لطفي مشعور .. وداعاً

د. نـبـيـه القــاسم

 

 كم سريعة هي الأيام والشهور والسنوات

كأنما هو الأمس القريب المتواري خلف عشرات السنين.

سريعا هاجمك الدّاء، وسريعا رحلتَ عن دنيانا..

لم أصدّق نبأ رحيلك، كما لم أصدّق عينيَّ وأنا أرى الشبابَ يرفعون بك خارجَ السيارة التي تقلّ جثمانك ليُوَسّدوك  أكتافهم أمام بيت أهلك ، بيتك في الرامة، ويسيرون بك نحو الكنيسة التي حضنتك طفلا صغيرا وها هي تودّعك في يومك الأخير بالصلوات والتراتيل الدينية وابتهالات المُشيّعين.

كم هي سريعة هذه الأيام والشهور والسنوات يا لطفي.. كأنّها الأمس القريب..

يأتيني صوتك من البعيد وأنت تُسمعنا كلماتك التي كتبتها في باكورة إنتاجك: "أحبّ أن أقفَ على ضفّة غدير صافي المياه. لأنني عندما أقف على الضفّة أرى السماء تحتي وأنا أعلى منها بقدر ما هي أعلى مني في الواقع. أنا أعرف أنّ هذا مجرّد سراب. لكنّ المهم أنني أشعر بوجودي فوق السماء" (لكم أنتم الجنة ص 7)

مجموعة من الشباب الصغار كنّا نتحلّق حول المذياع لسَماع آخر الأنباء، أو لنتبادل الكلام حول آخر كتاب قرأه واحدنا ، أو لسماع قصيدة أو قصة أو مقالة أو خاطرة كتبها بعضنا.

كنّا مجموعة قليلة العدد تحلم بتغيير العالم : المرحوم عاصم الخطيب الذي كان يُردّد بصوته العالي الواضح " لا شعار يعلو فوق شعار الثورة والجنس، ولن يتحقق التغيير بغير تحقق الثورة. والمرحوم نبيل الخطيب الذي يُتابعنا بعينيه وبسمته الهادئة ساخرا حينا ومُحرّكا ريشته أخرى ليرسم لوحة أو يرفع حجرا ليبني تمثالا يؤكد أنه الأكثر خلودا من أيّ مخلوق على وجه الكرة الأرضية. وأسمعكم كلمات  أدّعيها شعرا أو قصة أو مقالة. وأنتَ بشَقوَنتك الغالبة تُؤكدُ أنّ لا قيمة للواحد إلاّ إذا كان سيّدَ نفسه ومَلكَ زمامَ أمره وساوى الخالقَ في قُدرته. ونضحكُ ونتابعُ أحلامَنا الوردية ونجد ملاذنا ونُفرغ همومَنا المسكوبة حبرا على ورق على مسامع أستاذنا المرحوم الشاعر شكيب جهشان أو عزيزنا الشاعر سميح القاسم فيُطَيّبان خاطرَنا وينصحان ويُوجّهان فنهزّ رؤوسَنا شَكّا أو مُوافقة أو اقتناعا .. ووحدَك يا لطفي كنتَ الرافضَ أبدا المُردّدَ دائما: ليس هذا الذي أبحثُ عنه وأسعى إليه. وإذ كنّا نحلمُ بالجنة التي ستتحققُ على الأرض يومَ انتصار الاشتراكية وسيادة الشيوعيّة وتحقيق الوحدة العربية كنتَ تضحكُ عاليا وتُرَدّدُ على مسامعنا: لكم أنتم هذه الجنة ، أما أنا فحَسبي المُواجهة والكفاح.

حلمك كان كبيرا ولكنه كان في رأيك بسيطا وقريبَ التحقيق لو تَعاونّا وعملنا على إصدار صحيفة حرّة مستقلّة حتى لا نظلّ تحت رحمة أصحاب الصحف ورؤساء التحرير المُتعالين، وأذكر يوم سافرنا معا أنتَ وعاصم الخطيب وأنا إلى حيفا لنوصل ما كتبناه إلى جريدة "الاتحاد" لتنشره، وكيف تراجعت أنت عن مُرافقتنا لمكتب الجريدة لعَدم اقتناعك بموافقة المحرر على النشر وانتظرتنا لنعود. وعُدنا وقد تحقّقَ ما توقعتَ فقد رفض المرحوم إميل توما نشر كلمتي "رمضان لنا أيضا" حول حرمان الطائفة الدرزية من عيد الفطر إمعانا في تطبيق سياستها لفصل الدروز عن باقي الجماهير العربية، وكذلك رفض نشر مقالة عاصم الخطيب التي يُهاجمُ فيها تقاعسَ الرئاسة الروحية والقيادات الدينية والسياسية في مُواجهة السياسات الحكومية. وحتى لا نسمحَ لك المتابعةَ في السخرية منّا أرسلنا بالمادتين إلى جريدة المرصاد التي كان يصدرها حزب المبام، وبالفعل نُشرتا في نفس الأسبوع.

كان عاصم الخطيب يحلم بالثورة والنضال ويُعلنها صريحة : لا مهادنة. ومواقفه المبدئية هذه جعلته الشخصية الديناميكية التي اخترناها بالإجماع ليكون السكرتير للجنة المبادرة الدرزية يوم تأسيسها. وكنتَ أنتَ المُصرّ على تحقيق أمنيتك بامتهان الصحافة وإصدار صحيفة أنتَ صاحبها ومحرّرها واخترتَ لها اسما مثيرا "الصنارة" ولمّا سألناك:  ولماذا  الصنارة ؟ كنت تجيب دون تردد: لتكون كصنارة الصياد التي يُلقيها في البحر فتُخرج إليه كلّ ما خَفي من كنوز البحر وقاذوراته. كنت تُريدها أن تكون كصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية باستقلاليتها وجرأتها وفنيّتها.

وكان لك ما أملتَ وأتيتَنا يوما من المدينة البعيدة تل - أبيب تحمل مجلة زاهية اللون جميلة باسم "الصنارة". وكانت فرحتك الكبرى ، والتجربة اليقينيّة التي زادتك إصرارا وزادتنا ثقة بإمكانيتك في تحقيق مُبتغاك.

 وكان وأبعدَت بيننا طرقاتُ الحياة . أنتَ سافرتَ إلى المدينة البعيدة تدرس الصحافةَ، وعاصم أخذته السياسة والعملُ في لجنة المبادرة الدرزية، ونبيل الخطيب يُتابع أحلامَه ويعيشُ روتينيةَ عمله مُدرسا للصغار، وأنا أتابع دراستي الجامعية إلى جانب عملي مُدرسا في ثانوية الرامة، وأواصل طريقي في مجال الأدب وأنخرط في الهموم السياسية والاجتماعية. أبعدتنا الأيامُ وانشغالاتُ الحياة واختياراتها. وتحدّدت مواقفُنا، وكثيرا ما كنا نجدُ أنفسَنا على طرَفَيّ نقيض. ولكننا كنا في لقاءاتنا في المناسبات المختلفة نسترجعُ الماضي ونترحمُ على أيام زمان، وإذا ما تطرّق الحديثُ إلى ما نحن عليه الآن كانت كلماتك تحسمُ الجدلَ بيننا : لكم أنتم الجنة، ونفترقُ بالودّ والبَسمة وكلمات إلى اللقاء.

وصدرت : "صنارتك" حلمك الطويل وأمنيتك الكبيرة، وأحدثت هزّة في واقعنا العربي الإعلامي هنا في البلاد، فقد تعودّت الجماهيرُ العربية على ثلاثة مَنابرَ إعلامية متناحرة : صحف الحزب الشيوعي"الاتحاد، الغد، الجديد، الدرب".  صحف حزب المبام "المرصاد، الفجر". وصحف الهستدروت المبائية الحاكمة "اليوم، حقيقة الأمر، صدى التربية، الهدف، الأنباء. وبعض النشرات الموسمية". كانت الصنارة صوتا مُتميّزا مُثيرا مُقاتلا مُواجها جريئا. ومع الأيام تجذّرت وترسّخت وأصبحت المنَبر الإعلامي العربي المحلي الأكثر إثارة وإشكالية.

      لم تعد وحدَك في الساحة الإعلاميّة المحليّة، ولم تعد "الصنارة" الصوتَ المُغايرَ الوحيدَ في مُواجهة المنابر الإعلامية الأخرى. لقد كثرت المنابرُ وتعددت الصحفُ وتجاوزَ عددُها العشرات. ولكنك بقيتَ المُميّزَ في مُواجهاتك ومُشاكساتك وعنادك وقوّة صبرك وتحمّلك، وبقيت "الصنارة" المميّزةَ بالتزامها بما جاءت من أجله بأن لا تتستّر على مخفي، مهما جلب لها هذا الكشف من غضب ونقمة واستعدى عليها الناس.

وها أنتَ ترحل عن دنيانا يا لطفي وكلماتُك الواضحةُ  الحادّةُ تتردّد في مسامعي:" عندما يتوفى إنسان لا يتخلّصُ الناسُ منه. بل هو الذي يتخلّصُ من الناس ومن عالمهم" (لكم أنتم الجنة ص18)  

هل حقّا تخلصتَ منَ الناس برحيلك عنهم!؟

وهل وجودُك بينهم تَمحوَرَ في وجودك الجسَدي الماديّ!؟

وكيف يكونُ ذلك وأنتَ القائل :

"إنّ آرائي هي ذاتي ..

ما أكثرَ القضاة الذين يضعونها في قفص الاتّهام..

ما أكثرَ الذين يصلبونها..

وما أكثر الذين يُقدّسونها.. ولكن ..

ألا تَرَوْنَ معي..

أنني أجدرُ القضاة جميعا..

بأن أجلس على منصّة المحكّمين؟!" (لكم أنتم الجنّة ص 79).

"الإنسان ثقافة وآراء ومذاهب"(لكم أنتم الجنة ص11)

هكذا آمنتَ وصرّحتَ ودعَوْتَ الشبابَ إلى الطموح ومُطاولة ما وراء الفلك، وأنّ الموتَ وحده الذي يمكنُه أن يحولَ دون طموح الانسان وسَعيه، وعليه فالموتُ هو الذي يستحقّ كرهنا مع أنّه الذي يزيدنا قيمة عن التي كانت لنا في الحياة.

أتراك يا لطفي كنتَ ترى بعينك الثاقبة عبرَ الفلك ما ينتظرُكَ في البعيد عندما قلتَ كلماتك التي رَصَدت توجسك اللاواعي: "إنّ المُصابَ بداء السرطان لا بُدّ أنْ يكرَهَ الطبيبَ الذي يكشفُ له الدّاء" (لكم أنتم الجنة ص 51)

إنّها الحياة يا لطفي..

الحياة التي حلمنا، ونحن في أوّل شبابنا خلالَ سهراتنا الليلية وتنقلاتنا بين أزقّة الرامة، أن نُبلورَها كما نُريدها نحنُ،  مُحرّفين  قولَ شاعرنا أبي الطيّب المتنبي عن سابق إصرار: ما شئنا لا ما شاءت الأقدارُ. مؤمنين بقدرتنا على تحقيق المعجزات، مُتَحَدّين خوفَ أهلنا علينا وقلقهم من تهوّرنا، وتوبيخم لنا.

إنّها الحياة التي لا ترحم ولا تقبل التّحدي يا لطفي..

فقد رحل عزيزنا عاصم الخطيب إثر حادث طرق وهو يُطاول نجوم السماء ويحلم كما كان بتحقيق الثورة. ورحل نبيل الخطيب بعد أن أنهكه داء السرطان بهدوء ورضى وبَسمة جارحة تماما كما عاش حياته حالما مع ريشته وحجارته . وها أنتَ ترحلُ الآن.

فأيّة حياة هذه التي اعتقدنا أننا أقوى منها!!

ذهب الذين...      

وتظل كلماتك تتردّد في مسامعي: "أحبّ أن أقفَ على ضفة غدير صافي المياه. لانني عندما أقف على الضفّة أرى السماء تحتي وأنا أعلى منها بقدر ما هي أعلى مني في الواقع".

وأنظر إلى السماء ، وأنظرُ إلى الغدير صافي المياه فأرى قعرَه العميقَ فأفزع..وأرفع نظري لأراكَ محمولا على أكتاف الشباب تَعبُر الشارعَ الطويل الذي طالما عبرتَه في حياتك.

أحاول أن أنطق بكلمة ..

فتخرسني الرؤوس المنكسة، وأتابع خطواتي على وقع الأقدام المتزاحمة.

وأنظر إليك فوق أكتاف الشباب ..

أحقا هذا أنتَ ؟!

وتبتعد .. وتبعد أكثر ..

وأعود وحدي ..

فقد ذهبَ الذين..

إنّها الحياة يا لطفي..

إنّها الحياة يا عزيزي ..

إنّها الحياة..

فالوداع .. وليرحمك الربّ.  

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi