رسالة الدكتوراة للأستاذ نبيه القاسم:

الفن الروائي عند عبد الرحمن مُنيف

 د. بطرس دلِّة

جريدة "الاتحاد" 7.10.2010

        أصدر الدكتور نبيه القاسم حتى الآن العديد من الكتب، تبحث جميعها في الحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية في بلادنا، وقدم وما زال كذلك، خدمة كبيرة للحركة الثقافية كما كرّس قسما من مقالاته الكثيرة لنقد ما يصدر من أنتاج أدبي في البلاد.

       ونحن ليس لدينا أدنى شك في مدى إطلاع الدكتور نبيه القاسم على مختلف المناهج النقدية في اللغة العربية وفي اللغات العالمية على تعدّد هذه المناهج، ولذلك فهو يقف اليوم في طليعة النقاد في بلادنا. لذلك كله، نجده حريصا جدا على ألا يقع في أيّ سَهو أو خلط لأكثر من منهج نقدي في عمله هذا ومن هنا فقد تمحورت دراسته على عالم عبد الرحمن منيف في ثلاث تقنيات أساسية وهي:

المكان، الزمان والشخصية باعتبار هذه التقنيات الوحدات الأساسية التي شكلت بنية الرواية المنيفيّة وأبرزت التميّز في تناول عبد الرحمن منيف لها، كما ركّز في بحثه على إيجاد اختلاف عن غيره من الروائيين الذين سبقوه أو عاصروه على حدّ سواء.

أكاديمية البحث:

 من أجل الدقّة الأكاديمية اضطر الدكتور نبيه القاسم إلى تجميع عدد هائل من المراجع، بلغ عددها كما هو مبين في نهاية البحث مائتين وخمسين مرجعا أكثرها باللغة العربية والقسم الآخر باللغات الغربية.

وكان قد أصدر منذ عام 1979 احد عشر كتابا في النقد الأدبي ومجموعتين من القصص القصيرة، وعشرين كتابا هي عبارة عن مجموعة أبحاث في التاريخ، الثقافة والمجتمع وأضاف ثلاثة كتب في تدريس النصوص الأدبية وقواعد اللغة العربية ونافذة على الأدب العربي الحديث.

       فماذا وجد في الروائي عبد الرحمن منيف ؟

       عبد الرحمن منيف من مواليد عمان عاصمة الأردن عام 1933 لأب سعودي من نجد وأم عراقية، درس الحقوق في جامعة بغداد وتفرّغ للعمل السياسي في المعارضة منذ عام 1952. فطرد من بغداد والتحق بجامعة القاهرة ليُتابع دراسته هناك. ولكنه سافر إلى بغداد عام 1958 حيث تخرّج بلقب دكتور في العلوم الاقتصادية، النفط والأسعار والأسواق عام 1961.

تنّقل بعدها بين سوريا ولبنان والعراق ثم هاجر إلى فرنسا حيث تفرّغ للإنتاج الأدبي، إلا أنّه عاد إلى سوريا بعد خمسة وعشرين عاما أي عام 1986 وبقي في دمشق حتى وفاته في 24 كانون الثاني سنة2004.

لمّا كان الدكتور عبد الرحمن منيف خبيرا في النفط والاقتصاد فقد لمس ما تُمارسه الشركات الأجنبية على السلطات في الدول العربية من قمع واستغلال، لذلك رأى أن يعبر عن نقمته على هذا الاستغلال عن طريق كتابة الرواية. وذلك لأنّ الرواية تستطيع ملامسة القضايا الأساسية التي يحتاجها الكثيرون إلى التعرف والتفاعل معها لكي يروا أنفسهم وما حولهم بشكل أفضل وربما أعمق مما تبدو للوهلة الأولى (منيف 1998، ص 178) (وفي الرواية ص 20).

يقول الدكتور نبيه القاسم في هذا التوجّه للروائي منيف :" هكذا انطلق منيف في عمله الروائي الأول الأشجار واغتيال مرزوق 1973 يكشف عورة الحكام والمؤسّسة السياسية الحاكمة من خلال تناوله نموذجين يُمثلان الإنسان العربي هما: المثقف الحالم الذي يتوهم أنّه قادر على تغيير وضع المجتمع اعتمادا على ثقافته وقدراته وحده فقط، والإنسان الكادح المسحوق الذي يُعاني من أجل حياة أفضل"(ص20-22).

من خلال دراسته لشخصية منيف وتوجهه السياسي في رواياته الأولى وجد فيه مفكرا يحارب العنف والقمع كما يهاجم الأنظمة العربية المسؤولية عن هزيمة عام 1967 مؤكدا أنّ العرب قد هُزموا في هذه الحرب قبل الهزيمة في روايته حين تركنا الجسر من عام 1976 وذلك بسبب ظلم النظام الديكتاتوري العربي الذي يحرم المواطن العربي من حريته!

 كما وجد فيه روائيا ثائرا، فمنيف أراد أن يصوّر ما يشغله بشكل أساسي في عصره وناسه، ولذلك تحوّل إلى لسان حال المثقف الإنسان العربي العادي والشعبي . من هنا نراه يُحاول المساهمة في عملية التغيير الجذري في المجتمع العربي عن طريق الرواية(ص27). ونحن نعرف كقراء أنّ التغيير الجذري في علاقات الإنتاج هو الثورة بحد ذاتها كما عرّفها كارل ماركس في كتابة رأس المال الصادر عام 1848 عندما أصدر مع صديقه فردريك أنجلز البيان الشيوعي.

ومع ميله الشديد لانجاز التغيير الجذري فإننا نرى أنّ عبد الرحمن منيف يعود إلى التراث في روايته النهايات سنة 1977 غير مهتم بأساليب السّرد الروائي الحَداثي ولا بالمنجزات الشكلية محاولا إضفاء نوع من الواقعية على أحداث التاريخ(ص29).

يؤكد الدكتور نبيه القاسم إن عبد الرحمن منيف يبحث في العلاقة الجدلية بين الوجود الإنساني في الإطار الكلي وبين خبرة الإنسان العربي. ويصل بالتالي إلى خلاصة مفادها إن وجود هذا الإنسان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المكان من جهة والروح والفكر أي الزمان من جهة أخرى(ص 31)

هذا العمق في البحث لا يمكن أنْ يصدر إلا عن ناقد متمرس في فهم أصوات كل رواية فهما جذريا حتى ولو أنّ الروائي جنّد الأماكن مثلا والحيوانات والزمان معا كأبطال في رواياته! ولم ينس منيف أن يؤكد على دور المرأة ليجعلها بطلة أيضا في رواياته.

الشكل والمضمون:

يحاول الدكتور نبيه القاسم إبراز دور الشكل في خدمة المضمون لدى عبد الرحمن منيف. فكل عمل روائي هو بناء شكلي أولا وقبل كل شيء إما الزمكانية والشخصية فهي مفاهيم شكلية تكون أساس كل عمل قصصي أو درامي يسخرها الروائي من أجل إيصال المضامين التي يطرحها في رواياته (ص36) فالمكان له وظيفتان عنده:

  الأولى إضفاء الجو الواقعي الحقيقي على العمل الإبداعي<

 والثانية تحميل المكان مضمونا روحانيا متعدّد الدلالات، ويُضيف وظيفة ثالثة هي ذكر المكان دون تحديد ذكر ملامح مميزة له (ص52).

وإذا ذكرنا المكان فيجب ألاّ تغيب عن بالنا العلاقة الجدلية بين هذا المكان وبين الإنسان لان كلّ منهما يتأثر بالثاني بشكل أو بآخر بحيث لا تكون هناك قيمة لأي منهما دون الآخر.

ولما كان المكان والإنسان توأمين في العمل الروائي فإن الزمان هو ثالثة الأثافي، وهو يتمازج مع المكان ليكونا وحدة متماسكة في الشكل والمضمون لكل رواية. ولما كانت هذه العلاقة بين هذه الأقانيم الثلاثة علاقة جدلية إذن فإنه لا يجوز الفصل بينها بأي شكل من الأشكال(ص59).

لو أخذنا الصحراء في رواية "رجال في الشمس "1963 لغسان كنفاني مثلا أو رواية "حارة البدو" لإبراهيم خليل أو "الطاحونة السوداء"  لبندر عبد الحميد 1984 أو "البحث عن سماوات جديدة" لياسين عبد اللطيف 1989 لوجدنا بادية الشام مسرحا لجميع هذه الروايات كذلك رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف 1984. هي بحق رواية الصحراء وملحمتها الكبرى ( ص 43-44).

فالبداوة في هذه الروايات تبدو قيمة ومشاعر وأخلاقا وسلوكا فحتى عندما يغادر البدوي صحراءه تبقى هذه الصحراء ملاصقة له تؤثر في كل سلوك جديد يكتسب من البيئة الجديدة(ص119).

فالمكان وحده يستطيع أن يكشف نفسية الشخصية ويُعرّيها أمام الآخرين لأنّ الشخصية يجب أن تكون صريحة في المواجهة والكشف وبشكل صادق وإلاّ فكيف نُفسّر العلاقة بينهما؟!

في المضمون يبحث الدكتور نبيه القاسم في موضوع الزمن كعنصر أساسي لكتابة الرواية، ويؤكد انه لا يمكن إدراك هذا الزمن مستقبلا بعيدا عن العناصر الأخرى! وعبد الرحمن منيف يتلاعب بالزمن بغض النظر عن كون هذا الزمن خارجيا أو داخليا!

في روايته شرق المتوسط 1972 يحاول عبد الرحمن منيف تجاهل التحديد الزمني لوقوع الأحداث. وقد لمسنا ذلك في سرد الأحداث المتتالية والصعبة التي تتوالى على رجب وأهل بيته غير محدودة بزمن معين. ونستطيع أن نستنتج إن كل الأحداث التي مرت برجب وعائلته مثلا كانت قد حدثت قبل تاريخ 1972!

أن هذا التلاعب بالزمن يحمل في طياته خطورة،  أي الخطأ في ترتيب التسلسل الزمني.

يتحدث الدكتور نبيه القاسم عن عملية الاسترجاع المتعلقة بالزمن. ويقول:

"هناك ثلاثة أنواع من الاسترجاع: خارجي، وداخلي ومزجي ! والهدف من هذا الاسترجاع الزمني هو عودة إلى الماضي وذلك من أجل سدّ ثغرات كان قد خلقها سرد القصة يجب أن تكون قد حدثت وانتهت في الماضي.

إنّ كاتبا روائيا كبيرا كعبد الرحمن منيف يتّخذ الزمن والتلاعب فيه محورا أساسيا في تشكيل المكان والشخصيات وطرق تفكير هذه الشخصيات . يلخص القاسم هذا الفصل بقوله، (ص220).

ومنيف في تعامله مع الزمن لم يتحجّر عند منهج معين، ولم يسلك مسلكا واحدا، وإنما استفاد من كلّ الأساليب والمناهج، واتّبع مختلف التقنيات السردية مما وفّر له الحرية في الاختيار والتعامل، وأكسبه القدرة على أن يُقدّم الأفضل والأكمل( ص-220)

الفصل الثالث مُكرّس لدور الشخصية في الرواية

يعتقد عبد الرحمن منيف أنّ هناك علاقة جدلية بين الشخصية الروائية والواقع. وبما أنّ بعض النقاد يعتقدون أنّ الشخصية مُستمَدة من الواقع، وليس من الخيال (ص227) فهو عندما يكتب عن شخصية معينة نراه يأخذ شخصا حقيقيّا يُغيّر الكثير من ملامحه في حين يُبقي على الجانب المهم من حقيقة هذا الشخص. فالحقيقة هي مزيج بين الحقيقة والابتكار .(ص251)

يقسم نبيه القاسم الشخصيات إلى نوعين هما: الشخصية المسطحة وهي الشخصية البسيطة و الشخصية المدوّرة التي لا يمكن التعبير عنها بجملة واحدة أو حتى أكثر من جملة، هذه الشخصية المدوّرة تكشف حقيقة ذاتها وتنمو قليلا قليلا من خلال السّرد، والشخصية المُحبّبة هي التي تتّصف بالعُمق!

إنّ تعريف الشخصيات إلى عميقة وسطحية، يتعلق بموقف تلك الشخصية منا! فإمّا أن تُفاجئنا مفاجأة مقنعة وإما ألا تفاجئنا مطلقا! ومع ذلك فإننا لا نستطيع الاستغناء عن أي من الشخصيتين لأنهما ضروريتان لتطوّر السرد وإكسابه جمالا معينا وتشويقا أكبر في نفس الوقت.

عند معالجته للشخصية العربية فانه اهتم بتصوير بعضها مهزومة منهارة، وغيرها قويّة وسيّدة الموقف، هذه النماذج موجودة وقائمة في كل مجتمع ولا يشذ عنها المجتمع العربي الذي عاش فيه منيف!

ما ميّز إحدى رواياته عن غيرها من الروايات يتعلّق بشخصية المرأة، فالمرأة كما نعرف تُشكل عنصرا هامّا في كلّ عمل إبداعي. أمّا عند منيف فلم تحصل المرأة على دور بطولي مع أنّه جعل لها فعاليّة وتأثيرا قويين في رواياته. ففي روايتيه "حين تركنا الجسر" و "النهايات" يهمل منيف العنصر النسائي بشكل مُتعمّد، وذلك لأنّ هاتين الروايتين تتّخذان الصّيد موضوعا تدور حوله أحداثُها. والصيد هو رياضة ذكوريّة نادرا ما تُمارسها المرأة إلا في حالات شاذّة(ص 287).

كانت الشخصية في الرواية العربية حتى أواسط السبعينات تلعب دور البطولة، ولذلك فإنّ نَقد الروايات التي سبقت هذه الفترة تمركز في شخصية البطل وتصنيفاته مُهملا جوانب النص الإبداعي.

وعند منيف كما يستنتج صديقنا الدكتور نبيه القاسم لا نستطيع أنْ نُشير إلى شخصية رئيسية في خماسيّة "مدن الملح" مثلا. ففي هذه الخماسيّة عدد كبير من الشخصيات المهمة والثانوية لا يوليها منيف اهتماما كبيرا لأنه على حدّ تعبير المؤلف تأثر بالنقد الغربي الذي أهمل الشخصية الرئيسية حتى انه ألغى دورها كليّا واستغنى عن دور البطل المركزي(ص298).

تتعدّد الشخصيات، وتتنوّع في أعمال عبد الرحمن منيف، وذلك في بحثه وراء الشخصية النموذجية التي يريدها مثالا يتقمصه جيل الشباب في أيامنا ويقلدونه

بعد أن يحمله قيما وصفات يراها منيف مناسبة، أو يُبعده (أي يبعد الشباب )عن النموذج السيئ ! وهو في كل الحالات يجعل الشخصية متغيرة. دائبة البحث عن كل جديد ، تؤثر في الأحداث وتتأثر بها وتعمل على الاستيعاب والتعلم والاستفادة وهو شأن الروائي الناجح.

ومما يميز الشخصية النسائية لدى منيف أنّ النساء في رواياته يفتقدن للمشاعر والعواطف ( باستثناء الشيخة زهوه ووداد الحايك)، لأنهن يقمن بوظائفهن التي رسمت لهن كزوجات أو أمهات أو بنات أو أخوات، أمّا العواطف المتدفقة والأنوثة المميّزة والحب الجارف والعشق الفاضح فلا مكان لها في نفوس هذه الشخوص. فكأنّهنّ قد قُدِدن من جبال الملح، نساء ليس لهن وظيفة في الحياة، غير رفع أرجلهن للنكاح أو الولادة.(النابلسي 1991 ص457)(ودكتور نبيه القاسم ص 207).

أخيرا ما لمسناه في الدراسة الأطروحة هو اللفتة العميقة إلى الجوانب الفنية في روايات عبد الرحمن منيف، ومحاولة تقريب أدبه إلى القراء العاديين، وإبرازه ككاتب متميز له بصماته وتأثيره في تطوير الرواية العربية حيث أخذ من التراث العربي الكلاسيكي وطوّره بحيث يتمشى مع النقد الغربي وأساليب الكتابة الغربية في عصر الحداثة والعولمة.

للدكتور نبيه القاسم نقول : بوركت جهودك يا أخي، فأنت تفاجئنا بين الحين والآخر بما يُبدعه قلمك وتُثري وتُؤثث مكتباتنا بأبحاثك المميّزة التي تقف هذه الدراسة منها في المكان الأول.

 

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi