ماركيز وغانياته الحزينات

 د. نـبـيـه القــاسم

          أجمل ما في الكتابة الإبداعية أنّها تُعرّي صاحبها وتتغلغل في ثنايا نفسيّته وأفكاره، وتَعرضه على القارئ بجرأة وسطوة، تجعل هذا القارئ يُسحَر ويَدهَش ويتمنّى ويحلم ولكنه يظلّ لا يتعدّى ذلك. كلّ إنسان يتمنّى في ساعات من عمره لو بإمكانه أن يقف على مُرتفع ليروي لكل الناس عمّا يحلم وبماذا يُفكّر، ليعترف أمامهم بكل خطاياه، يكشف لهم أسرارَه الخاصة ويشركهم في همومه التي تعذبه. لكن هذه هي منحة الخالق التي خصّ بها المُبدعين وحدَهم وحرمَ الآخرين منها، فكان المبدعون مرافقي الزمن، خالدين بخلوده، بينما يضمحل الآخرون ويغدون كما لو أنّهم لم يكونوا.

          ويظل الزمن رفيق المبدع اللدود، يُطارده في كلّ تحرّكاته ويذكره بأنّه له بالمرصاد. وهذا ما دفع هنري جيمس ليقول: "أرصدوا ما حولكم في شكل متواصل، أرصدوا قدوم العمر.. وأنا نفسي أرصد انهياري الخاص. بهذه الطريقة كل شيء يمكن أن يكون مفيداً.. أو هذا ما آمله على الأقل. لذا أحاول أن ألتقط من الزمن أفضل ما يُعطيه". وقد تكون هذه المُلازَمةُ القاتلة للزمن هي التي دفعت بفرجينيا وولف (1882-1941) إلى اقتناعها بعَدَميّة جدوى الحياة "أجل.. إنّ هذا ما أفكّر فيه، إننا نعيش من دون مستقبل. وهذه هي غرابة الأمر، إذ نبدو كمَن يطرق أنفه على باب موصد" وتُقرر الانتحار برَمي نفسها في الماء، وتفارق الحياة قانعة راضية بما اختارت.

          لكن معظم الناس يتشاغلون عن الزمن، يتهرّبون منه ويحاولون نسيانه، وفي بعض الحالات تَحدّيه. وهذا ما نجده من الصفحات الأولى في آخر رواية للكاتب الكولومبي غابرئيل غارسيا ماركيز الأخيرة "ذاكرة غانياتي الحزينات"* عندما ذهب بطل الرواية، وهو كاتب معروف، له زاوية أسبوعية في صحيفة مهمة، إلى الطبيب وقد تجاوز الأربعين من عمره يشكو ألماً في ظهره فقال له الطبيب: "هذا الألم طبيعي لعمرك". فأجابه البطل بسرعة: "إنّ غير الطبيعي هو عمري". ويصف ماركيز، على لسان بطل روايته، علاقته مع الزمن، كيف أنّه لم يُعر الزمن أيّ اهتمام وهو في الأربعين. لكنه في العقد الخامس من عمره بدأ يتحسّس الشيخوخة بالثغرات التي كانت تتكشّف له في ذاكرته وحالات النسيان الكثيرة التي عانى منها، مثل أن يبحث عن شيء وهو يحمله بيده، او أن يُعيد رواية حادثة أكثر من مرّة أو عدم تذكّر اسم شخص صديق وقريب له، ويتعذّب لأنّه اكتشف أنّ كل العالم أصغر منه. وفي العقد السادس شعر أنه لم يعد يملك السنوات الكافية ليفعل ما يشاء، وارتعب في العقد السابع لأنّه أحسّ بأنها سنوات عمره الأخيرة.

          لكنه ظلّ يؤمن "بأنّ عمر الإنسان تُحدّده مشاعر الإنسان نفسه"، وهذا ما قاده إلى تحدّي عنفوان الزمن بأن يحتفل بعيد ميلاده التسعين بصحبة فتاة عذراء صغيرة السن. وبالفعل تُوفّر له صاحبةُ بيت غانيات يعرفها طلبَه هذا، ويلتقي بالصغيرة ابنة الرابعة عشرة بالمواصفات التي حدّدها، مُستلقية على السرير بكامل عُريها، مُتقرفصة، مُستغرقة في نوم عميق، فسّرته صاحبة البيت نتيحة الارهاق الشديد بعد يوم عمل مُضن لها في مصنع وبعد تجهيز حاجيات أفراد أسرتها الفقيرة، وتطلب منه أن يكون رحوماً ومتفهماً للصغيرة.

     ساعة كاملة يجلس يتأمل الصغيرة بكل سحرها الذي يشدّه إليها، وفي تمام الحادية عشرة، عندما يتهيأ لإيقاظها، يدخل الحمام ويتخلص من ملابسه، وبنظرة خاطفة في المرآة يرى أمامه وجهَ حصان مُتجهماً وعنقاً غليظة وحواجبَ منتفخة وشعراً قليلاً. فغضب على الوجه البارز له من المرآة وقال: "ماذا بإمكاني أن أفعل لك إذا كنت لا تُحبّني". ويهرب من أمام المرآة ليجلس عارياً إلى جانب الصغيرة محاولاً إيقاظها، ولكنه رغم محاولاته العديدة تظلّ مُستغرقة بالنوم أو متظاهرة، فيستسلم، ويطفئ الضوء وينام حتى يستيقظ مع شعاع الضوء الأول ناسياً أين هو، وإذ يرى الفتاة النائمة إلى جانبه يتذكر ويستعيد اللحظات السعيدة التي قضاها وهو يتأمل جسدَها متجرّداً من أيّ دوافع جنسيّة أو أيّ شعور بالخجل. ارتدى ملابسه، نظر إليها بكل الحب قائلاً: ليحرسك الرب. قبّلها على جبينها، ترك لها نقودا وخرج ليُواجه الشارع وحرارة الشمس وثقلَ التسعين سنة، وليُحصي عدد الليالي التي قد تكون من نصيبه في هذا العمر.

      وتتكرر لقاءات الكاتب بالفتاة التي أرادها في البداية ليشعر بأنّه حيّ وقادر على تحدّي الزمن، وفوجىء بما لم يتوقّعه أن داهمه الحبّ وهو في التسعين، فالحبّ متحرّر من منطق العمر، وقد تخترق سهامه كلّ قلب. ولسوء أو حسن حظّه كان دائماً يجدها نائمة ولا يوقظها. ويزداد هياماً بها وتعلّقاً، فيُحضر لها الهدايا ويُزيّن لها الغرفة، ويغني مُطلقا عليها اسماً أحبّه "ديلغادينا" رافضا معرفة اسمها الحقيقي، وفي ساعات نومه يحلم بها معه في بيته تُجالسه وتُسامره وتتدلّل عليه. يشتري لها دراجة حتى لا تتعب في وصولها إليه، ولا يبخل عليها بشيء حتى تغدو بالنسبة له ملكه الخاص غير مستعد للتنازل عنها مقابل كلّ موجودات الدنيا.

      وتكون المصيبة التي لم يتوقعها بمقتل أحد زبائن بيت الغانيات، وهو أحد رجال البنوك المهمين، وحضور الشرطه وهربه، ومن ثم فقدانه لديلغادينا التي انقطعت أخبارها منذ تلك الليلة، واقفال أبواب بيت الغانيات واختفاء صاحبته. فيقوم برحلة تفتيش واسعة عن فتاته تكشفُ مدى تعلّقه بها حتى غدَت آسرته وهو مُتيّمها ومجنونها. وإذ تعود إليه بعد انتظار طويل يكتشف أنها غير التي عرفها، فقد كبُرت وانتفخ ثدياها، وتبدو امرأة كاملة الأنوثة. فيشك بأنها خلال فترة غيابها كانت مع غيره، فيصرخ متألماً واصفا إيّاها بالزانية، ومتّهما صاحبة بيت الغانيات بالمقايضة بها مع رجل شرطة مقابل أن يتستّر على فضيحة تلك الليلة المشؤومة. ويقوم بتكسير كلّ ما في الغرفة، ويخرج شاتماً صاحبة المكان متوعداً، ويعود إلى بيته منهكاً محطماً يائساً.

          وحيداً في بيته يستعيد مغامراته في حياته الطويلة، أيام الطفولة والدراسة والشباب، تعرّفه على عالم الغانيات، علاقته الجنسية الغريبة مع الخادمة التي تعمل عنده، عمله في الصحافة، شهرته ككاتب معروف. وإحساسه بثقل السنين التي تزيد على التسعين، فزعه عندما قالوا له إنّّه تقرر قتل القط الذي يشاركه في البيت لأنه متقدم في السن ولا جدوى من بقائه أكثر. ثم يكون لقاؤه مع المرأة التي أحبته وعاشرته. لقد تغيّرنا. قالت له وتابعت: في كلّ مرّة أسمع أخبارك وما يقولون عنك من كلام جميل ووصفك بمعلم الحب وحبّ الناس لك وقراءتهم لما تكتب أقول لنفسي: لا أحد يعرفك أكثر مني! فحَزنَ ودمّعت عيناه وقال: ببساطة أنا أشيخ! فأجابته: لقد شخنا. وتابعت: نحن لا ندرك هذا ولا نستشعره في داخلنا ولكن كل العالم يراه من الخارج. وراح يعترف لها بكل خطاياه ويروي لها قصته من الهاتف الأول الذي طلب فيه قضاء ليلة مع صغيرة عذراء حتى ليلة المأساة الكبرى والفراق الصاخب الغاضب.

   كانت تُنصت إليه وتعيش كلّ أحداث القصة لحظة بلحظة حتى الكلمة الأخيرة ثم قالت له: إفعل ما تريد ولكن لا تفقد الفتاة الصغيرة. لا يوجد أصعب وأحقر من أن يموت الإنسان وهو وحيد. إذهب وابحث عن الفتاة واحتفظ بها مهما أخطأت في حقك.

          وتكون النهاية بعودته إلى فتاته ديلغادينا موصياً لها بكل ثروته بعد موته، مُؤثراً أن يعيش برفقتها باقي أيام حياته الأخيرة.

          جمالية وروعة قصة ماركيز ليس في الموضوع الذي طرحته: تَصابي عجوز في التسعين ورغبته في معاشرة عذراء في الرابعة عشرة من عمرها، فمثل هذه القصص مُكرّرة وتحدث في الحياة ولا غرابة فيها. وفي غنائنا الشعبي نُردد في مناسبات الفرح:

                   يا بنت أربع عشر شعرك جدّلي               ثوبي تمزّق خيّطيه بإبرك

          وكلنا يذكر غرائبيات الكاتب دان بن أموتس الذي كان لا يحلو له إلا معاشرة الصغيرات بنات الثالثة والرابعة عشرة، وأقام لنفسه حفلة تأبين دعا إليها مائة من أقرب أصدقائه ألقوا أمامه كلماتهم في رثائه. كذلك قصة "لوليتا" للكاتب الروسي فلاديمير نوبوكوف التي يروي فيها قصة حب عنيف بين رجل تجاوز الستين وفتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها.  وقصة "الجميلات النائمات" للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا التي قيل إنّ ماركيز كان مهووساً بكتابة قصة تشبهها.

          جمالية وروعة قصة ماركيز في مشاعر الصدق التي يستشعرها القارئ في كل شخصيات الرواية، وفي هذه الأحاسيس الانسانية التي تطغى على المُتيّم العجوز وهو يقف أمام جسد الصغيرة العاري، فيتجرّد من كل غرائزه الحيوانية ويتقرّى الصغيرة الملفوفة على نفسها، يُلاطفها، يُزيّن لها الغرفة، يضع لها نقودا مصروف يومها، يغنّي لها، يقرأ لها القصص، يعلّمها القراءة والكتابة بما يكتب لها من كلمات، لا يزعجها ولا يوقظها من نومها، يدعو الله أن يحرسها، يقبلها على جبينها. يُجَنّ إذ يفقدها، يبحث عنها في كلّ مكان متنازلاً عن سمعته وهيبته، يحلم بها في الليالي، وإذ يشك في مَسّ شرفها وعُذريّتها وطهارتها، يغضب عليها، ويشعر بإهانة كبيرة لشرفه، وكأنّها ابنته، فيشتم سيدتها، ويترك المكان غير مستعد للتفاهم. 

          ولكنه كأب عطوف رحيم يُحبّ طفلتَه ولا يرضى لنفسه أن يتركها لوحوش الحياة وغدَرات الزمن، يعود إليها ليعيش باقي أيام عمره القليلة إلى جانبها ليحرسها ويضمن لها مستقبلها بوصيّته لها بكل ما يملك.

          وجماليّة وروعة قصة ماركيز في هذه الغريزة الانسانية المُتحديّة للزمن، حيث يرفض ابنُ التسعين التسليمَ بالعجز والاعتراف بهامشية وجوده في الحياة، ويبقى مصراً على الاستمرار في إثبات القدرة على العمل والتجديد وإثارة الناس وطرح الأفكار ورسم الأمل للأجيال الشابة بما يطرحه من أفكار وآراء مبتكرة وثورية في مقالته الأسبوعية، والتمسك بمُتع الحياة ولهوها، وفي موافقته، في نفس الوقت، على صدق قول يوليوس قيصر: "أنّه ليس بمستطاع الانسان إلاّ أن يكون كما يراه الآخرون". مضيفاً إليه خلاصة تجربته في الحياة في "أن القوة العظيمة التي تُحرّك العالم لا تكمن في قصص الحب السعيدة وإنما في قصص الحب المأساوية".

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi