د. نـبـيـه القــاسم

"العسَل البرّي" آخر مجموعة قصصية تصدر قبل شهرين للكاتب محمد علي طه عن دار الشروق
في عمان. وما يُثير اهتمام المُتابع لإصدارات قصص محمد علي طه في قصص هذه المجموعة
النزوع نحو التحرّر من قيود المواضيع والأساليب التي تميّز بها الكاتب في معظم قصصه
السابقة. وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير.
تضم
المجموعة ثماني قصص قصيرة وتسع قصص قصيرة قصيرة جدّا. ومن بين الثماني قصص القصيرة
فقط قصة واحدة هي قصة "أجمل عريس في الدنيا" وكذلك قصة واحدة من القصص القصيرة جدا
هي قصة "الجدار" تناولت قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
قصة "أجمل عريس في الدنيا" عادية ولا تخرج عمّا عهدناه في قصص الكاتب
القصيرة السابقة من طرح لقضية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية عام 1967
ووحدة الشعب الفلسطيني في رفضه ومقاومته لهذا الاحتلال يوميا، كما أن القصة كانت
تقليدية في بنائها ومترهلة في تفاصيلها حيث كان يفضل لو اختصر الكثير من مشهد
النسوة واقتصره على تَحلقهنّ حول الجثمان والنَّدْب عليه ، لكن كما تعوّدنا من
الكاتب فهو يصر على التغلغل في عالم النساء وكشف ما تخبئ الواحدة من رغبات وتمنيات
ومشاعر وآراء في كل ما يتعلق بعلاقتها مع الرجل. لكن الإطالة في المشهد والرغبة في
التفاصيل جعلته غير مقنع وزائدا، ويفضل الاستغناء عنه.
بينما كانت قصة "الجدار" ناجحة جدا في طرحها للقضية وتجنيدها للقارئ ضد
الاحتلال، فالكاتب ابتعد عن الشعارات والتعابير الانفعالية الصاخبة وترك الوالد
وابنه يتحدثان بهدوء. الابن يسأل راغبا في معرفة الجواب والوالد يجيب بهدوء وبكلمات
بسيطة ومحددة وذات دلالات وإيحاءات بعيدة ومتعددة. غير واثق من قدرة ولده باسل ابن
السادسة على الفهم. الإبن ينظر إلى جدار الاسمنت المسلح العالي المترامي أمامهما
ويسأل والده : هل نهاية العالم هنا؟ فيجيبه الأب : ربما. ولم يقتنع باسل بالجواب
فيسأله : ماذا تعني ربما؟ يردّ الأب بذكاء وهدوء وإثارة: ربما نهاية العالم هنا
وربما بداية العالم هنا. وإذ يقول له ابنه : لا أفهم شيئا. يتمتم الأب: وأنا أيضا.
لكن
هذا الطفل الذكي، وقد بدأ يستوعب ما يعنيه بناء مثل هذا الجدار بعد أن سمع جواب
والده: بأنهم بنوا الجدار "كي يحجزوا ضوء القمر ونسيم البحر ويمنعوا بزوغ الفجر.
سحب راحته من راحة والده وأخرج طبشورة من جيب بنطاله وكتب على الجدار متحديا
بُناته: لن تحجزوا ضوء القمر. لن تمنعوا بزوغ الفجر". (ص123)
نجاح قصة الجدار لم تكن فقط في الطرح الذكي للقضية وإنما في الحوار الهادئ الذي دار
بين الوالد وابنه، والجمل القصيرة، والكلمات المحددة، والدلالات البعيدة العميقة،
والابتعاد عن كل تفصيل لا حاجة له وعن كل زيادة يُسْتَغنى عنها.
ومثلها كانت قصة " الجامع الصغير" حادّة في طرحها لوضع العربي في هذه البلاد بعد أن
كان هو صاحبها وسيدها ومُدبّر أمرها. فكما تَوارى "الجامع" الذي بناه الظاهرُ عمر
بين البنايات الضخمة التي تحيط به، وفي الحارة الغريبة عنه، والمدينة المُتنكرة له،
هكذا هي حالة العربي المتراجعة دوما لتضمحل وتتوارى وسط السّعي المُتكالب لطَمس
الحقّ العربي والوجودِ العربي في هذه البلاد.
وبينما اعتمد الكاتب في قصة "الجدار" على الحوار المكثف الجميل، فانه في قصة
"الجامع الصغير" اعتمد الجمل الخبرية الحادّة الواضحة في مفرداتها ومَقاصدها.
وابتدأ كلّ جملة بكلمة "الجامع" ليؤكد للقارئ فداحة الخَطب، فالجامع الذي بناه
الظاهر عمر، وعُرِف بجامع النصر، وجعله في حراسة السرايا ليضمنَ استمراريةَ
الاهتمام به والمحافظة عليه، ورأى فيه الناس رمزا لتراثهم وارتباطهم بوطنهم وأرضهم
يتوارى ويتراجع ويصغر بسبب ما يطرأ حوله يوميا، تماما كما يحدث للانسان العربي قي
هذه البلاد، حيث يجد نفسَه مُهدّدا يوميا في وجوده المعنوي والسياسي والاقتصادي
والاجتماعي وحتى الجسدي. ولهذا كان التّماهي ما بين الانسان العربي والجامع، وكلما
ينظر في المرآة يجد أنه هو الجامع الصغير.
كان
محمد علي طه، في قصصه السابقة التي تناول فيها الصراعَ الفلسطيني الاسرائيلي ووضْعَ
أهلنا في الأراضي المحتلة ومقاومتهم للاحتلال، يهتم بتَحديد مكان وزمان القصة
(مخيّم الدهيشة، تل الزعتر، الزيب ، إلخ" لكنّه في قصة "أجمل عريس" وقصة "الجدار"
اختار تجاهل تحديد المكان، ونبّه القارئ إلى عدم جدوى البحث في الخريطة عن اسم
البلدة التي تجري فيها الأحداث لأنه لن يجدها "أرجوكم ألاّ تُجهدوا أنفسَكم في
البحث عنها في الأطالس المحفوظة في مكاتبكم وخزائنكم من أيام الدراسة في القرية أو
المدينة أو في خرائط فلسطين الانتدابية المعلقة في مكاتبكم أو على جدران بيوتكم
للذكرى، فلن تجدوها ولو استغثتم بسراج وفتيلة، وشموع وعَدَسات"(ص79). وقد يكون
الاسم وهميا من اختلاق الكاتب، ولكنه خلال السّرد عَرّفنا أنها تقع في الجهة
الغربية الجنوبية لمدينة نابلس.
كذلك في قصة "الجدار" لم يُحدّد مكانَ الجدار ولا الزمن الذي حدثت فيه القصة،
وكأننا بالكاتب أراد أنْ يتعالى عن التّخْصيص في طرحه لقضية الحرية والاستقلال
ومقاومة الاحتلال وسياسة الفَصْل العنصري، ويُقَرّر أنها لم تَعُدْ تخصّ الشعبَ
الفلسطيني وحدَه في هذا العالم، وإنّما هي قضيّة كل انسان أيّا كان.
قد
تبدو مواضيع قصص المجموعة عادية، وهي كذلك إذا اكتفينا بالتوقف عند المواضيع التي
عالجتها، لكنها تبدو في غاية التجديد والتطوّر والخروج من الدائرة إذا ما استذكرنا
المجموعات القَصصيّة السابقة للكاتب، ويتعدّى ذلك إلى كَيْفيّة طرح المواضيع
والفنيّة في العَرض والسرد والتوزيع والحوار والرّسم للمشاهد والشخصيات.
فالحاجة راضية كانت قانعة بحياتها وبما كُتِب عليها، تعيش حياتها مع قطتها "روزا"
وسط أهل بلدتها تشاطرهم الحياة بكل همومها وحلاوتها، تؤدي فروض الصلاة في مواعيدها
"تُصلّي الركعات الأربع وتبقى على سجادة الصلاة دقائق طويلة رافعة راحتيها متضرعة
مبتهلة تُردد دعاءها وتمسح جبينها ووجهها ثم تتناول سبحتها أم تسع وتسعين خرزة
وتأخذ بالتسبيح والتكبير والحمدلة والحوقلة حتى تبتسم الغزالة من وراء الجبل الشرقي
فتنهض لتمارس عملها في البيت أو الساحة أو الحديقة الصغيرة"(ص9) . حتى دخل حياتها
وشاطرها بيتها العصفور الصغير الذي خلّصته من براثن قطتها، فتبدلت حياتها وتغيّرت
أحوالها وانشغلت أوقاتها ولم تعد الحاجة راضية التي عرفها أهل بلدتها.
ومثل الحاجة راضية كان الكاتب في قصة "العَسَل البرّي"، قبل أن يلتقي بسميح الصفدي
على شاطئ البحر، راضيا ببرنامجه اليومي الذي يتلخص كما يقول " منذ الفاتح من حزيران
حتى غرّة تشرين الثاني هوالوصول إلى شاطئ المرجان في الساعة السابعة صباحا والسير
السريع على الشاطئ لمدة ساعة كاملة ثم الاستراحة ربع ساعة ثم السباحة لمدة نصف ساعة
فالاستحمام ودخول المقهى وشرب زجاجة من عصير الليمون أو زجاجة من البيرة
المثلجة."(ص32).
ويُتابع في التفصيل " فمنذ عشر سنوات وأنا أمارس هذه الهواية. أمشي. أركض. أتمدّد
على الرمال. أسبح. أغني. أفكّر بما سأكتبه. أحاورُ أبطال قصصي.. أشربُ العصيرَ.
آكلُ البوظة. أشربُ البيرةَ المثلجة.. والأهم من ذلك – أرجو أن يبقى الأمر سرّا
بيني وبينكم – أتمتّع برؤية الأجسامَ الأنثويّة الشابة الجميلة الفائرة الثائرة
التي لا يسترها إلاّ قطعة قماش غائبة خجلة كانت تُسَمّى مايوها ذات مرّة. لا أحد
هنا يعرفني. ولا أحد يُزعجني. ولا أحد يُراقبني. ولا أحد ينتقدني على نظراتي
الجائعة الشهوانيّة ويقول لي: عيب يا رجل. استحِ على شعرك الأبيض. عيناك تزنيان!"
(ص 32).
وبعد أنْ تعدّى سميح الصفدي على خلوته، وسَرد على مَسْمَعَيْه قصتَه مع جارته
اضطربت أحوال كاتبنا، وباعدته الراحة، ولازمه القلق، وهربت منه الكلمات حتى شكا
حالته لصديقه، وأثار تساؤل وخوف زوجته التي هرعت إليه لتطمئن على سلامته بعد أن
سمعته يشتم سميح الصفدي (المجهول بالنسبة لها) ويتّهمه بأنه لا ينام ولا يدعه ينام
(ص 30).
ولم
تختلف حال زكي أبو شريف بطل قصة "الدنيا للشاطر" فهو أيضا كان راضيا بحياته قانعا
بأيامه، اعتاد أنْ يُدخن النرجيلة ويشرب الشاي بالنعنع في مقهى السلطان بعكا
القديمة وبعد ذلك يعود إلى بيته راضيا مَرضيا لتستقبله أمه بالبسمة والدعاء حتى كان
وفاجأه في جلسته زميل دراسة بعيد واجتهد أن يخرجه من روتين حياته ليأخذه معه إلى
عالم المال والثروات. ورغم تمنعه في البداية إلاّ أنه اقتنع بحكمة وشطارة زميله
فوعده خيرا واتفق معه على العمل سوية وعاد إلى البيت والعمل الجديد يشغل باله مما
دفع أمه للاقتراب منه ووضع راحتها على جبينه والتحديق به وسؤاله باهتمام وقلق عمّا
به لتُفاجأ بجوابه غير المنطقي وغير المفهوم، فتدعو له بسلامة العقل.(ص135)
هكذا يريد الكاتب أن يقول لنا: حياة الواحد منّا تسير في خطّها المستقيم، وترتاح
لعاداتها وديمومتها، وتعتاد عليها وترجو استمراريتها إلى أن يتعدى عليها ويُخَلخل
مسارَها ويُشكك في سلامتها طارئ غريب لم نتوقعه، فيُشككنا بكلّ وجودنا، ويدفعنا
لحياة جديدة هي غير التي اعتدناها، فنتغيّر بتغيّرها، ونصبح غيرَ الذي كنّا، ونسعى
إلى تحقيق ما لم نكن نحلم به.
دخول العصفور على بيت الحاجة راضية جعلها تغيّر نظرتها تجاه نفسها، وأسلوب حياتها
اليومي، وعلاقاتها بقطتها والناس القريبين منها. وتعرف أنّ هناك ما يستحق أن تعيش
من أجله، وتعمل لتحقيقه غير الذي اعتادت عليه. قد تكون أخطأت في تقييدها لحريّة
العصفور بوضعه في القفص، ولكنها كانت ترى في القفص مأمنه من غدر القطة. وإذ كانت
تخرجه من القفص ليلعب ويطير ويفرح معها لم تكن تدري أنه سيتركها ويغادر قفصه والبيت
لأنه ملّ حياته الروتينية المتكررة وانطلق ليبني حياة جديدة مع عصفورته. ولم تدر
الحاجة راضية أنّها بانشغالها بالعصفور الذي كسر لها روتين أيامها وأدخل الفرح
والسعادة والرغبة في الحياة إلى قلبها قد أهملت قطتها روزا بل أصبحت ترى فيها
المهدّدة لسعادتها بتهديدها حياة العصفور. كذلك انشغلت عن جارتها وغيرها بانهماكها
بعصفورها الحبيب الصغير. وهكذا يقول لنا الكاتب لا سعادة لواحدنا إلاّ على حساب
سعادة الآخر. فأنْ نبحث عن سعادتنا وفرحتنا وتحقيق أملنا، يعني أنْ نحرمَ غيرَنا
سعادته وفرحته وفرصته في تحقيق أمله.
ولم
يدع سميح الصفدي في قصة "العسل البري" كاتبَنا في خلوته وحياته التي اعتادَها وانما
خلخل قواعدَها وضعضع أعمدتها، فعرف الأرق والقلق والضياع إلى أن وجد الحلّ الذي
يضمن له السعادة المرجوة التي حلم بها سنوات عمره الأخيرة وهو يُراقب الأجساد
الأنثوية الممتنعة عليه على شاطئ المرجان. لكن سميح الصفدي لم يكن المغفل الذي وجد
فيه كاتبنا ضحيته، فقد رفض نصيحةَ كاتبنا له بترك هالة الجميلة، وتركَه يمصمص
أصابعَه نَدَما وحَسَدا وتَشوّقا وقَهْرا، وابتعد عنه وقد قلبَ حياته رأسا على عقب،
ولم يجد ما يُخلّصه مما هو فيه إلا كتابة قصة سميح الصفدي وغاويته هالة، لعل كتابة
القصة تُوفّر للكاتب الراحة وتُعيد له بعض الثقة بنفسه.
ولحظة الكشف عن الذات الداخلية وأسرارها في كل واحد منّا تبدو واضحة في نهاية قصة
"العسل البري":
"
قلتُ: وجدتها. حينما يعود زوجها زره في بيته واطلب منه أنْ يأخذك معه للعمل في
الجنوب. إنّ الجواب والحلّ عند زوجها.
نظر (سميح) إليّ نظرة غريبة.. فيها سؤال..وفيها ضياع.. وفيها استياء..
وفيها .. وفيها!!
قام عن الكرسي .. ومشى.
شيّعته بنظراتي..
يا
سميح الصفدي.. تفطرُ العسل البريّ وتبحث عن الحنظل!!؟
أينَ ذهبتَ؟
هناك شيء ما أودّ أن أقوله لك.. أشياء.. لا بدّ أنْ تسمعها..
هل
قلتَ لي كلّ ما عندك لأقولَ لك كلّ ما عندي؟
لا
أعتقد..لا أعتقد.."(ص 46)
وأنا أيضا لا أعتقد. فقد أخفى الكاتبُ أضعافَ أضعاف ما أفشى.
وهذا الكشف اللائرادي عن الذات الداخلية يبدو بشفافيته ووضوحه وصدقه في قصة
""الدنيا للشاطر" فزكي أبو شريف بطل القصة القانع بحياته المرتاح لنَفَس الأرجيلة
ورَشفات الشاي مع النعنع في مقهى ليالي السلطان في عكا القديمة كانت نفسه النائمة
تتشوّق لحياة البَذخ والمال والغنى التي حرمت منها ، وما كاد زميل الدراسة يدغدغ
فيه هذه الأحلام المكبوته حتى استفزها وأثارها فتملكته وحَرَفت به عن طريق القناعة
التي عاشها ورضي بها رغم أنه كان يعرف ماذا يعني اختيار الطريق التي رسمها له زميله
القديم، وأيّ سعادة ستحقق له وأيّ أحلام ستكون على حساب سعادة وأحلام الغير،
والوصول لتحقيقها سيكون باختيار طُرُق الخداع والكذب والغش والغدر وما شابه. ولكنها
النفس الأمّارة بالسوء التي تدفع بصاحبها لخوض غمار الحياة الجديد دون الاهتمام بما
قد تُلاقي من صعاب ومَشقّات وانتكاسات ودمار.
هذه
هي دواخلنا التي يُعرّيها لنا الكاتب بفنيّة وقُدرة وصدق.
ومثل هذه المصداقيّة والشفافية والقُدرة في الكشف عن دواخل الذات الانسانية نجدها
في قصة "المسخوط" حيث انكشاف الذات الداخلية على حقيقتها تَبَدّى في تَحوّل الزوج
سين-راء إلى مخلوق له حافرا حمار ووجه ذئب صحراوي، وزوجته تحولت إلى كلبة تنبح،
والطبيب تحوّل إلى تيس ماعز. حيث جسّدت هذه التحوّلات غير المعقولة ما كانت تتصفُ
به كلّ ذات داخلية لكلّ من الزوج والزوجة والطبيب.
كذلك في قصة "عزيزي السيد شوباتيرو" نرى الذات الداخلية تُحَقّق رغباتها ونوازعها
المخفية التي لم تجسر على الكشف عنها في اللقاء بالغانية في جنيف في لقائها بها
ثانية، ولو بالحلم، في فندق في القاهرة بعد سنوات.
وفي
قصة "جريمة قتل" نرى الذات الداخلية تحقق رغبتها في أن تقتل. فسالم النجار الذي كره
زوجته فتركته وغادرت البيت تمنى لو بإمكانه أن يقتلها وينتقمَ منها ومن الذي سبّبَ
ابتعادَها عنه. فساقته نوازعه الداخلية إلى مركز الشرطة ليُساهم في التعرّف على جثة
قتيل، لكنّه سرعان ما يجد نفسَه المتهم بجريمة القتل ويُلقى عليه القبض.
وهذا التعرّي للذات الداخلية وكشف أسرارها التي تجتهد في التستر عليها أمام الناس
نجده في قصة "حلم" وقصة "فراق" حيث حقق الراوي، ومثله الفتاة في قصة "فراق" في
الحلم ما عجز عنه كل منهما في الحياة. وأيضا حققت السيدة في قصة "أمومة" رغبتها
الداخلية في أن يكون لها ابن تضُمّه وتحضُنه برؤيتها للأطفال الذين يرافقون ذويهم
إلى المدرسة (ص117). ومثلها، حقّق الرجل العجوز رغبتَه في الحبّ والعشق في قصة
"العاشق" حيث " كان يجلس على مَقعد مُظَلّل يُقابل بوابة المدرسة الثانوية وينتظر
خروج الطالبات اللاتي يُشبهن القرنفل في الصباح، يتأمل أجسادَهنّ التي تفور أنوثة
وقَصّات الشعر الجريئة وأبراج الحمام والزغاليل والعجيزات المُدَمْلجة.. ويبلع
ريقَه مرّة بعد أخرى. وبعدما تُغادر آخر مقصوفة عمر ينهض ويسير عائدا ببطء ..
ببطء"(ص 120)
وتَعَرّي الذات الداخلية وانكشافُها والبوحُ بأسرارها يقودنا إلى الموقف الأُحادي
الجانب في نَظرة الكاتب إلى المرأة. فالمرأة في معظم قصصه تَتمثّلُ في الجنس وفي ما
تُثيره في الرجل من نَزَعات وشوق ورغبة واندفاع. فالرجلُ لا يرى في المرأة إلاّ
الجسَدَ الفَتّانَ المُثير "الأجساد الجميلة، الأجساد الأنثويّة طبعا، أجساد لا
تستر عورتها سوى بقايا مايوهات نسيَها مصمّمو الأزياء أو الخيّاطون. أجساد تستقبل
الشمس وتتحدّاها بإشارة النصر، وأجساد تستدبرها وتدع أشعتها تنزلج على الثلج
الحارّ"(ص31) و "أتمتّع برؤية اللأجسام الأنثويّة الشّابة الجميلة الفائرة الثائرة
التي لا يسترها إلاّ قطعة قماش غائبة خجلة كانت تسَمّى مايوها ذات مرّة. لا أحد هنا
يعرفني. لا أحد يُزعجني. ولا أحد يُراقبني. ولا أحد ينتقدني على نظراتي الجائعة
الشهوانيّة ويقول لي: عيب يا رجل. استح على شعرك الأبيض. عيناك تزنيان"(ص32) "، و
"كانت تطلّ من الحمام بجسمها الجميل مثل جسم الملاك.. نهداها يتحدّيانني..
يدعوانني.. فمُها يقول تعال. ثمرتا التوت تقولان تعال. عنقُها العاجي يقول تعال.
قطراتُ الماء على جسدها الأسمر الجميل.. تعال.. تعال" (العسل البري ص 38) و "جسدُ
هالة يدعوني. ثَغْرُها يناديني تعال.. صدرُها يناديني. ثمرةُ الجوز.. تحرق جسدي"
(العسل البري ص 40). و "زهرة زوجة خالي جميلة مثل النساء في حكايات أمي. جديلتان
سوداوان طويلتان تمسّان كفلها البارز. ووجه أبيض مثل القمر البَدر. عينان سوداوان
واسعتان كحّلهما الخالق. أسنان مثل زهر الأقحوان في آذار. وعنق طويل أبيض محمّر..
وصدر.. كفى.. عيب." (شريعة الشيخ مال الله ص53-54). و ""شاهدتُ امرأة جميلة تتهادى
نحونا وقافلة من الابتسامات تمرح على وجهها المُشرق، ويتقدّمها صدر ناهد عامر نافر
يقول لرمان كفر كنّا أقعد على جَنب" (عزيزي السيد شوباتيرو ص95). و "كانت نظراتي
مركّزة على صدرها. ولأوّل وَهلة أعترفُ بأنّني لم أرَ في حياتي امرأة لها مثل هذا
الصدر. عامر ثائر نافر يتحدّى. وسرح خيالي مع نظراتي في مجرى العبير بين نَهْدَيها
مُتصَوّرا النبيذَ الأبيض والقهوة والحليب والتوت والتّمر". (عزيزي السيد شوباتيرو
ص96). و "كانت راحتُها تنام في راحتي وأحاول أن أستبقيها لحظات أخرى وأنا أتأمّل
شعرَها القصير ووجهَها المشرق وفمَها الكرزي وعينيها اللتين بهما مهرجان ألوان
وعنقَها الأبيض.. و.. و.. وصدرَها المُندفع نحوي كاندفاع رأس الكرمل في البحر..
والذي شعرتُ بحرارته وهي تُصافحني .. رياح ناعمة حارّة غمرت وجهي وعنقي" (ص 97). و
"أشرقت الابتسامة من عينيها الجميلتين" و "التقت نظراتي بنوّار النرجس المُتفتّح في
عينيها" و " المرأة الجميلة، الابتسامة المُشرقة كما الصباح الربيعي من عينيها
الواسعتين" و " ابتسمتُ لها فطارت العصافير من شفتَيها. عيناها الجميلتان تدعواني.
تقولان لي: تحرّك! تشجّع!" و " رقد الوردُ على وجنتيها وتبسّم النسرين"(قصة حلم ص
111). و "يجففُ عرقَه بمنديله المعطّر وينتظرُ خروجَ الطالبات اللاتي يُشبهن
القرنفل في الصباح، يتأمل أجسادَهن التي تفورُ أنوثة وقصّات الشعر الجريئة و
وأبراجَ الحمام والزغاليل والعجيزات المُدَمْلجة".(العاشق ص120). و "مرّت صبيّة
فابتسمَتْ وهزّتْ رُمانَتَيها وغنّتْ: رجب .. خُد صاحبَك عني" (يا أمّة ص 121).
والرجل لا يطلبُ من المرأة، كما يبدو في قصص الكاتب، غيرَ الوصال الجنسي. "زوجة
جارنا امرأة، امرأة جميلة. لها صوت ناعم ممزوج بالعسل البريّ. حينما تُناديني يعدو
ألف حصان عربي في عروقي. أجَنّ. وأجري إليها. لبيك لبيك يا جارة وأنسى الدنيا كلّها
معها.. معها."(ص36) و (ولا أدري كيف خلعتُ ملابسي.. وجدتُ نفسي معها في الحمام..
تحت الدش.. في البانيو.. أنا وهي. جسدها وجسدي. شاهدتُ ما كنتُ أجهله. كنتُ
أُلَيّفُها وهي تضحك.. تضحك وتقول لي: على مَهْلك.. وفعلتُ أمورا لم تخطر لي إلاّ
بالأحلام" (العسل البري ص38). و "فدفنتُ رأسي بين نَهْدَيْها.. ماذا أفعل؟ حينما
تكون جائعا والفاكهة الناضجة في مُتناول يدكَ ألا تأكل؟" (العسل البري ص44). و "بدأ
يتذكر أحداثا جميلة وممتعة جرت له في حياته، فتذكر الفتاةَ المغربية الجميلة التي
قضى معها أسبوعا في جنيف، وتبسّم وهو يتذكر غنجَها في السرير وأنين اللذة
وتَرديدَها كلمة يا بوي" (المسخوط ص64) و "شاهد المديرَ العام للشركة المنافسة مع
السكرتيرة في السرير فيما كانت زوجتُه الشقرء مع عشيقها في ناد ليلي" (المسخوط ص65)
و "كانت روز تحبّ زوجَها وتُشاركه في طموحه وتُشجّعه على اللف والنَّهْش ولكنها
كانت تخونُه مع عشيقها الذي اختارته من أجل العَصْرَنة والحياة الحديثة، والأهم من
ذلك أنّ العشيق في يده مفاتيح عديدة للمَصاعد وللتسلّق قد تُساعد زوجَها" (المسخوط
ص76). و "شعرت روز بحرارة جسد الطبيب وبأصابع يدَيه على ظهرها تجسّ ظهرَها وتهبط
روَيدا روَيدا وتشدّ جسدَها إلى جسده.. شعرتْ براحة. راحة تحملها على بساط حريريّ
وتُبعدُها عن المأساة.. وأغمضتْ عينَيْها" (المسخوط ص76). و "شوفي.. كيف فاطمة
بتْحَنّي أصابعَه! بلطافة! تتحسّسُها كأنّه حيّ يُرزَق. نِيّال الحوريّة اللي رايِح
يكون من نصيبها" (أجمل عريس في الدنيا ص88). و "يا نورا. نام الذي كان يربطني
بالنساء نومةَ أهل الكهف. فأجابته: لا تقلق. سأجعله يصحو. هذه مُهمّتي" (عزيزي
السيد شوباتيرو ص98). و "فرحتْ عندما شَمّتْ رائحةَ الأفتَرشيف في لحافها فمدّتْ
ذراعَها الأسمرَ لتضمّه إلى جسدها الذي له رائحة الغابة فذهلت عندما لم تجد أحدا.
فتحت عينَيها تبحثُ عنه في سريرها فلم تجده. جلست على حافّة السرير وبحثت عنه في
غرفة نومها ولم تجده. عادت تبحث عن رائحة الأفترشيف في لحافها ولم تجدها" (فراق
ص116).
هكذا تبدو المرأة في قصص المجموعة، اللعوب الفاتنة الجميلة المثيرة التي تستغل
مفاتنَها الجسدية لإثارة الرجل الذي لا يرى فيها غير الجسد الجميل المثير فينساق
وراءها ويقع في حبائلها.
فالحبّ وما يُرافقه من لحظات السعادة وساعات الألَم والتّغلغل في نفسية وفؤاد
الحبيبين ، والأحلام الجميلة التي يرسمانها معا، والجلسات الرومانسية، وآلام الشوق
والبُعد والعتاب وفَرحة اللقاء ونشوة الخلوات بعيدا عن عيون الرقباء، كلّ هذه لا
نجدُها في عَلاقة المرأة بالرجل في قصص الكاتب.
لقد
تعرّض الكاتب لظواهر مهمة أخرى يعاني منها المجتمع العربي الكبير مثل مطاردة
المُبدعين والمثقفين وأصحاب الرأي والمواقف التي نشهدها في الكثير من الدول العربية
خاصة في مصر وسوريا (قصة "حارق التراث"). وظاهرة الثقافة السطحية التي تكتسح
المجتمعات العربية، هذه الثقافة التي تنشرها الفضائيات وتُرَوّج لها، وتُبعد شبابنا
وشاباتنا عن السّعي نحو المعرفة الحقيقية والثقافة الواسعة العميقة التي تُبَلور
شخصية الفرد وتصنع رجالَ الغد وفتياته في كل مجتمع (قصة "يا أمّة"). وظاهرة التديّن
السطحي واستغلال جهل الناس لتَمرير الأفكار والمفاهيم المغلوطة والمسيئة لتطوّر
المجتمع وبناء الإنسان المسئول الحر. (قصة "الشيطان").
وظاهرة الاحتيال والغش والركض وراء الغنى والثروة والمركز بأساليب ملتوية مثل
تأسيس جمعيات وطنيّة لا حصر لعددها ترفع شعارات كاذبة تنادي بها "لا بدّ أنّك تذكر
سمير أبو عايشة الذي كان يهتف في المظاهرات: (ما عاد ينفَع غير المَدفع) أسس جمعية
المحافظة على الرغيف العربي ، فدفعوا له وأقام مخبزا يوزّع خبز الطابون على مطاعم
الجليل الغربي وقاعات الأفراح. وخرجت عن صمتي وسألته: ومَن الذي دفع لهؤلاء؟ فردّ:
يا غَشيم هناك صناديق خاصّة لدَعم الأهل الصامدين على تراب الوطن. صندوق الهولي
لاند. وصندوق التضامن. وصندوق حطين. وصندوق بيت لحم. وصندوق القدس. وممثّلو هذه
الصناديق جابوا البلاد طولا وعَرضا. فهززتُ رأسي هزّات عموديّة وأنا أقول: وهل بقي
لها عِرض؟ وتابع: وهناك صناديق أمريكية وأوروبية وفلسطينية وما عليك إلاّ أن تستعمل
شطارتك. تؤسس جمعيّة. تضع أهدافَها. تعرف الصندوق الملائم. أمّا إذا كنتَ تودّ أن
تقفز من القفّة إلى أذنيها فعليك بالصناديق الأمريكية والأوروبية فهي نبع جار.
فقلتُ: مع أمريكا يا رجل!؟ مع راس الحية!؟ فضحك عاليا وقال: ما زلتَ أبله كما
عرفتك. هل أنتَ يساري أكثر من سفيان الرملي. الماركسي اللينيني الذي كان يقود
المظاهرات ويهتف: "علّمنا الحكيم وقال: أمريكا رأس الحية". سفيان عنده اليوم ثلاث
جمعيات. جمعية صحة الطفل. وجمعية تأهيل السجين. وجمعية مجتمع ديمقراطي. الرجل يجلس
على كنز. عنده امبراطورية. الأموال الأمريكية تتدفق عليه من صندوق فورد وصندوق
كارتر وصندوق كندي وصندوق ترومان وصندوق ابراهيم وصندوق اسحق وصندوق يعقوب وصندوق
سارة. وعلى ذمّة أصدقائه فانه ما زال يُزيّنُ مكتبَه بكتاب رأس المال ومجموعة
مختارات لينين. وهذا حقّه. ماركس جاع حتى لا يجوع الناس. أمريكا تُعيد إلينا ما
أخذته منّا. أوروبا تُعيد للجنوب ما سلبه الشمال. هذا حق وطني لنا. الدنيا للشاطر."
(ص131- 133قصة "الدنيا للشاطر").
وبعض القضايا الانسانية مثل معاناة المرأة العاقر أو العانس المحرومة من شعور
الأمومة (قصة "أمومة") ومن قُرب الرجل (قصة "فراق"). ومُعاناة الرجل المتقَدّم
بالسن من الشعور بالعجز والتلهف لمزاولة الجنس والانجذاب نحو فتيات صغيرات في سن
المراهقة (قصة "العاشق"). ومُعاناة المرأة من شعور الوحدة والاهمال بسبب ابتعاد
ز