزمن العربي القديم الذي أبرزته الكتب التراثية مثل "ألف ليلة وليلة" وكتاب "التيجان في ملوك حمير" و "مروج الذهب" وما إليه، يستثنى من هذا رواية "عين المرآة" التي استطعت فيها الكتابة حسب الزمن العادي وعلى الطريقة الكلاسيكية لأنّ الأبطال فيها يقيمون جميعاً في المكان ذاته وهو تل الزعتر، هناك فقط في "عين المرآة" أعطيت للأبطال راحتهم داخل تيار الوعي الذي يعبّر عن ذواتهم المتفردة داخل طاحونة الحصار الخانقة وغدر الحرب الأهلية المبيت.

          قلت لليانة: البيارة وحبّة البرتقال ظلّتا الرمز الفلسطيني للوطن المسلوب في معظم الأعمال الإبداعية الفلسطينية.. لكن البعض رفض هذا الرمز لأنّ البيارات كانت ملك الأغنياء الذين باعوا وهجروا بينما الناس الفقراء الذين دافعوا وحاربوا وتشرّدوا وقاتلوا هم أصحاب الحق في الحديث عنهم.. وفي أعمال ليانة بدر وخاصة في رواية "نجوم أريحا" الصادرة منذ مدّة قريبة لا تزال حبّة البرتقال هي الرّمز والبيارة هي الذاكرة.. ماذا تقول ليانة بدر في ذلك؟

          تراقصت بسمة تائهة على شفتيّ ليانة وقالت بعد صمت قصير:

          ليست المشكلة في المواضيع التي نتناولها أو الرّموز التي نشتغل عليها، فقد يحدث أنْ يرسم الفنانون جميعاً منذ بداية الفن الطبيعة لكننا لا نتذكر بعدها إلاّ فان جوخ أو سيزان على سبيل المثال، المفردات الأدبيّة مفتوحة للجميع إنّما المهم هو طريقة العمل عليها، أي جودة أدوات الصناعة وصدقها في الوقت ذاته.

          عندما أحكي عن بيارة أو عن حبّة برتقال حقيقية احتفظت بها لأكثر من شهر في الثلاجة لأنني أعرف أنّها من يافا أو أسدود حيث بيارة جدّي، ثمّ لا أقدر على تقشيرها أو تناولها لأنّني أعرف أنّ الكلمة الكاذبة التي تكتب فوقها عن أنّها من تصدير دولة لم تؤسّس إلاّ منذ بضعة عقود، وأُنشئت على حسابنا بقدرة الطغيان وافناء أهل المكان، هل يمكنني أن أتذوّق تلك الثمرة الحقيقيّة وهي تحمل الاسم الكاذب؟ أعتقد أنّ خصوصيّة الرمز المُحقق الإنفعال هي ما تجعل منه مادّة أدبية حقيقيّة بعيدة عن التكرار والإستسهال.

          وحتى نبتعد عن الحزن ومواطن الوجع قلت لليانة قاصداً الولوج إلى نفسيّتها المبدعة: ليانة بدر كاتبة القصة القصيرة الجميلة وكاتبة الرواية.. كيف تزاوج ليانة ما بينهما؟ وأينَ تجدُ نفسها أكثر؟

          شربت مِن كأس الماء التي أمامها وقالت:

          لقد خضَعَت كتابة القصة القصيرة عندي، أو الطويلة كما في "شرفة على الفاكهاني"، أو الرواية إلى نوع الموضوع أي إذا ما كانت تلك القصة تقوم على تقديم لمحة أو شريحة من حياة ما، أو أنّ اللمحة لا تكفي وعندها أكتب الرواية. كما أنّ هذا خاضع لظروفي الحياتية، فبعدَ أن صدرت "بوصلة من أجل عباد الشمس" في بيروت عام 79، شرعتُ في كتابة رواية تتحدّث عن الحياة في المنطقة الغربية من بيروت، وحين أنجزت جانباً لا بأسَ منه، قامت إسرائيل بغارتها الانتقاميّة الهائلة على منطقة الفاكهاني وتمّ قتل عشرات المدنيّين وهدم عشرات البنايات تماماً. تحوّلت المنطقة إلى ساحة دمار تُذكّر بهيروشيما فلم أستطع إكمال الرواية، وكتبتُ "شرفة على الفاكهاني". وبعدها حين انتقلت إلى بلدٍ عربيّ آخر ثم آخر، لم تتوافر الفرصة الكافية على الصعيد الحياتي والمعيشي لاستئناف تلك الرواية. لكنني، ومن موقع الكاتب أظلّ أشتغل على ما يمكنني إنجازه. لذا واصلت كتابة القصص، ولم أتخلّ عن مشروعِ تلك الرواية التي توقّفتْ يوم إبادة حي الفاكهاني، ورغم أنني أصدرت بعدها روايتين وعدّة مجموعات قصصيّة إلاّ أنّني ما زلت أتطلّع إلى إنجاز تلك الرواية. وربما يكون من سخرية الأقدار أنني واصلت العمل فيها بعد صدور رواية "عين المرآة" إلاّ أنّ قيام حرب الخليج أوقعني في أزمة الهوية والبحث عن موقعي كمواطنة على الخارطة الجديدة لذا، توقف عملي عليها من جديد لكي أكتب "نجوم أريحا".

          قلت لليانة إنّ الطريق الذي قطعته ما بين "بوصلة من أجل عباد الشمس" و "نجوم أريحا" يشكّل محطات عديدة في الإبداع.. بماذا تميّزت هذه المحطّات وإلى أيّ مدى تعتقدين أنّك ساهمت في تشكيل الرواية الفلسطينية والعربية الحديثة؟

          احتلّت الجديّة ملامح ليانة.. قلّبت بعض أوراق روايتها الأخيرة وقالت:

          إنّ كل حرف أكتبه يمثّل درجة جديدة من البحث والتطوّر. لذا أعمل دائماً على تقديم قفزة جديدة في كلّ ما أقدّمه. وأنا لا أنسى حكاية ليوناردو دافنشي الذي شاهده أحد أصدقائه وهو يركض في طريقه إلى مرسمه وكان قد بلغ الثمانين، فسأله عن مبرّر الركض، فأجابه دافنشي: أركض كي أتعلّم. إنّ كل كلمة تخطها لا بد أن تكون درجة لتعلم الأفضل. ولا يكتشف الإنسان إمكانياته حقاً إلاّ من خلال العمل الدؤوب والإصرار. إنّ تقاليد حياتي تخضع لهذه الأولوية: فأن أطلع، وأن أواصل التعلّم هو المعنى الوحيد لاستئناف الكتابة. إنّ مطالعتي للإنتاجات الأدبية وخاصة الروائية الحديثة والتي تصدر بكثافة هائلة في جميع بلدان العالم اليوم، كما أنّ عدم قطع حبل السرة الروحي مع التراث العربي الأصيل، وتكريس ساعات معيّنة للعمل يومياً هو ما يساعدني، ويشجعني على بذل مجهودات أكبر مع كلّ عمل جديد.

          وقلت لليانة محاولاً استخراج المزيد من الإعترافات حول تجربتها الإبداعية: في رواياتك لا نجد تلك التكنيكات الحديثة للرواية كما نشهدها في أيامنا هذه.. ماذا يعني ذلك، هل ترفضين هذه الأشكال الحديثة للرواية أم ماذا؟

          قالت بسرعة متابعة: لقد تكونت بين نساء المخيمات اللواتي عملت بينهن ومعهن في شتى الأعمال التطوعيّة، كما أنني إبنة عائلة وطنية اهتمّت بإدخالي إلى مدرسة حكومية عادية رغم إمكانية التشبه بمن عملوا على تعليم أولادهم في الأجنبية بحكم التطلّعات الطبقيّة، ذلك لأنّ أهلي كانوا يريدونني أن أعيشَ مع "الشعب" حسب قولهم. كما أنّ القدرة الفكرية المميّزة التي تمتّع والداي بها جعلتني أكتسب ثقة فطرية فيما أرغب فيه وفيما يجب عمله. إنني إنسانة صعبة الإنبهار بأشياء كثيرة لها البريق واللمعان وقدرة الإدهاش، لذا لا أعتقد أنّ هذا التكوين سوف يزايلني عندما أعمل. إنني أتوخى منتهى البساطة التي تحمل منتهى العُمق، والأعمال الأصيلة تحمل هذه الميّزة في رأيي. لكنني والحق يقال أتعب كثيراً للتوصل إلى هذا الوضوح. ففي مجموعة "شرفة على الفاكهاني" عملت على إحضار لغة النساء العادية اليومية إلى النص. كما أنني احتجزت لغتي ككاتبة كي أفسح لهنّ المجال في إطلاق أبعاد شخصياتهن ومدى جمالها. أذكر أنّ أديباً كبيراً كان يزورنا يوماً، وحضرت يسرى بطلة قصة "أرض من حجر وزعتر" في مجموعة "شرفة على الفاكهاني" لزيارتي، ولم يستطع أن يدرك أنها تلك الشخصية التي أعرب لي عن إعجابه الهائل بها. إنّ يسرى امرأة عادية تماماً لن يدرك جمالها إلاّ النص نفسه لأنّه أفسح مجالاً لإظهار حيويّتها وقوّة روحها رغم صعوبة وضعها. إنّ الدراسة المتمهّلة لشخصيّة ما، أو لطائفة من الناس قريبين منها هي ما تُتيح للشخصيات أت تُبنى. في الكثير من النصوص التي يطالها المرء يكتشف أنّ الكاتب يبدأ في إشادة شخصية معيّنة بطريقة متميّزة، ثم ينساها وينطلق في وضع نفسه مكانها. إنّ استبداد الكاتب ومزاحمته شخصياته على النص يُطيح لأيّة إمكانية لتطويرها أو إظهارها. لذا لا أعتقد أنّني انجرفتُ يوماً وراء نداءات خاصة للكتابة بطريقة "على الوصفة".

أحاول أن أجدَ المعادل الأدبي للزمن والشخصيات وللمكان ومن ثم أشتغل على بنية تلقائية متفرعة من ضرورات المكان والزمان مع نوع الشخصيات وإمكانياتها. في رواية "عين المرآة" أصغيت لأكثر من عامين للطريقة التي تتحدّث بها النساء في تل الزعتر، وبحثت عن اختلافها بين الفتيات وبين النساء كبيرات السن. كما قمت بإجراء مقابلات طويلة مع مُقاتلين ومع أساتذة عملوا مع الميليشيا، كما حكيت مع الطلاب والقيادات كي أكشف الفروق الدقيقة في اللهجة وفي طبيعة استخدام المفردات، وقمت بالبحث الميداني الذي ضمّ معطيات اجتماعية وسكانية مع التدقيق في كلّ شاردة وواردة عند الجماعات الذين كنتُ أنوي الكتابة عنهم ممّا استغرق منّي سنتين على الأقل، فضلاً عن المعايشة الميدانيّة معهم قبل دمار التل، وبعد سقوطه.

          كما أنّ العودة إلى اليوميات العسكرية والسياسية لذلك الحصار تطلب مني الجهد الطويل، في "نجوم أريحا" قمت بأبحاث تاريخيّة مطوّلة حول المناطق التي كتبتُ عنها، كما عاودتُ التّنقيب عن مفهوم الزمن في الذاكرة العربية التراثية كي أستطيع تحديد المسار، إنّ هذه المعايشة للرواية والتي كانت تجعلني أفكّر حتى في نوعيّة اللباس وطريقة انتقاء الزي للفئات الشرائح المعيّنة التي أعمل عليها، بالإضافة إلى حضوري الأعراس، وتسجيل قائمة بالأمثال الشخصية الخاصة بأهل المنطقة سواء تل الزعتر أو القدس أو أريحا، كلّ هذه المهمّات لا تترك لي الوقت في الحقيقة للتفكير بالفذلكة أو الحذلقة الشكلية، إنّما قد أعمل على نصٍّ حديث وحداثي لأنني أحاول تجاوز المألوف والسائد وما اعتاد الناس عليه من امكانيات فقيرة للنصوص الأدبية.

          وحتى أعيد للّقاء جوّه الأوّل وأعيد لليانة تألّقها وعفويّتها وعذوبتها قلت لها:

نشهد هذه الأيام الإستعدادات للعودة إلى الوطن بعد الرّحيل الطويل.. والمنافي المُتباعدة.. وهاجس العودة كان الحلم الأبدي عند ليانة بدر ككلّ فردٍ من أبناء شعبنا الفلسطيني. وفي رواية "نجوم أريحا" يتجسّد هاجس العودة بروعة في المشهد الذي تتحدّثين فيه عن سفينة العودة التي لم تُقلع.. ماذا تقولين اليوم والعودة أصبحت واقعاً ملموساً ولو كان إلى أريحا وغزّة أوّلاً؟

          وتاهت نظراتها إلى البعيد في اللاشيء.. وشدّت بأناملها على الكأس.. وعادت لتقول:

لا أعرف أبداً لا أعرف إذ أنّ الإنسان لا يستطيع الحكم على ما لم يستطع ممارسته، العودة؟

هذا بديهي، ولكنّي أحبّ أن يتم هذا ليس على الصعيد البيولوجي فحسب فليس المهم أن نجد مستقراً نلقي فوقه أجسادَنا كي نقول إننا عدنا، إنّ معنى العودة بالنسبة لي هو البناء، أن نبنيَ أنفسنا في شتى الميادين، أن نحقّقَ المجتمع المدني الذي يُقدّر حرية الفرد وكرامته ويعمل على تـنوير المجتمع وإتاحة الثقافة لجميع أفراده خاصة الأطفال والنساء تلك الطوائف المُهملة غالباً، أن نعتني بالأرض وأن لا نصيبها بالتصحر والتبدد، أن نعملَ على إنشاء مجتمع حقيقي يستجيب لرغبات مواطنيه في التقدّم والتطوّر، أن لا نكف عن العمل، ربما كانت تلك هي صورة العودة التي أطمح إليها.

         

          وودّعنا ليانة.. ونحن نؤكّد لها أننا سنلتقي معها في المرّة القادمة في الوطن في أريحا.. وأنّ ذلك اللقاء ليس ببعيد..

 

          تم اللقاء خلال زيارة نبيه القاسم لتونس في آذار عام 1994

 نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi