بموت منيف فقدنا عرّافة العرب وصوت الضمير الحي

 د. نـبـيـه القــاسم

"صباح اليوم مات عبد الرحمن منيف".

بهذه الكلمات همست الكاتبة رضوى عاشور وأنا أجلس برفقتها ورفقة الشاعر مريد البرغوثي في المقهى الثقافي في القاهرة بعد ظهر يوم السبت الموافق 24/1/2004.

          لم أستوعب مفهوم الكلمات للوهلة الأولى، وعندما تملكتني، استولتني حالة خاصة من الشعور بالفقد.

          فعبد الرحمن منيف كان الذي رافقته السنوات والذي رصدت كل كلمة قالها أو قيلت عنه. اجتهدت أن أتغلغل في كل مفردة خطّها وكلّ عبارة كتبها.

          عندما اخترت روايات عبد الرحمن منيف وخاصة خماسية "مدن الملح" لتكون موضوع أطروحتي للحصول على لقب الدكتوراه، كنت أدرك صعوبة الاختيار، وطول الطريق التي عليّ قطعها والأشواك القاسية التي سيكون عليّ اجتيازها. ولكنني اخترت، وكان اختياري الذي أردت.

          لقائي الأول بمنيف كان قراءتي لروايته "شرق المتوسط" التي أخذتني بروعتها وشدتني إلى هذا الكاتب الذي لم أسمع به من قبل، وأخذت أترصد ما يكتب، حتى كانت قراءتي لروايته "النهايات" وذلك العالم الساحر الغريب الصحراوي الذي أدخلني إليه. وأوصلني للغوص فيه كلياً في خماسية "مدن الملح".

          ما تميّز به عبد الرحمن منيف أنه جاء إلى عالم الإبداع الروائي وهو في الأربعين من عمره وبعد أن خاض غمار العلم والعمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وكتب الدراسات في الإقتصاد والعلم والسياسه ووعى العالم الذي يعيش فيه وأدرك أنه عالم بحاجة لثورة تعصف به وتبنيه من جديد، ولكنه أدرك بحسه الإبداعي أنّ ذلك مستحيل في الظروف الراهنة، وأدرك أن دوره في التغيير لن يحقق شيئاً من خلال عمله في السياسه والنشاطات الاجتماعية المختلفة وإنما يمكن تحقيق ذلك من خلال العمل الإبداعي وخاصة الإبداع الروائي، وكانت روايته الأولى "الأشجار واغتيال مرزوق" وتبعتها الروايات الأخرى حتى وصل إلى إنجاز العمل الروائي الابداعي الكبير خماسية "مدن الملح" ثم تبعتها ثلاثية "أرض السواد". إضافة إلى إبداعات أخرى كتبها منيف خلال السنوات الأخيره.

          هموم عبد الرحمن منيف في إبداعاته الروائية تشعبت ولكنها تمحورت في معظمها في القضايا الكبيرة التي تهمّ الإنسان العربي وتشغله، وهي قضايا: الحرية والدمقراطيه وكرامة الإنسان. ففي رواياته أدخلنا إلى السجون في العالم العربي، هذه السجون المظلمة التي تزهق روح الإنسان وتفقده كرامته وتحوله إلى لا شيء. وصوّر لنا عالمنا العربي المحكوم من قبل حكام عملاء للغريب يعملون كل ما يسيء لوطنهم وشعوبهم وكل ما يرضي سيّدهم وغرورهم ومصالحهم الذاتية. وتوقف منيف عند حالة الغربة والانسحاق التي يعيشها المثقف في العالم العربي وكيف أن هذا المثقف لا يجد أمامه إذا ما أراد أن يؤدي دوره تجاه وطنه وشعبه لا يكون له من اختيار إلا بين السجن والغربة. وكثيراً ما يكون الموت الحل المثالي له.

          كان منيف عرّافة العرب بحسّه المعرفي عندما رأى ما يحدث لعالمنا العربي اليوم قبل ثلاثين سنة. فقد شهد بداية التحولات في أرض الصحراء العربية وأحس بالمخاطر المترصدة للوطن العربي والإنسان العربي من تحوّلات الصحراء بثروتها النفطية وشيوخها المستعبَدين للغريب وما سيكون لذلك من أثر على مجمل المنطقة، وبسط ذلك بإسهاب ورويّة ورؤية ثاقبة في خماسيته "مدن الملح".

          لم يحدد منيف في رواياته المكان والزمان لأنه كان مقتنعاً، وهو المنتمي إلى أكثر من قطر عربي، أن لا اختلاف في نمط الحكم والحكام والنظم والسجون في عالمنا العربي، فما يصدق على هذا القطر وهذا النظام، يصدق على غيره، والانسان العربي المعذّب هو نفسه في شرق الوطن العربي وفي غربه.

          عاش منيف يحلم بتحقيق حلمه بالتغيير وبخلق عالم عربي جديد ومستقل، وانسان حر وصاحب كرامة وقدرة على العمل، ولكنه مات وهو يعاني افتقاد الحلم ووهن الجسد. مات لينضم إلى الكوكبة الرائدة من أصحاب الأحلام الكبيرة الذين سبقوه. مات ليتركنا بعده نتابع الحلم ونجترع النكسات والنكبات، ونعيش السجن الكبير والمهانة واغتصاب الغرباء.

          مات منيف.. وافتقدنا عرّافة العرب ونابغتهم وصوت الضمير الحي القوي الذي لم يقوَ الطغاة على إهانته وإخضاعه.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi