نجيب محفوظ: لا أقول وداعاً. مكانك في القلوب

 د. نـبـيـه القــاسم

 

نجيب محفوظ كان واحداً من الأحلام الكبيرة التي رافقتني سنوات وسنوات.

منذ أتقنت القراءة وتعرّفتُ على الكتاب كانت رواياته رفيقتي،

 وغدا الحلم الذي يراودني وأتمنى لو أحققه بلقائي به.

وكلما سمعت اسم مصر كان نجيب محفوظ ينتصب هرَماً كبيراً مردداً : هِيَ دي مصر.

فتتناسل وتتوالد مئات وآلاف الشخصيات التي تنتشر وتتوزع على كل أحياء وحواري القاهرة،

 فتدبّ الحركة وتنبض الحياة.

روايات نجيب محفوظ وقصصه القصيرة كانت التي نقلت القاهرة بأحيائها وسكانها إلى بيت كل قارئ فيتوحّد معهم ويصبح مصرياً متعصباً، وتغدو مصر أمّه التي لا يخذلها.

كنت أتنقل بين شخصيات روايات نجيب محفوظ وأرافقها في أحياء وحواري القاهرة، وأتحرّى عن سرّ هذا الشعب الذي أنجب العظماء منذ فجر التاريخ .

ونجيب محفوظ أحد هؤلاء العظماء.

وإذا زرتُ مصر سيكون من الأوائل الذين أتذكرهم  بعد جمال عبد الناصر.

فنجيب محفوظ الذي تعشّق شذا الحرية، وتماهى مع هتافات جماهير الشعب الثائرة وراء قائدها سعد زغلول عام 1919 وهو لم يتعد الثامنة من عمره، هو نفسه الذي سحرته تلك الكلمات الغامضة وشدته تلك الورقة المفقودة من كتاب، "مصر القديمة" لجيمس بيكي حيث يعترف قائلا: إنّه خلال ترجمته للكتاب وصل إلى حكاية عن قارئ الغيب الذي تنبّأ لخوفو بشيء. ثم لم تكتمل الحكاية نظرا لفقدان ورقة البردى التي كتبت عليها، فتخيّل تكملة لها وكانت روايته التاريخيّة الأولى "عبث الأقدار" (يوسف نوفل، القصة والرواية ص 128).

لم تكن اختياراته الأولى في دراسته الجامعية للفلسفة ومقالاته العديدة التي كتبها ونشرها، ومثلها لم تكن اهتماماته بالموسيقى وعشقه لها إلاّ الدافع الخفي نحو التأمل في هذا العالم والمراقَبة للناس ومُتابعة تفصيلات حياتهم اليومية للوصول إلى عالم الإبداع والخَلق الذي تمثّل بالروايات والقصص القصيرة التي كتبها.  

عِشْقُهُ لمصر وحبّه لشعبه وتماهيه مع سعد زغلول وثورة عام 1919 جعله يهتم بتاريخ بلاده ويقوم بترجمة كتاب "مصر القديمة" لجيمس بيكي ومن ثم يُقرّر أن ينحو نحو الكاتب الانكليزي وولتر سكوت "هيّأتُ نفسي لكتابة تاريخ مصر كلّه في شكل روائي على نحو ما صنعه وولتر سكوت في تاريخ بلاده وأعددتُ بالفعل أربعين موضوعا لروايات تاريخية رجوتُ أن يمتدّ بي العمر حتى أتمّها."(فاطمة موسى، في الرواية العربية المعاصرة، ص 34)

وامتدّ العمر بنجيب محفوظ ولكن الحياة التي عاشها الشعب المصري في الأربعينات من القرن العشرين وما بعدها كانت الأقوى، مما دفع به، بعد أن كتب ثلاث روايات تاريخية هي: عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة، إلى التوجّه نحو الناس الذين يعيش وسطهم ليكون كاهنهم ولسان حالهم والمعبّر عن حلمهم، فكانت رواياته الواقعية التي رسّخت للفن الروائي في الأدب العربي وتوّجت نجيب محفوظ على عرش الرواية العربية.

ورغم كل ما قيل ويقال عن صمت نجيب محفوظ لسنوات بعد قيام الثورة المصرية في 23 تموز 1952 فإنني أراها الأغنى في مسيرته الكتابية والإبداعية لأنها أنتجت لنا رائعته ثلاثية "بين القصرين وقصر الشوق والسكرية"، حيث أنها كانت ثمرة هذه السنوات التي لم يُصدر فيها أي عمل إبداعي، لانشغاله كما أعتقد- في كتابة هذه الرائعة التي ارتبط اسمه بها. كما كانت الخاتمة لمرحلة الواقعية التي كانت الثلاثية قمّتها في إبداعه والمبشرة ببداية مرحلة جديدة ورؤية مغايرة للواقع والفن الروائي التي تمثّلت في روايات اللص والكلاب والطريق والشحاذ وأولاد حارتنا وثرثرة فوق النيل. هذه الروايات التي بشّرت بقفزة كبيرة في أدب نجيب محفوظ ورؤيته للواقع المعيش، وكانت نهايتها الصدمة بالهزيمة العسكرية الكبيرة في حزيران عام 1967 التي أخرجت نجيب محفوظ، كغيره من المبدعين، عن طريقه الروائي ليكتب أدب اللامعقول المصور للواقع اللامعقول الذي أفرزته هزيمة حزيران 1967،  مجموعات " تحت المظلة، حكاية بلا بداية ولا نهاية ، شهر العسل" وغيرها.

كانت السنوات التي تلت موت الرئيس جمال عبد المناصر هي الأصعب على نجيب محفوظ بسبب المواقف المنتقدة بحدة التي اتخذها من فترة حكم عبد الناصر ، والتي تفجّرت مع صدور رواية "الكرنك" وبلغت ذروتها في " أمام العرش" وتأييده لمواقف السادات المختلفة، فقد وُجّهَت له التهم المختلفة وتجنّبه الكثير من الكتّاب وتجاهله النقاد وحاول الكثيرون النيل منه والتعريض به حتى عندما منح جائزة نوبل للآداب عام 1988.

لكن نجيب محفوظ الكبير ظل في عطائه رغم أنه أصبح موضع خلاف، وظل وجوده هو الفارض نفسه على المسرح الأدبي العربي طوال النصف الثاني من القرن العشرين.

وكان من الطبيعي أن أسعى لتحقيق الحلم بلقائه الذي كان لي في بداية عام 1989 حيث التقيته برفقة الكاتب حسين الحبروك في مقهى علي بابا في ميدان التحرير في القاهرة. الساعة كانت السابعة صباحا يجالس بعض الصحفيين من الشرق الأقصى ، الصين وفيتنام، وبعد أن خرجوا تفرّغ لنا ليرحب ويسأل ويستمع. كان ثقل السنوات قد بدا عليه، فحتى يسمعك يجب أن ترفع صوتك، تشعر أحيانا أنه ليس معك، ينظر إلى مكان ما ويعيش بعيدا عنك، فيفاجئك: آه أنا سامعك، فتفرح وتسأله لتسمع صوته ورأيه.

وكان الحدث الأصعب في حياة نجيب محفوظ يوم الجمعة الخامس عشر من تشرين الأوّل عام 1994 عندما تعرّض له شاب غضّ لم يقرأ كلمة مما كتب نجيب محفوظ ولم يكن يعرفه ، هذا الشاب طعن نجيب محفوظ في أسفل عنقه وفرّ هاربا إلى أن ألقي القبض عليه، ورغم جريمته النكراء إلاّ أنه قال جوابا على سؤال له :"إنه غير نادم ، وأنه لو سنحت له الفرصة فسيقوم بذلك ثانية. وقال: إنّه لم يقرأ لنجيب محفوظ حرفا، لكن أميره أصدر فتوى بتكفير محفوظ، وهو نفذ ذلك". (جمال الغيطاني- القدس العربي 2.9.2006)

وعانى نجيب محفوظ سنوات بسبب الإعتداء عليه ، ووهن جسده، وخفّ بصرُه، وثقل سمعه، وقلّت حركته، وتقلّصت مشاويره، وتحدّد المقربون منه. ولكنه عاد ليزاول الإبداع ويكتب، وأصدر العديد من الأعمال حتى كانت الأشهر الأخيرة  فعافت الروح جسدّها الواهن وتمرّدت عليه وفارقته متسللة لتترك الملايين من أقرب الناس إليه حتى آخر مَن قرأ له في مواجهة صدمة الفراق المتوقّع، لا ليقولوا: لماذا وكيف؟ وإنما ليمسحوا الدموع ويترحّموا ويعودوا ليُعايشوه من جديد وسط العشرات والمئات من الناس. فنصمت إذا التقينا بأحمد عبد الجواد، ونشفق إذا لمحنا أمينة متلفعة، ونهرب مع كمال، ونركض لاهثين لنلحق بحميدة، ونترحّم على نفيسة، ونرثي لحال محتشمي زايد وعلوان ونؤكد احترامنا لرندة، وننحاز لسعيد مهران ونشتم رؤوف علوان ونعطف على نور ، ونرثي لحال رباب ونتعاطف مع زهرة.

وتشدنا كل الشخصيات التي نصادفها ونحتار مَن نُكَلّم ومَن لا؟

وتأخذنا الساعات تلو الساعات

ويُطلّ وجهُك الهادئ ، وتُجلجل ضحكتُك العالية الرقيقة.

وينبهنا كلّ من جمال الغيطاني ويوسف القعيد:

لا تزعجوه نرجوكم.

فنصمت، لكن العشرات والمئات تخرج من بين الأوراق، وتتفلّت من حبرها لتحيط بخالقها ومبدعها، تحمل الشموع المضيئة، تُردّد مُغنية على صوت عَزف واضح: عيد سعيد لك يا أبانا، عيد سعيد إنتَ باقي معانا.

ونسير خلف الجنازة غير مصدقين أنّ الذي ترفعه الأكفّ، ويحيط به العسكر، وتنقله المركبة هو نجيب محفوظ.

ونتساءل : أين المئات والآلاف من أحياء وحواري القاهرة؟

 أين أهالي بين القصرين وقصر الشوق والسكرية وزقاق المدق وخان الخليلي وحيّ الحسين؟

أين الأصحاب والسمّار والحرافيش ؟!

لا تسأل أنتَ. فقد يسمعك العسكر!

يكفيك الذين يرافقونك بأفئدتهم وأرواحهم ونظراتهم

أمّا الذين يحميهم العسكر فيذهبون ولا يعودون.

وأنت وحدك الباقي في كل زمان ومكان

أنت الباقي في القلوب التي ترافقك أينما كنت وكيفما أصبحت.

   

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi