"سيرة بني بلوط" رواية محمد علي طه الصادرة حديثا والأمانة في استعادة التاريخ المفقود

 د. نـبـيـه القــاسم

 

 

قال الروائي الياس خوري صاحب رواية "باب الشمس" في حديث له عام 1998: "ان كتابة التاريخ الفلسطيني الحديث قد تأخرت، أو بمعنى أدقّ، هذا التاريخ لم يُكتَب حتى هذه اللحظة، لأنّ الفلسطينيين كانوا ولا يزالون يرفضون الإعتراف بما حدث".

 ولأنّ التاريخ ، كما قال غرامشي "يكتبه المنتصر". ولأنّ المنتصر هو الذي يكتب  التاريخ ويفرضه ويدّعي امتلاك الحقيقة وتدوينها، فكان من الطبيعي أن يرفض الفلسطيني هذا التاريخ ويبحث له عن تاريخه الذي يُريد والحقيقة التي يعرفها ولا تزال غائبة حتى عن أهلها.

تقودنا هذه المقدمة إلى رواية محمد علي طه "سيرة بني بلوط" التي صدرت قبل أشهر عن "دار الشروق للنشر والتوزيع" في عمان، وذلك أنّها تدخل ضمن المحاولات الفلسطينية لاستعادة التاريخ وكتابته، ولكن ليس بالمنهجيّة التاريخيّة التي يتّبعها المؤرخون المختصون، وإنّما بالرواية الأدبية والحكايات الشعبية واستعادة الآشخاص الذين عايشوا تلك الفترة الزمنيّة واستحضار الماضي بشخوصه وأحداثه الصغيرة والكبيرة. فالبشر العاديون هم الذين يصنعون تاريخهم تحت تأثيرات قويّة تُجبرهم على الانصياع لها والتعامل معها منها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تاريخ يعتمد استعادة الذاكرة ورواية الحكايات، يستحضر الماضي إلى الحاضر ليكون الدّافع للمستقبل المرجو، ولكنّه ليس التاريخ الرسمي المنهجي الذي يكتبه المنتصر.

ويمكننا تصنيف رواية محمد علي طه بالرواية التاريخية لأنّ موضوعاتها تتمحور حول فترة زمنية محدّدة عاشها الشعب الفلسطيني وشهدتها بلاد فلسطين، هي فترة الحكم الإنكليزي للبلاد وبالتركيز على سنوات ثورةعام 1936 ضدّ المحتل الإنكليزي للبلاد، وتتناول التيّارات والقوى الاجتماعية والسياسية التي كانت.

يغرينا محمد علي طه بتسمية روايته "سيرة بني بلوط"  ويوهمنا أنّه يكتب سيرة قبيلة بني بلوط كما اعتدنا على تسمية ومعرفة "سيرة بني هلال"، ولكننا نكتشف مع قراءتنا لفصول الرواية أنّها تتمحور حول شخصية انسان واحد هو مصطفى، لكن هذا الواحد يُمثّل جموع المناضلين الثائرين، وشجرة البلوط تدلّ على  فلسطين بسنديانها القوي وترابها المبارك.

تتوزّع الرواية إلى قسمين رئيسيين:

الأول: يُقدمه خليل (الراوي)، وفيه يصف مشهد موت الأب مصطفى وأثر ذلك على أفراد الأسرة.

الثاني: كتبه مصطفى نفسه ويقرأه لنا خليل من أوراق كان مصطفى قد كتبها في حياته واحتفظ بها في جرّة حرص على صيانتها. 

شكّل القسم الأول مَدخلا للثاني، وصوّر المشهد الأخير من حياة مصطفى، مشهد الموت ومراسيم التشييع والحزن.

أمّا القسم الثاني فكان سيرة حياة مصطفى ، والد خليل، كما كتبها هو ، وليس لخليل أيّ دور فيها.

والجدير بالملاحظة أنّ محمد علي طه استطاع أن يقدم لنا نصّين منفردين ، هو كاتبهما، ولكنه استطاع أن يقدّم نصين مختلفين، أسلوبا ولغة، وفقط العارف المتمكن من أسلوب محمد علي طه يجد بعض المشاهد المشيرة إليه والدالة على أدواته.

يبدأ الراوي خليل فصل "الجرّة"  بخبر موت والده، مُحددا الساعة واليوم والشهر والسنة، واصفا المشهد بكامله، الصمت المحيط وأفراد الأسرة المتجمعين. يستعيد تذكارات متفرقة من أحاديث الوالد، خاصة ما قصّه عليهم من خبر احتلال الإنكليز للبلاد وهو في السابعة من عمره، ثم يعود ليحدثنا عن جنازة والده المهيبة والكلمات التي قيلت في المناسبة وتعليقات الناس، ويصل إلى المفاجأة التي تخبئها الأم وهي "الجرّة" التي كان الأب يحتفظ بها ويمنع الاقتراب منها. المفاجأة أن الأم تخبر الأولاد بأن الأب أوصى بالجرة إلى خليل فقط مع كل ما في هذا التمييز من إحراج وإثارة للحساسيات وحتى الخصومات بين أفراد البيت الواحد. وبالفعل وصف خليل ردود فعل أفراد الأسرة، فالصمت المريب خيّم على الجميع، ووجه الأخ "بدا مثل شمامة في آخر الموسم" أمّا وجه الأخت فكان "محمرا مثل رغيف خارج من فرن حار"(ص13). وتذكر خليل العديد من حوادث الخلافات بين الأقارب حول الميراث، صغيرا كان أم كبيرا، بينما الحكومات المتوالية تصادر آلاف الدونمات والأموال بمختلف الحجج والقوانين ولا أحد يعترض. ويتابع خليل في تأكيد حقه هو في الجرّة لأنه الوحيد الذي كان يأتمنه والده حيث أخذه معه يوم خبّأ الجرّه في الأرض ويوم استخرجها وأعادها إلى مخبئها في البيت، ووحده الذي كان يعرف عن الجرة ويهتم بقصتها ويلح في معرفتها رغم المخاطرة بذلك. وهو الذي فوجئ أكثر بما احتوته الجرّة ساعة جلسوا لفتحها حيث لم يجدوا ما توقعوه من مال وذهب وكنوز تغنيهم وتخرجهم من فقرهم، وإنما وجدوا دفترا وثلاث أوراق صغيرة مما جعل وجه الأخ مبهوتا بينما كان وجه الأخت يشي بابتسامة خبيثة وخليل يستبدّ به حبّ الاستطلاع لاكتشاف المزيد من السر الغريب، فوجد بين يديه أوراقا بخط والده فأعلن فرحا مستغربا متشوقا للمزيد: أبوكم مؤلف. هل تصدقون!؟(ص31)

 وتتوالى الإثارات في الأوراق الثلاث التي وجدها خليل مع الدفتر، وتعلو الأسئلة:

 "مَن هي العروس!؟ وأيّ فرس هذه!؟ ومَن هو الشيخ الذي يُهدّد!؟"( ص32-33)

 ولا يجد الأولاد الجواب الشافي عند أمّهم ولا هي عرفت، وتمحور الاهتمام كلّه بين دفتي الدفتر، فبين سطور صفحاته لا بدّ أن يكون حلّ اللغز واكتشاف السرّ.

هكذا ينجح الراوي في شدّ اهتمام الجميع إلى صفحات الدفتر وإلى قراءة الكلمات التي سطّرها والد خليل، مصطفى بلوط.

 الفصل الثاني من الرواية يتوزّع على ثلاثة عشر فصلا، الفصل الأول سمّاه "أنساب الأشراف" تشبّها بكتاب "أنساب الأشراف" المشهور، بدأه بالبسملة والصلاة وذكر رسول الله والأنبياء والصحابة والتابعين. ورغبة من الراوي صاحب السيرة (مصطفى) في التأكيد على مكانة عائلته الاجتماعية فهو يؤكد "أنا لا أنتمي إلى إحدى العائلات المعروفة في البلاد، أنا رجل مقطوع بلا حسب وبلا نسب. أنتسب إلى بلوط، ويبدو أنّي ولدت من شجرة .. من برعم من براعمها أو من ثمرة من ثمارها أو خرجت من جذعها كما ولد إله الحب والجمال من مروج البلدة التي ولدت فيها أمّي"(ص35). وطرد كل الأفكار التي راودته للانتساب إلى إحدى القبائل العربية المشهورة ورضي بنَسبه الشجَري معلّلا ذلك بأنّ "الشجرة كريمة معطاءة لا تُنافق ولا تخون". ويُفاخر قائلا: "أنا أنتسب إلى شجرة السنديان القوية المعمرة دائمة الخضرة التي تتمتّع بقوّة الصمود والبقاء، وبفضل هذا النسب البلوطي حافظنا على بقائنا في هذه الدنيا القاسية الفانية"(ص36). ويُتابع في التعريف بوالده جابر أنّه حوراني الأصل، جاء إلى فلسطين هاربا بعد أن سحر فتاة بصوته الشجي فهرب وإيّاها، لكن أهل الفتاة لحقوا بهما وأخذوا الفتاة منه وأعادوها لبيتها بينما هو واصل طريقه حتى وصل إلي القرية الفلسطينية كفر الزعتر وحل عند شيخها الذي شغله في أرضه ومن ثم زوّجه من فتاة جاءت من لبنان طالبة العمل والرزق، واعتنى به إلى أن كانت زيارة الجند الإنكليز للبلدة وقتلوا جابر مما ترك زوجته وابنهما الصغير مصطفى تحت رحمة الشيخ وأبناء البلدة، فكبر مصطفى وهو يتساءل : لماذا قتل الجند الانكليز والدي؟ ولماذا نعيش فقراء لا نملك حتى الزيت لنغمس الخبز الجاف وغيرنا يتمتع بالغنى؟ لكن مصطفى كان يعترف بفضل الشيخ على أسرته ويحب أهل البلدة ولا يُفكر بالإساءة لأحد. وإن كان لا يحبّ الأفندي لانتهازيته وأنانيته ولا يهضم الإمام لسؤاله الدائم له عن امه. 

الإثنا عشر فصلا الباقية تروي قصة حياة مصطفى وكيف عاش في كفر الزعتر. منذ صغره كان يشعر باختلافه عن الآخرين، ويتصرّف كالكبار، ورغم فقره وبؤسه وغربته وتعلّق بقائه في القرية برغبة الشيخ أو الأفندي، تحدّى سطوة الأفندي ودخل مخزنه ليلا، وملأ جرّته بالزيت عندما أخبرته أمه أنّها لم تطبخ لنفاد الزيت من بيتهم. وتصدّى لعنجهية شيخ شباب البلدة وانتقم منه بترصده له عندما دخل المقبرة ليضع علامة على قبر تنفيذا لشرط وافق عليه، فأفزعه وروّعه وخسّره الشرط، بينما مصطفى نجح في دخول المقبرة ووضع العلامة وفاز بالشرط رغم صغر سنّه. كذلك نجح مصطفى في عمله عند الأفندي وأثبت قدرته وكفاءته، ولم يكتف بذلك بل قام بمضاجعة زوجته التي أغرته حتى ضبطهما الأفندي وطرده من البلدة.

في المدينة تغيّرت حياة مصطفى، وتعرّف على حياة جديدة ومفاهيم أخرى، وانفتح على عالم كان غريبا عنه واستمع إلى آراء وأفكار وأقوال جعلته يفكر بهموم كبيرة مثل هموم الوطن والشعب وحماية الأرض وطرد المحتل. وسرعان ما وجد نفسه ينخرط في العمل الوطني مع مجموعة من الشباب ومن ثم يباشر بالعمل الثوري بانضمامه إلى الثوار وترصّد الجُند الإنكليز المحتلين لبلاده. هكذا أصبح مصطفى مقاتلا وثائرا من ثوّار ثورة 1936 ضد المحتل الإنكليزي لفلسطين. وبالفعل قام ببعض العمليات العسكرية التي نجح فيها، واستطاع مع رفاقه أن يستميلوا سكان قرية كفر الزعتر وباقي القرى إلى جانب الثورة، فكانوا يمدونهم بالمؤن والرجال، ويكونون لهم عيونا ويوفرون لهم الحماية. لكن الواقع كان أقوى، وقدرات الناس محدودة، وظلم المحتل لا يُطاق وأساليبه الخادعة لا نهاية لها، فاختلف الثوار فيما بينهم حول استمرارية القتال، وتراجع بعض الناس عن تأييد الثوار، والبعض عملوا ضدّ الثورة لصالح المحتل، فمات مَن مات ويئس مَن بقي، حتى كان القرار الحاسم بترك ساحات القتال وانتظار المستقبل لعلّه يأتي بما هو أفضل.

وينهي مصطفى قصته التي سجلها في دفتره بهذه الكلمات الحزينة رغم ما توحيه ببعض الأمل:

"اقترب سرحان مني وقبض على ذراعي وشدّني فوقفت، حدّق في عيني للحظات ثم قال: حافظ على بندقيتك .. لا بدّ أن تحتاجها بعد سنوات.. يموت الفهد.. ويموت عبد الكريم.. ولكن القضيّة لن تموت. وفتح ذراعيه وعانقني. تعانقنا طويلا.. حمل حاجاته بيده اليمنى وقال : حافظ على سرّك الثقيل.. ومشى. تركني وسار. نظراتي تُلاحقه.. تُتابعه. غاب. اختفى بين هضاب الجليل وأشجاره البرية.. وأنا واقف. كأنّي منغرس في الأرض. مات الفهد. ومات عبد الكريم. ورحل الشيخ. ومضى سرحان باحثا عن أفق. وبقيت أنا والبندقية والوطن وتميمة والعصفورة وشجرة البلوط والسرّ. ومضت دقائق لا أدري عددها عندما أفقتُ على تغريد عصفورة عروس التركمان. التفتّ أبحث عنها. كانت العصفورة واقفة على شجرة القندول تُحدّق ببقجة الفهد وتُغرّد، وتغرّد .. تُغرّد تغريدا حزينا. تغريدا فيه سرّ عميق .. السرّ المكتوم بيننا."( ص 198-199) .

عودة لمَدخل الرواية

نقف في هذا الفصل على مختلف التقنيات التي عرفناها في قصص محمد علي طه، فالأسلوب الأخّاذ بلغته البسيطة المتراوحة بين لغة الناس العاديين ولغة المثقفين التي سمّاها توفيق الحكيم باللغة الثالثة، والمزج ما بين التعبيرات العامية والفصيحة (فقال: تفو على هيك بلد، أوّلك مر وآخرك نكد)(ص27)، وتفسير وشرح الكلمات العاميّة إذا شعر عدم فهم القارئ لها مثل "يقول المثل الشعبي : فلان مقطوع من جرّة للدلالة على أنّه بلا أهل وبلا أقارب" (ص35)  وتضمين الكلام بالأمثال الشعبية المتداولة والآيات القرآنية، والإكثار من التعليقات والخروج عن مسار الحدث بعرض موقفه من ظاهرة التكفير التي يتّبعها بعض الأصوليين والمتدينين والتي عاني ويعاني منها الكثير من رجال الفكر والإبداع في العالم العربي (ولولا خوفي من ضيق أفق الأصوليين والمتدينين المتزمتين الذين يُكفّرون الكتّاب والشعراء والمفكرين والمغنين بسبب جملة في كتاب أو مقطع في أغنية، ويطلقونهم من زوجاتهم لقلت: إنّ أبي عرف كيف يموت ومتى مات)(ص11)، وانتقاد كلام رجال الدين وحديثي التدين في المناسبات المختلفة (واستمعنا إلى كلمات العزاء المنتقاة من معاجم اللغة وإلى مواعظ الشيوخ وحديثي التديّن الذين أمطرونا وأغرقونا بالحديث عن الموت وعذاب القبر وزوّادة المؤمن لآخرته، كما استمعنا إلى قصص المعجزات والنوادر التافهة والسخيفة في آن واحد) (ص12) وانتقاد تصرفات العديد من الناس ( رئيس مجلس بلدتنا المحلي يُقاطع أخاه منذ عشر سنوات نتيجة خلاف على ميراث دونم أرض في خلّة النبعة. وكم من شجار وقع في البلاد حول ميراث صغير .. شجارات أدّى بعضها إلى القتل وسفك الدماء. والغريب في الأمر أنّ حكومات إسرائيل منذ العجوز حتى عجوز هذه الأيام تُصادر سنويا آلاف الدونمات من الأراضي العربية، وتسلبها من أهلنا بقوانين جائرة وبقرارات وزراء وقضاة وسماسرة، فنحتج ونتظاهر ثمّ نصمت، أمّا إذا اختلف أحدنا مع جاره على شبر أرض فنستعمل العصيّ والسكاكين والفؤوس ويسيل الدم قانيا)(ص13- 14). وإثارة السخرية (أمّا اتفرج يا سلام ع العجايب والتمام)(ص11) أو استدعاء البسمة وكثيرا الضحكة، والاهتمام بذكر العديد من أنواع الأعشاب (حشائش الخافور والسبيلة والقرط والبسباس)(ص18) والأزهار (شقائق النعمان والصفير والأقحوان وعيون البقرة)(ص16) والطيور (البلبل والشحرور واللامي والحلاج والزرعي)(ص16) التي تعرفها بلادنا.

اهتم محمد علي طه باستخدام فنيّة الاسترجاع حيث يتركنا أمام جسد والده المتهاوي أو الهامد ليتذكر قصّة أو حادثة كان والده قد حدّثهم إيّاها، أو سيطرت على فكره فراح يستعيدها بتفاصيلها. وهذا كان يقوده لرواية حكايات هو صاحبها أو ناقلها ومقتبسها، لها علاقة بالقصة المُستعادَة، وكانت الحكاية الواحدة تدفع به لينتقل إلى حكاية ثانية فينساق وراءها مبتعدا عن القضية الأساسية وهي موت الأب والجرّة التي تركها، كما في حكاية آل عثمان وجرار الذهب التي عثروا عليها ( ص17) وحكاية العجوز والجرّة (ص24-25) والانتقال إلى حكاية محيي الدين بن عربي (ص26) ثم التحوّل السريع إلى ما يُروى عن بخل الشفاعمريين وما حدث لموظف دائرة تسجيل الأراضي عندما زار مدينة شفاعمرو (ص26-27) ومنها انتقل ليتحدث عن استيلاء الأفندية على أراضي الفقراء في الجليل ومن ثم بيعها لسماسرة الوكالة اليهودية (ص27).

لم يقصد محمد علي طه بحكاياته المتتالية محاكاة أسلوب الحكاية في التراث العربي، وإنما تأتي مُنوّعة في الأسلوب ومُبعدة الرتابة وآخذة بالقارئ إلى مواقف وقصص وأزمنة، فيتنقل معها وهو مبهور بسحر الراوي وجماليّة التّقديم وطَرافة القصة التي يستمع إليها ضاحكا، وتُحمّله الكثير من الأفكار والمواقف التي يُريد الراوي له أن يحملها.(النوادر التافهة والسخيفة)(ص 12)، و (نستطيع أن نتخيّل الدهشة والفرح على وجوه الشّوام وهم يستخرجون الذهب وينظرون إلى وجه الشيخ الصوفي وقدمه)(ص 26) و (عملة يا قسيس. إعبُد القرد نَعبُدُه)(ص28)، ومثل هذا كثير. كما أنّ الكاتب يرسم من خلال حكاياته الصور المختلفة لحياة وأسلوب معيشة وتفكير قطاعات مختلفة من الشعب الفلسطيني أيام الانتداب البريطاني وفي العهد الإسرائيلي، وبذكاء كبير يُدخل القارئ في قصة "جرّة العجوز" التي خدعت أولادها بما تحويه حتى تضمن اعتناءهم بها، وبذلك مَهّد لما يُمكن أن تُخبّئه جرّة مصطفي (والد خليل) من مفاجأة غير متوقّعة، ولم تَقِلّ دراميّة قصّة جرّة العجوز عن دراميّة قصّة جرّة والد مصطفى، ومثل هذه الدراميّة الأخّاذة والمتميّز بها محمد علي طه في قصصه نجدها في أغلب الحكايات التي وردت مثل قصّة محيي الدين بن عربي (ص26) وقصّة قسيس شفاعمرو (ص 28 ).

يمكننا اعتبار فصل "الجرّة" قصّة قائمة بذاتها، ففيها تكتمل كل عناصر القصّة المطلوبة، لكن الكاتب جعلها مدخلا ناجحا لقصة مصطفي جابر بلوط، ففي هذا الفصل قدّم لنا مصطفى بلوط شخصية لها مكانتها وذلك من خلال الجمهور الغفير الذي شارك في تشييع جثمانه والكلمات التأبينية التي قيلت فيه، كذلك أعطانا بعض المعلومات عن شخصيته، أنّه كان في السابعة يوم احتل الإنكليز البلاد، كما شهد احتلال اليهود للبلاد أيضا. وأنّه كان ضمن الذين وشى بهم الأفندي وأُبعدوا مدّة سبعة أشهرعن البلدة، وبعد عودته حمل الهوية الحمراء التي تَعني أنّه ساكن مُؤقّت مُعَرّض للطّرد. وأسبغ على شخصيّة مصطفى نوعا من الرّهبة والغموض وذلك بعلاقته مع أفراد أسرته أو تصرّفه بالجرّة التي يحرص على حمايتها والمحافظة عليها والتحذير من الاقتراب منها، ممّا أثار حبّ الاستطلاع والرغبة في كشف السرّ الذي تَحويه الجرّة وسرّ مصطفى بلوط المعتدّ بنفسه والبارز في قوله: "وهل يجرؤ أحد أن يقترب من مصطفى بلوط؟" (ص 23).

البساطة والعَفويّة والجَمالية الفنيّة في سيرة مصطفى بلوط

       ذكرت في البداية أنّ الرواية تتمحور حول شخصيّة إنسان واحد هو مصطفى. وصاحب السيرة نفسه مصطفى، سمّاها بأسلوب السّجع الذي كان مُتّبعا في كتابة السّيَر "سرّ اللسان المربوط" للعبد الفقير مصطفى بلوط". واعتدادا بنفسه بدأها بفصل سمّاه "أنساب الأشراف" رغم ادراكه لنسبه الشعبي المتدني اجتماعيا، ولكنه كما يبدو آمن بأن قيمة الانسان ومكانته وتقبّل الناس له تتحدّد به هو وبتصرفاته وعلاقاته وليس بانتمائه العائلي أو القبَلي. وحتى في الإشارة إلى انتمائه لشجرة، أراد أن يُؤكد أهميتَه المتميّزة بأنّ انتماءه هو للأرض والوطن وليس لإنسان، وفي ذلك ميّزة له يُفاخر بها. فالشجرة، على عكس الانسان، "كريمة معطاءة لا تُنافق ولا تتآمر ولا تخون" (ص 36).

       التزمت سيرة مصطفى بتدرّجها الهَرَمي حيث يتَنقّل في سيرة حياته من يوم ولادته حتى النهاية، واصفا حياته البائسة وعلاقاته المتشعبة في القرية ومن ثم انتقاله لحياة المدينة وانخراطه في العمل الثوري حتى يوم إلقاء السلاح ووداع الرفاق وانتظار الآتي.

       لم يُبالغ في وصف البطولات، ولم ينسب لنفسه أعمالا خارقة في مقاومة الاحتلال، وإنّما التزم الصدق وصوّر الواقع على بساطته والناس على عفَويّتهم وتَنوعهم واختلافاتهم. حتى في حديثه عن الأفندي المستغل لم يكن حاقدا وعندما كان بإمكانه الانتقام منه وإذلاله لم ينتقم، كذلك في حربه ضد الجند الإنكليز لم يكن حاقدا ولم يفكّر بالإنتقام لمقتل والده جابر وإنّما حاربهم كمناضل يُدافع عن حريّة وطنه ضدّ المحتل الغريب.

       تغلب على فصول قصّة مصطفى العَفَويّة في تَقديم الأحداث وتصويرها بلغة عاديّة بسيطة بعيدة عن المبالغة، مقرّبا إيّاها من لغة الناس بكثرة الأمثال التي يضمنها إيّاها وببعض الآيات القرآنية والقصص التي يذكرها. وأحيانا نراه يخرج عن البساطة في التعبير ليأتي بأوصاف جميلة وتشبيهات أخّاذة ولغة شاعرية كما في قول مصطفى "ولدتُ من شجرة، من برعم من براعمها أو من ثمرة من ثمارها أو خرجتُ من جذعها كما ولد إله الحب والجمال في مروج تلك البلدة التي ولدت فيها أمي"(ص35). وقول مرزوق في وصفه لهند التي سحرته " فإذا أطلّت بوجهها المنير شاهدتُ ملاكا يُقابلني، تنظر إليّ بعينيها الخضراوين مثل اخضرار العشب في آذار .. ولها فم مثل شقائق النعمان عندما تتفتّح في شباط، وحينما تتكلّم تبدو أسنانها مثل الأقحوان"(ص 70).

            وكما في مفتتح الرواية، فصل الجرّة، نجد الكاتب محمد علي طه يُكثر من ذكر الطيور والأعشاب والأزهار التي نعرفها في بلادنا. ويهتمّ بسرد بعض الحكايات التي يتناقلها الناس، ويُحافظ على جمالية الحكاية وحبكتها وتكاملها وتقديمها بصورة جميلة أخّاذة كحكاية "سليمان والضبع" (ص56-57).وقد اهتم الكاتب أن ينهي كل فصل بكلمات "وبقي السرّ مكتوما بيننا" حتى غدت هذه الكلمات تشكل اللازمة التي تصل بين فصول الرواية وتؤكد على أنّ هناك سرا لم ينكشف بعد ويحرص الكل على إبقائه إلى حين تأتي الساعة، سرّ  يُثير الكثير من التساؤلات والرغبات والتوقعات، وقد تكون من الأوهام التي يُريدنا الكاتب أن نُُتابع السعي لاكتشافها، لأن في متابعة السعي وعدم القبول بالواقع يتقرر مصير الواحد والمجموع ويتحدد شكل التاريخ الذي يُكتَب.   

        لم يحصر الكاتب البطولة في شخصية مصطفى،  ففي الحياة اليومية في القرية كان مصطفى واحدا من كثيرين يقومون بالأعمال العادية في الأرض وفي البيت، ولم يكن يتميّز عن غيره وإن حاول ونجح في بعض المشاهد كقصته عندما داهم بيت الأفندي وسرق زيتا، أو عندما أفشل شيخ الشباب ساعة أراد وَضع الإشارة على القبر، وفي ادعائه أن الجن خافه وتحدّث معه، ومن ثم مغامراته مع زوجة الأفندي. كذلك لم يختلف عن رفاقه في القتال في صفوف الثورة ضدّ الإنكليز. فاختياره للقياده ليس لأفضليته وإنما لكونه ابن المنطقة والبلدة التي كانت مسرحا للمواجهة. وبهذا انعدمت البطولة الفردية في الرواية وتوزّعت على العديد من الشخصيات في مستوياتها المختلفة، وكان الاهتمام يتناول جوانب مختلفة من حياتها وعلاقاتاتها وتفكيرها.

       لكن التمركز والتمحور انصبّ على مصطفى وهو الشخصية التي كانت تنكشف علينا بالجديد مع كل فصل فتثيرنا وتشدنا وتدفعنا لطلب المزيد من التفصيلات، ولهذا نستطيع الإدّعاء أنّ الكاتب رغم رغبته في توزيع البطولة، وكأن سيرة مصطفى هي سيرة الجميع إلاّ أن ّ مصطفى كان المختلف والمحور ومركز الاهتمام، وبهذا حافظ الكاتب على مركزية البطولة وحصرها. وأحيانا كان يُبالغ في مشاهد بطولة مصطفى فينسب إليه مشاهد غرائبية غير معقولة مثل مشهد مراوغة كلب الأفندي ومخادعته وحمله وإقفال الباب عليه والكلب مرتاح في نومته الدافئة (ص50-51) ومشاهد فيها من الخيال أكثر من الواقع المنطقي مثل اعتراض مصطفي لطريق اللبانات وتحميله لتميمة رسائل لعبد الله دون سابق تحضير لذلك (ص 137-142) أو عندما حمّل تميمة المسدس الذي أطلق منه النار على حاكم عكا وانتظارها في الطريق لأخذ المسدس رغم ما في ذلك من مخاطرة بحياتها وسمعتها(ص152) كذلك إلقاء مصطفى لمقاطع من قصيدة عوض المشهورة التي يحبها الفهد (ص152-153)، فلماذا هذا الغناء وهذه القصيدة وكيف يستقيمان مع الموقف بعد اطلاق النار على الحاكم والخوف والترقب وحالة الاستنفار وانتشار العساكر والقلق على تميمة، ولماذا هذه القصيدة التي تتحدّث عن السجن والسجين وخيانة الحكلم العرب وما علاقتها بمشهد كله بطولة ونجاح واعتزاز بعد اطلاق الرصاص على الحاكم الانكليزي حتى ولو كان الفهد يحبّها ومصطفى يحفظها؟. وهناك كانت مشاهد قريبة من المشاهد السينمائيّة ومتأثّرة بها مثل مشهد دخول مصطفى لمخدع زوجة الأفندي (ص83) ومشهد مهاجمة مصطفى لبيت الأفندي وقتل عبدالله (ص189-192). وثمّة مشاهد غاية في الجمال مثل مشهد مناجاة مرزوق للعصا متخيلا هند محبوبته متمثلة فيها (ص70)، ومشهد العصفورة تحدّق ببقجة الفهد وتغرّد تغريدا أسيان حزينا (ص199).

         ذكرتُ أنّ رواية محمد علي طه هذه تدخل ضمن المحاولات الفلسطينية لاستعادة التاريخ وكتابته، وبالفعل ينجح الكاتب باستعادة أيام ثورة 1936 التي خاضها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الانكليزي لفلسطين ولكنه يختصر الأحداث في منطقة محصورة في الجليل، وعلى أعمال فردية محليّة تفتقد للقيادة العليا الواسعة وللخطة الحربية الشاملة وللموقف الاستراتيجي العام. أعمال يقوم بها أفراد يُنجدهم آخرون  بحماس وطني غير منظم يجرف العواطف الشعبية وراءه ولكنه سرعان ما يتراجع ويضعف ويخبو مع تغيّر الأشخاص والأحداث والدوافع. كان محمد علي طه صادقا وواضحا وواقعيّا في وصفه للأحداث المحدودة ولمفاهيم الرجال الذين قاموا بها وموقف الناس العاديين منهم ومنها. فلم يُسلط الأضواء على المواقف البطولية فقط، ولم يُضخم منها ومن فعاليتها وتأثيرها، ولم يُبالغ في تصوير اندفاع الناس تأييدا للثورة وإنّما صوّر اختلاف مواقفهم، وحتى مواقف خيانة البعض أو حياديتهم، وبهذا نراه في إعادته لرسم تلك الفترة يوقفنا على بؤس حالة الناس وسطوة الزعماء والأفندية والمشايخ الذين كانوا يتحكمون بمصائر الناس ويقامرون بحياتهم ومستقبلهم ويبيعون الوطن بأبخس الأثمان، لكنه يؤكد أن جذوة المقاومة لا تخبو ، ودائما يوجد مَن يحمل الراية ويتمرد ويثور ويعمل لاستمرارية المقاومة ويُشدّدد على حقّ الناس في الحياة بكرامة وحرية واستقلال. وينهي الكاتب روايته بإلقاء سرحان لسلاحه ومغادرة أرض المعركة بينما يبقى مصطفى وحيدا مع بندقيته والوطن وتميمة والعصفورة وشجرة البلوط والسر الذي ظلّ ويظل مكتوما ليأتي اليوم الذي سيتكشّف فيه للجميع.

       تأريخية الرواية يُحدّدها عنصران مهمّان ضمن العناصر الأخرى هما: الزمان والمكان. ومحمد علي طه حدّد الفترة الزمنية لروايته والتي تمتد من بداية احتلال الإنكليز لفلسطين حتى يوم رحيلهم وتسليمهم البلاد لليهود. وإن كان محور أحداث الرواية اقتصر على السنوات التي امتدت من احتلال الإنكليز حتى انتهاء ثورة 1936. كذلك حدّد مكان الأحداث وحصرها في منطقة الجليل الشمالي من فلسطين وبالتحديد في القرى القريبة من مدينة عكا.

      وإذا كان تحديده للمكان واقتصاره على منطقة الجليل لا يحمل الدلالات وإنّما نقل صورة لنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإنكليزي زامنت نضالات أخرى في مناطق أخرى أشار إليها خلال الرواية، فإنّ تَحديده الزمني لفترة الانتداب الإنكليزي للبلاد يحمل كلّ الدّلالات والإشارات والاتّهامات. فمقتل جابر بلوط والد مصطفى كان على يد جنود إنكليز ومع بداية الاحتلال للبلاد، والقتل تمّ بدم بارد وبدون سبب مُبَرّر، لكنه بشّر ببداية عهد جديد للبلاد وللشعب العربي الفلسطيني تمثّل بتشديد القيود وزيادة الظلم وتَحديد التحرّكات وملاحقة المناضلين وتقريب الوشاة وسماسرة الأراضي والخونة، وبالمقابل فتح بوابات البلاد أمام الهجرات اليهودية وتشجيع أو التغاضي عن شراء اليهود للأراضي وإقامة المستوطنات وإنشاء المؤسسات وتوّج بإعلان بالفور الشهير ممّا دفع بالأحداث للتأزّم والتّدحرج نحو تفجّر ثورة عام 1936.

      محمد علي طه كباقي المبدعين العرب والفلسطينيين الذين تناولوا تأريخية القضية الفلسطينية أهملوا الفترة العثمانية وما سبقها مع أنّ المؤتمر الصهيوني الأول وإعلان هرتسل حول إقامة الدولة اليهودية في فلسطين حدثا في العهد العثماني، وقد يعود السبب إلى قناعة الشعب العربي والفلسطيني خاصة، أن لا خطر تقسيم واحتلال يتهدّد البلاد، ففلسطين في تاريخها الطويل ظلّت تُشكل جزءا مهما في الكيان العربي رغم أنّها لم تحظ بوحدة جغرافية واستقلال سياسي وإنما توزّعت ما بين بلاد مصر والشام، بلاد مفتوحة على كل الجهات  وناس يتنقلون عبر الأمصار ولا خوف ولا قلق علي مستقبل يجيء.

      كذلك لم يُتابع قصّ الأحداث في العهد الإسرائيلي وإنّما انتهت حكاية أوراق قصة مصطفى مع الإقرار بفشل ثورة عام 1936 ولم يُبق أوراقا غيرها. قد يكون بذلك إشارة إلى الصدمة والوَهن ومن ثمّ العجز والتسليم بالأمر الواقع الذي أصاب جيل مصطفى نتيجة للمصير الرهيب الذي أحاق بالشعب الفلسطيني والأحداث التي ألمّت به وصوّرها الروائي الياس خوري بقدرة فائقة وبانورامية مذهلة في روايته "باب الشمس". وقد يكون أنّ جيل مصطفى قام بدوره ويترك للأجيال القادمة اختيار مصيرها وتحديد عملها وإن كان الكاتب حاول الإيحاء بما يُمكن أن يكون في كلمات سرحان الأخيرة لمصطفى ساعة الوداع. لكن صمت مصطفى واستعادته لأحداث من حياته في العهد الإنكليزي وصمته المّطبَق عن ذكر أي حدث بعد عام 1948 يدل على أنّه اعترف بفشل جيله في منع ما حدث وترك لجيل الأبناء والأحفاد الحريّة في اختيار طريقهم.

      محمد علي طه في روايته "سيرة بني بلوط" حاول استرجاع التاريخ بحياء مَن لا يُريد الاعتراف بالذنب وبمسؤوليته عمّا جرى وإنّما تحميل المستعمر كلّ المسؤولية، لكنه ولرغبته في قول الحقيقة وفي نقل الصورة الواقعية، ورغبة في استعادة الوقائع واستخلاص الدروس والعبر يصوّر الوضع البائس للوعي الجماهيري وضحالة الاستعدادات لمواجهة المخاطر وانعدام القيادة مع خيانة الأنظمة العربية ومساعدة قيادات وفئات عديدة من الشعب للمحتل الغريب والمساهمة في بيع الأراضي والدعوة لترك القتال والقبول بالوساطات وانتظار الفرج.

     رواية "سيرة بني بلوط" فصل مهم ولازم، فيه اتّهام واعتراف ودعوة لاستخلاص الدروس، يُضاف إلى الفصول الأخرى التي سجّلها ويُسجلها المبدعون  في كتاب تاريخ الشعب الفلسطيني.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi