مشاهد كل يوم

 قصة بقلم: د. نـبـيـه القــاسم

من مجموعة قصص بعنوان "آه يا زمن"

 

يشدّ على يدي ويوسع خطواته الصغيرة ويحثني على السير:

-         من هون يابا.. من هون أقرب.

كان يقصد الدكان الذي اشتريت له منه قبل يومين حبة بوظة.. لقد أصبح يعرف شارع نهاريا الرئيسي ويحفظ أماكن الحوانيت التي فيها الألعالب والمأكولات والبوظة.. وأكثر حانوت يشدّه حيث يبيعون كيس العيد، فكيس العيد هو الضريبة التي لا يتنازل عنها في كل مشوار له معي إلى نهاريا..

كانت حركة السير خفيفة في هذا الوقت، الثالثة والنصف بعد الظهر.. أغلب الحوانيت مقفلة.. والناس يستريحون قيلولة الظهر ويستعدون لمتابعة العمل في الرابعة بعد الظهر..

-         هياها الدكانة يابا..

أُبعِده برفق قائلاً:

-         لأ مش من هون.. بدي أشتريلك من دكانة ثانية.

وشك بكلامي فأراد التأكّد:

-         من أي دكانة.. قولّي!

وأشرتُ له إلى مقهى يبيع البوظة والمشروبات.

فعلّق:

-         هذا اللي قعدنا فيه مع الألمان اللي كانوا عنّا!!

-         أيوه.. وأنت صرت تبكي وتِتْزانخ..

وطلبت له البوظة التي يحبها، واكتفيت أنا بالبيرة، وجلسنا على أقرب مقاعد محاذية للشارع الرئيسي..

حركة المارة في الشارع خفيفة جداً.. وعلى مقربة منا تجلس امرأة شابة برفقة ولدها وزوجها.. هي مشغولة بإطعام إبنها وترتيب عربته التي يجلس فيها وزوجها يكتفي بمراقبة المارة وبكلمات قصيرة ومتقطعة يُجيب بها زوجته التي يُثيرها كل مشهد تراه..

مجموعة من الأولاد الصغار يتحلقون حول حنفية الماء المنصوبة في الشارع ليشربوا.. ثم يثيرون بعض الضجة ويذهبون.. رجل عجوز يجلس قريباً منا ويجتهد لمساعدة كل مار يسأل عن شيء.. شابة جميلة تُثير بطولها المتناسق وبشرتها الخمرية تمر متهادية.. يلاحظ إبني انشغالي بها فيسألني بخبث:

-         مش هاي المَرَة أَحْلى من أمي؟

وأسارع لأجيبه وأداري تورطي معه

-         فَشَرْت.. أمّك أحلى بكثير..

وضحك إبني وسارع ليمد بحبة البوظة إلى الشابة الجميلة.. فأثارتها حركته وانحنت عليه بكلّ جلالها وقبّلته على خدّه وقالت لي:

-         إنّه ولد حبّوب.

شكرتها وأخذت إبني من بين يديها والحسرة تأكلني.

وعاد الولد ليأكل حبّة البوظة وعدت أنا لأنشغل بالمارّة، والمرأة الشابة لا تزال تُطعم إبنها وترمي بالنفايات على الشارع.. والعامل العربي منهمك يروح ويجيء بمكنسته الكهربائية يلاحق أوراق الشجر المتساقطة ليلتقطها.. وكلّما رمت المرأة بغرض سارع ليضعه في سلّة القمامة.. ويبدو أنّ هذا المشهد لذّ للمرأة فأخذت ترمي بشيء جديد كلّما ابتعد العامل عن المكان ليعود المسكين من جديد ويلتقطه..

-         يابا.. اتّطلع فوق.. فوق.

ونظرت إلى أعلى حيث ترتفع فوقنا أغصان الأشجار العالية الممتدة على طول الشارع من الجانبين.

-         يابا.. مش الله بغدر ينط من هاي الشجرة للتانية وأكثر؟؟

هززت رأسي بالإيجاب وقلت:

-         أيوه بغدر.. بَس كَمِّل عاد حبّة البوظة.. إسَّ إمّك بتيجي..

وكأنّ إبني لم يسمع ما قلته له فتابع قائلاً:

-         طيّب والله بغدر للبوليس؟؟

ضحكت وقلت ممازحاً..

-         أيوه بغدر للبوليس وأبو البوليس.

وتابع يسأل:

-         وأنت بتغدر للبوليس؟؟

قلت رغبة في إنهاء الحوار معه:

-         آه  بغدر للبوليس.. وإنت كمان بتغدر له.

ومرّت في هذه اللحظات سيارة الشرطة.. فقال إبني:

-         سمعك البوليس وإجالَك.

وحاولت طمأنته:

-         ولا يهمّك ما تخفش.

ثلاثة شبان تبدو عليهم الغربة اقتربوا إلى حيث نجلس. شاب رابع تقدّم منهم وخاطبهم بالعربية:

- هذاك مطعم الشوارمة.. وهاي هون الساحة الرئيسية.. في الثامنة مساء نلتقي هون.. سامعين..

أجابوه بهزة رأس وبسمات تبدو بلهاء.. فابتعد عنهم بثقة وراح يقطع الشارع إلى الجهة الأخرى.. بينما الشباب الثلاثة ساروا بحذر بين مقاعد المقهى المحاذية للشارع وابتعدوا..

المرأة الشابة توقفت عن إطعام ابنها.. همست في أذن زوجها بعض كلمات لم أفهم منها سوى "انتظرني" ثم انتصبت وذهبت لتهمس في أذن رجل شرطة كان يتناول كوب عصير من المقهى.. هزّ الشرطي رأسه وذهب في اتجاه الشباب الثلاثة.. استوقفهم وبدأ يتفحص هوياتهم، ثم بعد دقائق رأيته يطلب من الشاب الرابع أن يرافقه إلى سيارة الشرطة..

مرّ الاثنان من أمامنا.. انحنى الشرطي على إبن المرأة الشابة بحنان وقال لها:

-         إنه ولد حبّوب.. حافظي عليه من العربوشيم.

شكرته المرأة.. بينما زوجها ظلّ صامتاً، وكأنّ ما جرى ويجري لا دخل له فيه..

هزّني إبني بيده وقال:

-         يابا ليش البوليس أخذ الزلمه!!

لم أعرف بماذا أجيبه..

نظرت إلى العامل العربي الذي يُكنس الشارع، ويجمع النفايات.. وإلى المرأة الشابة وزوجها وابنهما الصغير.. وإلى الشرطي وهو يدفع بالشاب إلى داخل السيارة، وقلت لابني وأنا أشدّه لنترك المكان:

-         لأن البوليس مش زلمه حبّوب يابا.

  

"الإتحاد 17 آب 1990"

 

نسخة للطباعة

 

إقرأ أكثر:

دراسة نقدية حول مجموعة "آه يا زمن" - بقلم: د. عيسى أبو شمسية

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi