مجموعة "بير الصفا"* وسرّ الإبداع عند محمد علي طه

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

أن تكتب قصة يعني أن تخلق واقعا جديدا له جغرافيته وناسُه وقوانينه وعاداته وتقاليده وعلاقاته، أنت تُحدّد أطرَ هذا الواقع، وأنت الذي تتحكم به وتفرضه على المُتلقي ليقومَ بدوره في تقييم الذي قدّمته له ويُحدّد موقفَه منه.

وحتى يكون بامكانك أن تخلق واقعا جديدا عليك أنْ تملك رؤية قريبة ورؤيا مستقبلية إضافة إلى امتلاكك للغة التي تكتب بها وللخيال الذي وُهبته وللطاقة الابداعية التي تُمَيّزك.

امتلاكك للرؤية والرؤيا هو الضمان للنجاح وللقدرة على استمرارية العطاء الإبداعي والتجديد. الرؤية تُثبّت بها واقعَك الذي تعيشه وتعمل على توسيع رُقعته وفرضه على الآخرين لأنك ترى وتؤمن أنّ هذا هو الأفضل والأرقى والأكثر أمانا وضمانا لواقع إنساني تعمل لبلورته وتثبيته وسيادته.  والرؤيا تُعطيك سر النبوّة المستقبلية والقدرة على بلورة هذا المستقبل الحلم ليتجسد واقعا مُعاشا يرقى بالانسان إلى حيث تريد له.

ومحمد علي طه منذ رصد حياته للابداع ملك الرؤية والرؤيا، والواقع الذي فُرض عليه في سنوات حياته الأولى. وما عاناه في درب آلامه الطويلة هو الذي منحه القدرة على بلورة الرؤية التي آمن بها وعمل على تثبيتها في مسارات حياته المختلفة، وأعطاه خاصيّة الرؤيا المستقبلية التي هي سر أسرار الابداع والخلق.

امتلاك محمد علي طه للرؤية والرؤيا أعطاه شعلة الإبداع، ولكنه في الوقت ذاته قيّده في تحديد الرؤية ورسم حدودها التي لا يجوز تجاوزها، وإذا ما حدثت تجاوزات وخروقات فسرعان ما يعود لرسم حدود رؤيته التي يرى،  هذه الرؤية التي تتشكل عبرها الرؤيا البعيدة التي هي المطمح وهي الأمل وهي التي يعمل لتحقيقها.  وتشابك الرؤية بالرؤيا وحقيقة تحقيق الواحدة شرط في تجسيد الثانية قد يصبح قيدا يحد من كسر القواعد وتجاوز الحدود والانطلاق في رحلة خارج المألوف.    

فمحمد علي طه منذ تلمست مداركه قسوة الواقع الذي فُرض عليه وغرابة العالم الذي يعيش فيه وغربة المكان الذي يتنكر له رغم تأكيده على امتلاكه وثقل الزمن الذي يُلاحقه ويذكره باستحالة توقف عقاربه عن الدوران، وضع نصب عينيه هدفا واضحا هو أن يرفض هذا الواقع المفروض ويسعى لتقويضه واستبداله، وأملا قد يبدو بعيدا ومستحيلا في واقع الحال ولكن لا بدّ وأن يكون هذا اليوم الذي ينجح في تحقيق الأمل الحلم وتجسيده على أرض الواقع.

قد يكون من حقّ القارئ المتلقي أن يطلب كسر الحواجز والانطلاق خارج القيود التي كبّل المبدع نفسه بها لكن من حق المبدع أيضا، أن يتمسك بحدوده ويرتاح إلى اختياراته. 

ومحمد علي طه ينتمي إلى جيل صدمته الحقيقة البشعة، وسرقت منه، ليس بيته وأرضَه ووطنه فقط، وإنما طفولته أيضا. فقد شهدت سنواتُ ولادته الأولى تأرجحَ العالم وسط أتون الحرب العالمية الثانية، وقتلت  السنوات الأربع التالية طفولته عندما اضطر، وهو ابن السابعة، مع أهل بيته وبلدته على مغادرة بيته وبلدته ووطنه ليصبح لاجئا غريبا منبوذا في بلد غريب اسمه لبنان . ومن ثم ليسير درب الآلام في طريق العودة الصعبة والخطيرة ليجد ملجأ في بلدة سخنين ومن ثم مستقرا في بلدة كابول التي يستطيع منها رؤية بلدته ميعار ولكنه يُمنَع من الوصول إليها وملامسة ترابها.

هذه السنوات انطبعت في ذهن وقلب ومشاعر محمد فلم يتحرّر منها حتى ولو حاول، ولم تُحرّره رغم مواجهة السنوات اللاحقة له بمصاعب كان كفيلا بها أن تُعَيّشَه الحاضرَ وتمحو من ذهنه كلّ الماضي. وكلّما مرّت به الأيامُ وزادته الحياةُ تجربة ومعرفة وإدراكا وأوقفته أمام واقع العالم الذي يُعايش، نراه، وإن بدا مستسلما لهذا الواقع وقابلا به ومشاركا في وضع خريطة مستقبله، سرعان ما يرتدّ إلى ذاته، وتأخذه التداعيات إلى البعيد الذي استقرّ في طفولته البعيدة، فلا يرى حوله غيرَ الولد المُشرّد المطرود من بيته وبلدته ووطنه، الغريب في وطنه والحالم بمستقبل لا يزال يُراوده من أيام الطفولة البعيدة.

هكذا ظلّ محمد، حتى ولو رغب في التحرّر، أسير رؤيته لوقائع تلك السنين البعيدة ولرؤيا تظلّ تدفع به لتحقيق حلم يُراوده. فالقضيّة الفلسطينية ومصير الشعب الفلسطيني كانت وظلّت قضيّة القضايا الشاغلة محمد، والمحور المركزي في كل إبداعاته.

وقصص مجموعته الأخيرة (بير الصفا) تؤكّد هذا التعلّق بالقضية الأم وتتعرّض لمختلف تشعباتها. فهو يستذكر الوطنَ الذي ضاع والأهلَ الذين شرّدوا في قصص (بير الصفا) و (مجنون عكا) و (حفنة تراب). ويتعرّض لوضع الانسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 في قصص (ندى) و (المنظار) و (الوسخة) و (علبة سجائر) و (عودة الشهيد) و (بوظة ركب) و (فلاح من الخليل) و (أمومة) و (العصفور).  

قصص هذه المجموعة تفاوتت في شكلها الخارجي، فمنها القصة القصيرة العاديّة التي تختلف في عدد صفحاتها وكلماتها ، ومنها القصيرة جدا مَن لا تتعدّى الصفحة، ومنها من تنحصر في فقرة قصيرة لا تتجاوز الأربعة سطور. لكن ما يُوَحّد بين كل قصص المجموعة أنها في بنائها الداخلي وتطوّر حبكتها تلتزم شكل القصة التقليدية التي تلتزم التطوّر التدريجي نحو الذروة ثم تكون النهاية. الزمن عنده في تصاعد دائم مع تطوّر الحدث حتى يصل إلى المحطة الأخيرة. لكنه في بعض المحطات يتخلخل ويتكسّر ويَتداخل ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث تتوقف إحدى الشخصيات مع نفسها لتستعيد حدَثا كان، وتستحضر شخصية غادرتها ثم ترتدّ إلى حاضرها وتتابع الأحداث بتصاعدها الزمني التقليدي كما في قصتي (مذاق جديد لشهر العسل) و (ندى).   

ويُعاود محمد علي طه في مجموعته هذه تجربته في كتابة القصة القصيرة التي كان قد حاولها في قصتي (حكايا ما بعد الأيام الستة) و (باروخ هبا مار سادات) في مجموعة "عائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر" التي صدرت عام 1978. ومحاولته الجديدة هذه، وإن كانت تفتقر إلى حدّ ما للمعة المُبهرة واللمحة الآخذة والوَمضة الآسرة، إلاّ أنها تدلّ على الرغبة في التجديد وعلى القُدرة والتمكن، وتُبشّر بالآتي القريب. فالكاتب في قصصه القصيرة هذه أراد أن يتعرّض لبعض القضايا والهموم التي يُعاني منها مجتمعنا على مختلف الأصعدة، وقصد أن يطرح موقفه وفكرته ليتبناها القارئ أو تُثير عنده التساؤل والجَدل والاهتمام، ولهذا اهتم أنْ يُقدّم الحَدَث بتكامله وبتصاعده الزمني حتى لحظة النهاية ممّا منعه من استخدام اللمحة واعتماد اللمعة والاكتفاء بالومضة التي تُشكّل كلّ منها أساسا في تكوين القصة القصيرة جدا كما تتجلى في قصة زكريا تامر (محو الفقراء) "جاع المواطن سليمان القاسم، فأكل جرائد زاخرة بمقالات تمتدح نظام الحكم وتُعدد محاسنَه المُتجلّية في محو الفقر. ولمّا شبع، شكر الله رازق العباد، وآمن إيمانا عميقا بما قالته الجرائد." فهذه قصة مُكثفة جدا لا زوائد فيها، ولا حشو وصفي واستطرادي، تُركّز على خط قصصي وعلى رصد حالة انسانية. بينما نجد محمد علي طه رغم الاختزال وتحاشي الاستطراد والوصف لم يستطع التخلي كليّا عن مَهاراته المعهودة في رسم المشهد والصورة والشخصية فيتوقف عند بعضها ليُشير أو يُوضّح أو يثير كما نجد في قصة (الخوف) نموذجا:   

" "كلما شاهدَت في طريقها الى العمل سكينَ الجزار ارتعبت، وتخيّلته يهوي به على عنقها، أو يطعنها في صدرها، فتسرع في المشي حتى تكاد تهرول، وتتمتم وتغمغم: "لا..لا..أنا والله بريئة يا خيّا.."

وحينما تصل إلى المكتب وتضع حقيبتها على الطاولة، وتمسح عرقها بمنديل من الورق الناعم المعطّر وتشرب كأس ماء، تتذكّر أنها وحيدة والديها .. فتبتسم."(ص 131)

فالكاتب التزم في المشهد الأول من القصة التكثيف والاختزال وابتعد عن الوصف والتعليق والاستطراد وحافظ على الخط القصصي والتركيز على حالة الشخصية النفسية. لكنه في المشهد الثاني عاد ليُفَصّل في العَرض: "على الطاولة" و "بمنديل من الورق الناعم المعطّر" و "كأس ماء" وهذه الزوائد في الوصف والتوضيح والتفسير تُخَفّف من حِدّيّة ودراميّة الحَدَث وتدفع القارئ إلى الاهتمام بالطاولة وبنوعية الماء ومَذاقه في فم الفتاة المضطربة. والورق الناعم المُعطر، يُدخله في جوّ العُطور والحبّ والخيال، ويُنسيه مأساة الفتاة المُهدّدة بالموت.

موقفي الخاص من هذا النوع الأدبي "القصة القصيرة جدا" فيه بعض التحفّظ، لأنني أخاف أن تتحوّل قصصُنا القصيرة الجميلة إلى ومضات قصيرة يختلط فيها الغث بالثمين والسيّء بالجميل كما حدث في الشعر. ولهذا، على كُتّابنا، وإنْ كتبوا القصة القصيرة جدا، ألاّ يُؤخَذوا بها وتأسرهم بوهجها، فأنْ تتحوّل قصصُنا إلى لمح وبرقيات وإشارات يفهمها كلّ واحد كما يحلو له، خطرٌ على جَماليّة لغتنا وسحرها.

ما يميّز قصص محمد علي طه في هذه المجموعة، كما في مجموعاته السابقة، هذه اللغة الرشيقة المُنسابة التي تاخذ بالمُتلقي وتأسره. وذلك الإيقاع الخَفيّ لوَقع المفردات المتتالية التي تدفع بالاحداث وتشدّ بها نحو الصعود لتكون لحظة النهاية التي لم يكن القارىء يتوقعها في أغلب الأحيان.

كما أنّ شخصيات قصص المجموعة، كما اعتدنا في كل قصصه، نتيجة مزج بين عوالم الشخصية وأبعادها الخاجي والداخلي والاجتماعي. ورؤية الكاتب للواقع ومدى وعيه للعلاقة بين الانسان والواقع تُوضّح طريقته في رسم الشخصيات المأخوذة من الناس العاديين الذين تُشغلهم الهموم اليوميّة، وتشدّهم المشاعر الانسانية، فيقدّمهم بطبيعية وعفويّة، فتأتي الشخصية صورة طبق الأصل لأناس نعرفهم نكاد ندلّ عليهم من بين الذين نُعايشهم. وهو كعادته قادر على رسم الشخصية بشكل متكامل تشدّ المُتلقي لها، أحيانا تُثيره بقوتها مثل شخصية "أبو الفول" بطل قصة (ندى) الذي واجه السجّان والمُحقق والسجن، ولم يتراجع عن مواقفه، وطلّق زوجته ليسمح لها بالتمتع بحياتها بعد أن صدر الحكم بسجنه لسنوات طويلة. ومثل شخصية البنت المناضلة في قصة (علبة سجائر) وتَحدّيها للبقال ولجند الاحتلال. وأحيانا تأسره بإنسانيّتها ومشاعرها كما في شخصية أم الشهيد التي تخاطب ولدها قائلة عاتبة :"أنا ولدتك للحياة لا للآخرة يا بنيّ" (ص133). وكما في شخصية أم الطفل زياد التي ما أن سمعت بخبر استشهاد مقاتل حتى حَدّقت في فنجان القهوة الذي كانت تحملة وسقط من يدها، فقد دلّ قلبُ الأم على ما حدث، وأنّ الذي استشهد هو ابنها. ومثل شخصية زهرة التي "لم تتمالك نفسها واندفعت إلى باب الغرفة تركض باكية .. باكية."(ص47).  وشخصيات تثير الشفقة والسخرية كشخصية بشير الزعيم في قصة (التضحية). وشخصية رعد السطل في قصة (العملية) وشخصية فالح في قصة (ذو الحظ السعيد). وشخصيات توقفنا على شراسة الواقع الصعب غير المحتمل الذي يواجهه الانسان في الأراضي المحتلة من عسف الاحتلال ومضايقاته حتى تتحول أحلام الصغار إلى كوابيس تمنع عنهم الراحة والأمن حتى في المنام كما في قصة (بوظة ركب).

شخصيات قصص (بير الصفا) متنوعة من فئات وطبقات وانتماءات فكرية مختلفة، منها مَن يُقدمها لنا بكامل المعلومات : الاسم والعمل والشكل الجسدي الخارجي وما يتفاعل في داخلها من مشاعر وأحاسيس مثل شخصية أبو الفول في قصة (ندى) وشخصية فالح في قصة (ذو الحظ السعيد). ومنها مَن لا يذكر اسم الشخصية، خاصة في القصص القصيرة جدا، ويهدف من ذلك جعلها نموذجا يُدلل به على حالة تسود المجتمع مثل في قصص: (القطة)، (ضربة)، (الخوف). وفي اختياره للكثير من أسماء شخصياته يقصد أن تكون للاسم دلالته الرامزة المثيرة سلبا وإيجابا مثل فالح الذي لم يكن فالحا في حياته وفشل في كل عمل قام به كما كان يفشل في دروسه (ذو الحظ السعيد) وكريم البقال لم يكن كريما، ومثله سميحة كانت غير مُتسامحة مع كل مَن تعرّض لها حتى ولو كان من جند الاحتلال (علبة سجائر). وشريفة كانت بعيدة كل البعد عن الشرف  (شريفة)، بينما كانت أسماء بعض الشخصيات ملائمة ومطابقة للشخصية ودورها مثل عايدة (مذاق جديد لشهر العسل) وزهرة (وغطت السماء غمامة سوداء).  ويكثر من ذكر الاسم الثنائي للشخصية  (خليل الصالح، محمود العبد، جميل النتشة، عائشة العابد) ويكون الاسم الثاني أحيانا للدلالة على البلد الذي تنتمي إليه الشخصية مثل (سعيد الشامي، عمر عكاوي) وقد يأتي بالاسم الثاني ليناقض الأوّل مثل (فهد السليمان) فالفهد مراوغ وذكي وقادر بينما السليمان مسالم ومسامح. ومثل (طاهر الذيب) فالذئب بخداعه ومراوغته وغدره وشراسته يناقض الطهارة وما توحي به.  أو ليثير السخرية في مثل (رعد السطل) فالرعد يدل على القوة والصخب والغضب والتسلط والعنف بينما يدل السطل على البلاهة والغباء والانتفاخ الفارغ.

لقد اهتم الكاتب أن يعطي للمرأة مكانتها التي تستحقها في قصص مجموعته هذه وقدّمها في نماذج مختلفة، ونشاطات وفعاليات متنوعة، كما في شخصية زهرة الطالبة وسميحة المخاطرة بنفسها في سبيل حماية رجل المقاومة وعايدة المهتمة باسعاد زوجها. واهتم أن يطرح قضايا حساسة وصعبة، تعاني منها الفتاة العربية من ظلم المجتمع والأهل حيث تكون الفتاة مهددة بالموت من قبل المجتمع وأقرب المقربين إليها على مذبح ما يسمى بالمحافظة على شرف العائلة بينما الرجل القوي يسمح لنفسه استباحة كلّ المحرمات وهتكها كما في قصة ( شرف العائلة، الخوف، حلّة الشعر). وكما في الكثير من قصص الكاتب التي قرأناها له تلعب المرأة اللعوب المُثيرة دورا مهما، ويُشكّل الجنسُ دافعا لتشكّل المشهد المثير، وهذا نجده في قصة (ضربة) عندما تمرّ الفتاة اللعوب أمام الشاب الضحيّة "وحنت جذعها الشاب مثل راقصة وضربته بمؤخّرتها" وتركته صريع المفاجأة (ص 129). وفي قصة (شريفة) حيث عاشت حياتها كلها تعرض جسدها وتبيعه، وحتى بعد قيامها بالحج والتزامها الصلوات في مواعيدها بعد تقدّم العمر بها لم تُخف شهوتها ورغبتها وهي تحضن كفّ زبون قديم لها، يبدو أنها أحبته، بقولها: "اللهمّ اهد أمّة محمد.." (ص126). وكذلك في تحدي زينب النجار اللعوب لبشير الزعيم في رجولته بقولها : "وطني؟ يمكن. أمّا رجل فلا".(ص17). وفي استهزاء وتحدّي فتحية العكاوي التي أطلّت من شباك بيتها وهي ترتدي ثوبا شفّافا ناعما لرعد السطل المتحدي لكل رجال حيّه، قائلة بسخرية وإذلال كاشفة ضعفه وفقده للرجولة: "عامل أبو علي يا سطل. اللي بعرف بعرف واللي ما بعرف بقول كفّ عدس." فجعلته يحني رأسَه كما يرخي الكلبُ ذيله ويمشي.(ص82).     

  والحوار عنده يلتزم باللغة الفصيحة القريبة من لغة الناس، والتي نعرفها باللغة الثالثة، ويفرضها علي كلّ شخصيات قصصه. والكلام في الحوار قصير مُحكم يفي بالمعنى، وفي كثير من الحالات يرسم شخصية المتكلم ويكشفه كما نراه في قصة (علبة سجائر) حيث يظهر كريم البقال على حقيقته التي يُخفيها بمظهره الوقور:

-       "أودّ أن أشتري

-       هذا وقت منع التجوّل

-        أنا مضطرّة .. أرجوك أن تفتح البقالة

-        ماذا ينقصك؟

-        علبة سجائر

-        وهل بدأت بحلّ شعرك منذ اليوم؟

-        أقفل فمَك. انزل وافتح البقالة

-        أنا بعمر أبيك يا بنت

-        أنا بعمر ابنتك.. ولكن عينك فارغة

-        لا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

-        اسم الله ما شا الله صرت عروسة يا سميحة

-        خمسة في عينك

-        وتدخنين يا بنت؟

-         هذا ليس شغلك يا حرامي" (ص 91-92).

محمد علي طه من الكتاب الذين لا يتسرّعون في نشر ما يكتبون وإنّما يُراجع ما كتبَ وينقحه وقد يُعيد كتابته من جديد، وكما يتفنّن في بداية قصصه ، هكذا يهتم في اختيار النهاية، وأحيانا تأتي هادفة يقصد بها إسماع رأي وتأكيد موقف كما في قصة (أمومة) حيث تخاطب الأم ابنها الشهيد "أنا ولدتك للحياة لا للآخرة يا بني" (ص133). فمحمد يريد أن ينفي تلك الفرية التي حاولوا بها صبغَ الأم الفلسطينية وكأنها تفرح بموت ابنها وتدفع به للموت، فهو يؤكد أن الأم الفلسطينية ككل أم تريد الحياة لأبنائها ولا تريدهم يموتون. وكما في نهاية قصة (الخوف) حيث ترتاح الفتاة عندما تصل إلى المكتب وتتذكر أنها وحيدة والديها ولا يوجد لها أخ قد يقتلها للمحافظة على شرف العائلة. والكاتب هنا يريد أن يعلن موقفه الصريح الرافض لمثل هذا العمل الإجرامي الذي يدمغ صاحبَه بالهمجيّة والحيوانيّة والتّخلف.  ومثل نهاية قصة (حلّة الشعر) حيث يُبيّن الكاتب أنانيّة الرجل العربي في أنه يسمح لنفسه ما يُحرّمه على أخته ، فهو يُريد أنْ يُحبّ الفتيات الأخريات ويطلب من أخته أن تكون مرساله لفتاته، ولكنه يُحرّم، بل وعلى استعداد لقتل أخته إذا ما سمع أنها تحبّ شابا ما.(ص 128). لكن بعض النهايات كانت ضعيفة وغير مقبولة مثل نهاية قصة (عش الحمامة) (ص 116) فقد كنت أفضّل لو أنهى القصة بكلمات "ولم يشغلنا شاغل سوى زوجَي الحمام والزغلولين الناعمين." وحذف السطرين الأخيرين اللذين أرادهما نهاية ، ولم تكن موفقة، لقصته. وكذلك كنت أفضل لو حذف نهاية قصة (علبة سجائر) وتوقف عند "عادت سميحة إلى البيت وناولته علبة السجائر". لكانَ ترَك للمُتلقي لذة التساؤل والتفكير وحبّ التعرّف على الشخصية التي خاطرت سميحة من أجلها وتحدّت كلامَ الناس وسَلاطة جندي الاحتلال.

كما أنّ هناك بعض الملاحظات كان بودّي لو أخذ الكاتب بها مثل في قصة (الوسخة) (ص87-89) كنت أفضل لو لم يذكر أمريكا في الحوار، ولو جعل نهاية القصة على النحو التالي:

- أنا أيضا أحب الشوكولاطة والبوظة فهل سيقتلني القناص؟

- لا.

- لماذا لا ؟

 ارتبك الجد ولم يجب. وحدّق الولد في تجاعيد وجه جده وصمت."

 أعتقد أنّه بذلك كان جعل للنهاية دراميتها وبُعدها ودلالاتها البعيدة والمتشعبّة. كما أن المواجهة بين السجين أبو الفول والضابط المحقق في السجن في قصة "ندى" كانت في بعض فقراتها غير مقنعة وخطابية.

لكن تظل لقصص محمد علي طه نكهتها الخاصّة وتميّزها وقدرتها على شدّ القارئ إليها وسَعيها الدائم للتجريب والتجديد مع المحافظة على الرؤية الواضحة والرؤيا البعيدة التي كما قلت: هي سرّ أسرار الإبداع والخلق.

 

* بير الصفا- مجموعة قصصية. محمد علي طه. دار الشروق للنشر والتوزيع- عمان . 2004  

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi