طه محمد علي.. وداعًا

 د. نـبـيـه القــاسم

شكّل المرحوم الشاعر طه محمد علي ظاهرة متفرّدة على ساحتنا الثقافية منذ سنوات الخمسين الأولى. فكلّ شعرائنا وكُتّابنا الذين درَسوا تلك السنوات في مدارس الناصرة وجدوا فيه الأخ والأب والرفيق الوفيّ الصادق الكريم. وكان مجلسُه يجمع المثقفين والأدباء، وتُطرَح فيه مختلفُ القضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية والفكرية، وكان بروحه  السّمحة ودماثة خلقه وحُسن كلامه وخفّة دمه يستقطبُ اهتمامَ الجميع ومحبّتهم.

كان شاعرًا بفطرته، إذا نطق أخذ الحضور بسحر كلامه وعذوبة صوته وقوّة حجّته، قد تختلف معه في قيمة القصيدة من الناحية الفنيّة والشكليّة، ولكنّك تُنصت مبهورًا وهو يُلقيها عليك بكل أحاسيسه فيسحرك وتخجل أن تعيد على مسامعه عدم قبولك للقصيدة فتصمت ولسان حالك يُردّد: لكَ الله يا أبا نزار.

يوم كتبتُ عن شعر طه متسائلا: لماذا نُصرّ على أنْ نكونَ شعراء؟[1]

كتبتُ:"لا أعرف لماذا كلّما قرأتُ إبداعا جديدا لطه محمد علي يتمثّل أمامي كُتّاب طالما أحببتُ أدبَهم وحفظتُه مثل: مصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي وأمين مشرق وجبران خليل جبران. ولماذا كلّما رغبتُ في الكتابة عن طه، شدّ بي هؤلاء، فأتراجع، وأوثرُ صمتَ أهل الكهف. قد يكون حبّي لإبداع هؤلاء.. وقد يكون خوفي من أن أسيء لطه الذي أحببتُ ولا أزال.. وقد يكونُ فَهمي الخاصّ لمفهوم الإبداع الأدبي وتَسمياته.

لماذا نُصرّ أن نكونَ شعراء؟ ولماذا تظلّ هذه الكلمة تأخذنا إلى عوالم لا نهاية لها. وأستعيد مع المنفلوطي "عبَراته"، ومع الرافعي "رسائل أحزانه" و "أوراق ورده" ومع جبران كلماته عن المحبّة والموسيقى والأرض .. وأهدهد ذكرى أمّي على إيقاعات كلمات أمين مشرق وأسأل بإلحاح: أيّ فضل لأيّة قصيدة على هذه الإبداعات؟ وأيّ تميّز لأيّ شاعر على هؤلاء الكبار"؟

ضائع ومجهول

هذا الصوت الذي يبلغني

فأصافحه وأعانقه

قبل أن يصلَ إلى سمَعي

لا أخطئه

أستطيع أنْ أميّزه

من بين أصوات يَمام الدنيا

وقد جُمع ووُضع في حديقة واحدة

هذا الصوتُ هو صوتك يا طه.. وهذه الكلمات هي كلماتك التي ترسّخَتْ وشَدّت إليها كلّ الذين يتعشّقون الجمال ويُدغدغون اللفظةَ النّاعمةَ الحلوةَ، ويترنّحون مع تموّجات الحَرَكات، وتأخذ بهم المعاني البعيدة العميقة، وترميهم في بيد دونَها بيدُ.

أميرة!

عندما يرحلُ أحبّاؤنا

كما رحلتْ

تبدأُ في داخلنا هجرة لا تنتهي

ويحيا معنا يقين

أنّ كلّ ما هو جميل

فينا ومن حولنا

ما عدا الحزن

يرحلُ .. يُغادر

ولا يعود.

          لماذا يا طه كلّما نجحتُ في تغيير مَعاييري الأدبية ومفاهيمي الذّوقيّة، وكدتُ أنطق بكلمة الاعتراف الأخير شدّ بي كلّ الذين أحببتُ أدبَهم وحفظته فأخرس.

تُصرّ !! ويُصرّ الجميع!!

ولكنني أنا سأظلّ أحفظ لك خانة دافئة قريبة من كلّ الذين أحببتُ أدبّهم لتكونَ الأثيرَ مثلهم، المشاكس بينهم، فإذا ضاقت بك الأحوال وتناولتك عظائم الأهوال، وراودتكَ النّزَوات، يُسرعون في التّحلّق حولكَ ليشدّوا من أزركَ.

فيسكبُ المنفلوطي عَبرة من "عَبَراته" ويهمسُ باكيا: إنّك أخي.

ويُهدهدُ أمين مُشرق بكلماته مؤكدا لكَ مُقسما: إنّك أخي.

ويُغني جبران على مَسامعك كلمات " المحبّة" ويُردّد : إنّك أخي.

ويتقدّم منك الرافعي ممسكا بيمناهُ تمثالا مُهشّما لوالت ويتمان، وبيُسراه وردة من "أوراق وَرده" ويُقدّمها إليك قائلا: إنّك أخي."

أيّام كنّا معا في المهرجان الأدبي في مدينة ليون شمالي إسبانيا صيف عام 2003 كنتَ المتألّق بقامتك العالية الوقورة وبصوتك الساحر الأخّاذ وبتموّجات الحروف والكلمات متناثرة فوق وحول كلّ الحضور، وكنتَ المبدع وكنتَ الشاعر وكنتَ الكبير.

عندما سُرقَت محفظتك وفقدت نقودك وجواز سفرك واستدعينا الشرطة الإسبانية وأخذنا نتبادل النكات حول السارق وما سيجد في المحفظة، وكيف سيكون ردّ فعل السفير على ضياع جواز سفرك في الأيام العصيبة ، كنت تصمت ولا تعلّق وتدور بعينيك بيننا كلّنا وتهز رأسَك. ولكنك عندما سمعت ممثل السفارة وهو يقول: لهذا الشيخ الوقور لا يُرفض طلب،  وشدّ على يدك. شملتنا بنظرتك الهادئة الساخرة وكأنك تقول لنا:  يا أولاد الشلّيتة شفتُم أنا مين!! وضحكنا واعترفنا.

وتذهب بنا الأيام والأسابيع والشهور والسنوات يا طه.. ويأتيني نعيُك المفاجئ.. فأتذكّر كلّ أحبّائنا الذين ذهبوا وما عادوا، وأعود إليك.. بقامتك الشمّاء ووقارك ونغمات إيقاعات كلماتك وهدهدات جسد راشيل الجميلة مع دغدغات حروف قصيدتك الرائعة وأردد المرّة تلو الأخرى: ستظل عندي يا طه انّك صاحب الكلمات الرقيقة الأخّاذة المُبعدة في عوالم لا نهاية لها، والشّالحة بي إلى بيدٍ دونها بيدُ. 


[1] الاتحاد 16/6/1989

 

*نُشر في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 9.10.2011

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi