في ذكرى رحيل عبد الرحمن منيف:

الشخصية في رواية "مدن الملح"

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

مهما اختلفت الآراء تظل الشخصية هي التي تستحوذ على الاهتمام لدى  تناول اي عمل ابداعي، واذا كانت شخصية البطل في الرواية، كما عرفناها في روايات زولا وبلزاك، قد تلاشت في القرن العشرين، فإن الرواية العربية ظلت تستأثرها وتتميز بها حتى اواسط السبعينيات، وكانت الكثير من الدراسات الادبية تتمحور حول شخصية البطل وتهتم بتصنيفاته، وتُهمل جوانب النص الابداعي الاخرى.
وقد اهتم عبد الرحمن منيف في رواياته الاولى بشخصية البطل مثل: روايات قصة حب مجوسية، شرق المتوسط، حين تركنا الجسر، النهايات، رغم انه كان قد وزع البطولة على شخصيتين في روايته الاولى الاشجار واغتيال مرزوق. بينما قصد عدم وجود مثل هذا البطل المركزي الوحيد في رواية مدن الملح.
لا نستطيع في رواية مدن الملح ان نشير الى شخصية محددة على انها الشخصية الرئيسية التي حولها تدور معظم الاحداث وتتشكل الرواية. فرواية مدن الملح تحوي على عدد كبير من الشخصيات، منها المهمة التي تأخذ دورا مهما في الاحداث، ومنها الثانوية التي تلعب دورا اقل اهمية، او مجرد تذكر او تؤدي دورا هامشيا. ولكن كل هذه الشخصيات معا تشكل هذا العالم الواسع الذي ترسمه الرواية.
هذا يعني ان منيف في روايته هذه تأثر بتحوّل موقف النقد الغربي من دور شخصية البطل في الرواية حيث حاول هذا النقد اهمال الشخصية الرئيسية وحتى الغاء دورها كليا، واستغنى عن دور البطل الرئيسي المُوجه للاحداث والشاغل لها، وهو نفسه يفسر هذا التحول في الموقف بقوله: "إن بطل الرواية الفرد، الذي يملأ الساحة كلها، وما الآخرون الذين يحيطون به الا ديكورًا لابرازه واظهار بطولاته، ان هذا البطل الوهمي الذي سيطر على الرواية العالمية فترة طويلة، آن له ان يتنحى، وأن لا يُشغل الا ما يستحقه من مكان وزمان". (الكاتب والمنفى، ص 76)العديد من الشخصيات في مدن الملح تظهر وتختفي بعد ان تقوم بدورها ولا تُذكر ابدا، واصبحت الرواية عبارة عن بانوراما كبيرة متناسقة متكاملة تتوالى فيها الاحداث وتتداخل وتتباعد، ومثلها ايضا الشخصيات التي تقوم بادوارها. وذلك بخلاف ثلاثية نجيب محفوظ، حيث للشخصيات وللاحداث استمرارية واضحة.
وكما في ثلاثية نجيب محفوظ لا توجد الشخصية المتفردة التي تشغل دور البطولة الفردية وانما كل افراد عائلة "السيّد" تقوم بدور البطولة، هكذا ايضا في رواية مدن الملح لم تعد البطولة تقتصر على واحد او اثنين من شخصيات الرواية، وانما اصبحت تتوزع على العديد من الشخصيات التي تحرك الاحداث وتدفعها، ولم تعد تحتمل تلك الصفات المثالية النموذجية للغير، وانما نجد فيها صفات مكروهة ومنفّرة، وقد نجد النموذجين المتناقضين معا في الوقت نفسه، يتصارعان ويحاول احدهما السيطرة على الآخر.
اهمية الشخصية ومدى تأثيرها ودورها في العمل الابداعي، كل هذا يتقرر من خلال فعل الشخصية في النص نفسه، ومع ان الاهتمام لم يعد يتركز بالبطولة الفردية، اي الشخصية المركزية في الرواية التي تتمحور حولها باقي الشخصيات والاحداث، الا ان الشخصية تستطيع ان تفرض الاهتمام بها، مهما كان دورها صغيرا ام كبيرا، من خلال فاعليتها في النص والعلاقات التي تقيمها مع باقي الشخصيات ومع عناصر النص الاخرى، حيث تفرض وجودها وتمنع امكانية حذفها او تجاهلها.
المشترك الوحيد بين عشرات الشخصيات التي تظهر على مسرح الاحداث في رواية مدن الملح انها كلها تسير نحو مستقبل مجهول، نحو النهايات ونحو التيه في بحر من الظلمات، وقد يكون الكاتب قد هدف الى ذلك من خلال اختياره لاسماء اجزاء الرواية. هذه الشخصيات التي تبدو على مسرح الاحداث، منها التي تشق طريقها واثقة من خطواتها وهي لا تدري انها تدفع بنفسها نحو التيه والظلمات والنهاية، ومنها المهزومة التائهة التي تريد تأمين ما يضمن بقاءها في الحياة لا اكثر، ومنها التي لا تجد امامها من حيلة، امام التغير الهائل الذي تشهده في المكان والزمان، الا البكاء والتحسر على الذي كان ولن يعود.
ومن هذه العشرات من الشخصيات التي تظهر وتختفي وينساها القارئ بمجرد ان انتهى دورها، ومنها التي تأخذ قسطا في تطور الفعل ودفع الاحداث ولكنها تكون محدودة في مدى فاعليتها، ومنها شخصيات تفرض وجودها وتدفع بديناميتها ووهجها الاحداث وتظل عنصر جذب وتأثير حتى لو انها اختفت عن المسرح. مثل متعب الهذال الذي رغم اختفائه بعد تدمير وادي العيون في الجزء الاول (التيه، ص 106) من رواية مدن الملح ظل يفرض وجوده على الناس والاحداث لعشرات السنين.
تراكم الشخصيات وعددها الكبير وتوالي الاحداث وتفجرها وانتشارها في كل الاتجاهات والامكنة عبر الازمنة غير المحددة، ليس وحده الذي يميز رواية مدن الملح عن روايات عبد الرحمن منيف الاولى، ففي الروايات الاولى كانت الشخصيات محددة الهوية والتوزيع، واضحة المعالم والاهداف، والاحداث رغم ضخامتها واهميتها الا انها محددة واضحة، والاماكن يمكن التعرف عليها، والزمان يتمحور في زمان القهر العربي الذي يعيشه الانسان العربي منذ خمسينات القرن العشرين.
ما يميز رواية مدن الملح انعدام وجود شخصية المثقف الفاعلة والمحركة التي كانت البارزة بين شخصيات الروايات الاولى، بينما برزت وبقوة الشخصية الشعبية القريبة من الشخصية الملحمية التي افتقرت اليها شخصيات الروايات الاولى وان كانت شخصية "عساف" بطل رواية النهايات تُشكل مدخلا مهما في بلورة الشخصية الشعبية الملحمية التي ظهرت في رواية مدن الملح.
لقد توزعت الشخصيات في الروايات الاولى ما بين الشخصيات المثقفة والشعبية التي تواجه السلطة الحاكمة الظالمة رغم ان الشخصية السلطوية انحصرت في الموظفين الصغار والسجانين الذين لم يكونوا الا ادوات محركة فاقدة للتميز في ملامحها وعملها وفكرها مما ابقاها في حدود النكرات، ولم تبرز في شكل الحاكم الكبير صاحب الفكر والخطة والهدف، بينما في رواية مدن الملح اخذت الشخصية السلطوية مكانها المركزي والفعال في صنع الاحداث وتطورها، وتوزعت على عشرات الشخصيات، من الموظف الصغير حتى تصل الى السلطان بنفسه.
كذلك ظهرت في رواية مدن الملح الشخصيات العديدة التي لم تنتم الى المكان وانما هي وفـَدت اليه طمعا في كسب الغنى والمال، ووجودها كان له الأثر على تغير المكان وتشكله من جديد، ومثل هذه الشخصيات لم تظهر في روايات منيف الاولى.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi