" نهر يستحمُّ في بُحيرة" ليحيى يخلف

وصَدمَة الحلم الفلسطيني

د. نبيه القاسم

تُعتبر رواية "نهر يستحم في البحيرة" العمل الإبداعي الأول الذي يُصدره أحدُ مُبدعينا العائدين بعد مَتاهات الغربة في بلاد الله الواسعة على مدار ما يُقارب الخمسة قرون. وأنْ يكون صاحبُ هذا العمل الإبداعي كاتبنا يحيى يخلف، فهذا يعني الكثير.

ويحيى يخلف الذي احتلّ مكانته الأدبيّة في عالم الرواية العربية منذ أصدر روايته الأولى "نجران تحت الصفر" اهتمّ أنْ يلائم ما بين العمل القتالي النّضالي في مختلف الجبَهات من جهة، وبين مُتابعة الإبداع الخَلّاق من جهة ثانية، فتواصلَ عطاؤه الذي ثبّتَ مكانتَه ورسّخ أقدامَه في ساحة الإبداع العربية والفلسطينية.

وإذا كانت هذه الرواية، ليست التي انتظرناها من كاتبنا بعد روايته "بحيرة وراء الريح" (إصدار دار الآداب 1991) إلا أنّها جاءت لتُشكّل حلقة مُتقدمة في تلك الرواية، ولتؤكد حقيقة، هي أنّ المبدع الحقيقي إذا ما عصرته الأحداث، وتباعدت به الأماكن، وفاجأته الأزمنة، لا يملك إلّا أنْ يسايرَ التغيّرات، ويخرج عن سلوكيّاته المَرسومة. وكم بالحَريّ كاتبنا يحيى يخلف، ولم تكن الأحداث والأمكنة والأزمنة التي فاجأته إلّا لتضعه وجها لوجه في الوطن وفوق بقعة الأرض التي عاش عمرَه وهو يحلم ويُقاتل للعودة إليها !!

صدمة الواقع هذه، وتجسيدُ الحلم الذي طال انتظاره، واحتضان الوطن، والتّمدّد فوقه ومُلامسة ترابه، كانت هذه كلّها بادية التأثير في بنية ولغة ومضمون الرواية.

ومنذ البداية يُعيّشنا الكاتب صدمتَه التي لم يستوعبها بعد "صباح من ندى، ومن كلوروفيل، ومن تداعيات، ومن أضغاث أحلام، وفرح ناقص، وابتسامة تشبه البكاء " وكأننا به لا يُصدّق ما ترى عيناه " غزة البحر، عمر المختار، والوحدة، والنصر، وشارع الشهداء. مركز الشوّا، وحلويات عرفات، وفول الخزندار. المجلس التشريعي، والسراي ومجمع أبو خضرا "و" سيارات سرفيس، شرطة مرور، أعلام تُرفرف، شعارات على الجدران، فتح حماس - النسر الأحمر. أتربة على الأرصفة، أكوام قمامة وأوراق تتطاير في الهواء". ويعترف ولكن بألم : "ها هو الوطن، لحم ودم. ولكنه مُثخن بالجراح".

 وهو لم يستوعب بعد أنّه دخل أرضَ الوطن، هكذا بسهولة وأمام الجندي الإسرائيلي "دخلتُ من على الجسر الخشبي" وهذا الدخول يُذكّره بكلّ الجراح وسنوات البُعد ومُراودة الحلم، فهو يَعْبُر إلى الوطن فوق الجسر الخشبي، وليس من مَعْبر رفح أو أيّ مَعبر آخر كان يتمنّاه. حملته السيارة الصغيرة في داخل الوطن وهو لا يُصدّق الذي يجري " أحدّقُ بالتلال البيضاء وقلبي يخفق، ويُرفرف في أعماقي طائر الشباب، طائر غابَ واختفى، ثم عاد فجأة وجَرَح شغاف قلبي بجناحيه". ووصل به المطاف إلى منطقة السلطة الفلسطينية حيث ترفرف الأعلام "ترفرف مثلما يرفرف في أعماقي طائر الشباب.. طائر الشباب الذي تركني منذ سبعة وعشرين عاما، عند تلّة الماصيون في رام الله، ولم يرافقني إلى بلاد الغربة"(ص7)

صدمة الواقع لم تُنسه حلمَه الذي عايَشه سنوات غربته كلّها في المنفى : "فالمنفى جميل لأنّ الأحلامَ جميلة، والوطنُ صعبٌ لأنّه مُثخنٌ بالجراح، وتتكسّر فيه أجنحةُ الخيال. فلسطين الحلم ليست فلسطين الواقع. للفلسطينيين في الخارج حلمُهم الجميل الذي يسكنون فيه منذ ستة وأربعين عاما، فليحرس الربُّ تلك الأحلام"(ص117). لكنّ مأساة أبطالنا العائدين كمأساة أحد أبطال رواية (بحيرة وراء الريح ص164) فلا يُمكنهم أنْ يتمنّوا في المرّة الواحدة إلا أمنية واحدة. فصحيح أنّهم عادوا إلى الوطن، ولكنّهم ظلّوا يشعرون بأنّهم لاجئون في وطنهم. فالحقيقة أنّ "سمخ" لا تزال هناك بعيدة.. والبحيرة لا تزال هناك وراء الريح (ص11-12) لقد قضى ردحا طويلا من عمره وهو ينتظر، ولكنه يبوح بألم وهو يتردّد في قطف الزهرة: " أنا العائد أقفُ ضائعا في شارع من شوارع وطني، أشعر بالغربة والوحدة، أشعر بالرغبة في البكاء" (ص26) ويعتذر لمحبوبته التي تركها في الغربة "ماذا أكتب يا عائشة، يدي ترتعش، وبَدَني يرتجف، وروحي تتعذّب، ودمعي يجفّ، وأحلامي تحترق" (ص36) .

وروى لمَجْد الصديقة الفلسطينية عندما التقاها في القدس قصّة ذلك المطعم الذي يُطلقون عليه اسم (قَبو البَصل) الذي يُقدّم لرُوّاده صحونا فارغة بها عدّة رؤوس من البصل، وهم يقشّرون البصل بالسّكين من أجل أنْ تدمع عيونُهم التي فقدوها ليشعروا بإنسانيّتهم. وعندما تسأله: لماذا تتذكرُ هذه القصة الآن؟ يُجيبُها : "لماذا لا أتذكّرها، بي جوع مُزمن للبكاء، للنشيج، لكنني لا أستطيع أنْ أفعل. (ص40) مجد، أحسّ بشيء من الغربة، ما زلتُ جديدًا، سيمرُّ وقتٌ ما قبل أنْ أندمج في هذا النّسيج الاجتماعي" (ص42). ولأنّه أدرك أنّ بإمْكانه أن يتمنّى في المرّة الواحدة أمنية واحدة فقط، فقال قال لمَجد عندما كلّمته عبرَ الهاتف:

-       أريد أن أذهب لرؤية سمخ، أريد أنْ أرى بحيرة طبرية .

أمّا حلمه الجميل الذي نسَجه في الغربة ويَحرص عليه فقط احتفظ به، فما أصعب أن يكتشفَ المرء أنّه لم تعد له جَدْوى، وأنّ أيّامَه لم تعُد ذات قيمة، وأنّ أجملَ سنوات العمر ذهبت هباء. ولأنه لا يتنازلُ عن حلمه، فليفعل القادة ما يشاؤون، أمّا هو فسيظلّ حلمُه له، وسيظلُّ يُردّد مع أونودو: لن يمرّوا .. لن يمرّوا . وتبدأ الرحلة، حيث يبدأها من غزة مارا بالقدس ومتابعا الطريق مع مَجد وصديقها الفلسطيني المغترب في أمريكا ليصلوا أخيرا إلى سمخ، ويرى البحيرة. ويعود بخيبة الأمل الكبيرة التي رسّخت له تمسّكَه بالحلم، فيركض وراء أونودو الذي قفز من الدفتر وركض نحو دغل من الأشجار وهو يحمل بارودته العتيقة، يركض وراءه وهو يناديه "انتظرني .. انتظرني" (ص142)  

بنية الرواية

تُشكّل رواية "نهر يستحم في البحيرة" مَفْرقا هامّا في تجربة يحيى يخلف الروائيّة. فمن حيث الزّمن، نراه يقتصرُ زمنَ أحداث هذه الرواية على أربع وعشرين ساعة لا غير. في هذه الساعات تبدأ الرحلةُ بكلّ الآمال التي رافقت القائمين بها، وتنتهي بخيبات الأمل الكبيرة.

 والمكان ينحصرُ في مواقع رئيسية بدأت في غزة وعرّجت على القدس وبيسان، واستقرّت في "سمخ" وعلى جانب بحيرة طبريا. لكنّ الكاتب راح يكسِّر الزمن الروائي ويستحضر الأمكنة، فواقعُ الوطن الأليم أعادَه إلى حلم المنفى الجميل، ومَجْدُ الصديقة الفلسطينية التي تتعايش مع الواقع تدفعه إلى الحبيبة التونسية عائشة التي عاش معها أحلى أيام عمره في المنفى، ورؤيته للمَواقع التي يعبرُها في طريقه إلى "سمخ" تُذكّره بأيام القتال والأعمال الفدائيّة التي خاضها، والحصان الأبيض الذي يركض ذكره بحصان خاله عبد الكريم، وبقصّة الضابط الهندي كارانج، ومستعمرة (طيرة تسفي) ذكّرته بهزيمة جيش الإنقاذ المُبَكّرة، والمعركة التي قادها أحمد بيك والدونكيشوتيّة التي أضاعت فلسطين عام 1948. (بحيرة وراء الريح، ص 110-116).

 حتى (سمخ) الحلم الجميل الذي رافقه طوال سنوات البُعاد، وأمنيته الوحيدة التي أراد أنْ يُحققها . . . حتى "سمخ" لم يجدها التي حلم بها "سمخ .. وردة كالدّهان، سدوم أكلتها الأمواج، بل أكلتها أسنان الجَرّافات، سمخ بلدة غير مَرْئيّة، وهذا الذي أراه على أنقاضها تلال من بيوت الإسمنت، تلال من الأسوار التي تحجب البحيرة، مدينة على النمط الأوروبي" (ص 77)

صدمة الواقع هذه جعلته يُحدّق بجنون بالمكان "لعلي أقبضُ على أثر ما، لعلي أجد شيئًا من مِزَق الأيّام الماضية، لعلّي أستطيع أنْ أعيدَ ترتيب الأشياء في خيالي ".

 فالمكان الأثيرُ على قلبه يَجْفوه ولا يتعرّفُ عليه، المكان الأثير الذي طالما حلم به وعايَشه في البَعيد أصبح المكانَ المُعادي الذي يتنكّر لأبنائه. لكنّ الأمّ مهما تنكّرت لابنها، لا بُدّ تندفع إليه بعاطفة الأمومة المتدفّقة رغما عنها، والابنُ مهما استنكر وجهَ أمه، ورفضض مَظهرَها الغريب عنه يندفع إليها بحبّ الابن لأمّه. وهكذا ينشد الإبن العائد إلى أمّه، وتنتفض مَشاعرُ الأمومة في الأمّ نحو ابنها العائد، وينتفض المكان من بعد ستة وأربعين عاما "وأمسكت فجأة خصوصيّة الرائحة، شممتُ رائحة البحيرة، رائحة المياه تختلط برائحة الأعشاب التي تنمو على حوافها، رائحة قادمة من ستة وأربعين عاما" مثلما يتذكر فجأة رائحة الصابون الذي كانوا يغسلون به شَعْرَ رأسه" (ص77).

 وكانت الصدمة الشديدة " بقيتُ أحدّقُ حولي، ما الذي أراه ؟ شارع اسفلت تصطفّ أعمدةُ النور وسطه بانتظام، وعلى الجانبين أشجارُ نخيل وزهور وعشب أخضر. أسوار بيوت تغطيها أغصان خضراء وزهور فاقعة الألوان. لم يكن ثمّة ما يمكن رؤيتَه من هذه البلدة التي اختفت سوى التراب الذي أقف فوقه. تراب وحصى ناعم. انحنيت وملأتُ كفّي بحفنة منه، وشعرت برغبة في البكاء" (ص78).

صدمة الواقع كانت أقسى من أنْ يتجاوزَها الابنُ العائد. فالأمّ التي حلم بلقائها واندفع إليها تتنكّر له، تلبسُ قناعا مُنَفّرا لا يُمكنه التّعايشَ معه، فهذه ليست الأمّ التي حلمَ بها، وأراد العودة إليها، فهي غريبة، مُنفّرة، فسمخ الماضي، وسمخ الحلم، ليست سمخ التي يقف فوق أرضها، ويعفّر وجهَه بترابها، ويُبلّله بدموعه "أهذه سمخ؟ ها أنتَ بعد ستة وأربعين عاما تعود إليها، تعود سائحا، متفرّجًا، زائرا وسط الهواجس والرّيبة والخوف. حملتَ في أعماقك صورَها، ذاكرتُها أصبحت ذاكرتَك. حكاياها وأناسُها وعطرُ ورودها وبساتينها. تستطيعُ الآن أنْ تُعيدَ بناءَها وهندستَها، بيوتُ الطين وبيوت الحجارة السوداء، دار الحاج حسين، ودار الأمان، وتلّة الدْوير، وأم المصاري وتلّة القصر، وصَفير القطارات" (ص80).

وفقدَت الأشياءُ مَعانيها وبدت غريبة، فالمحطة ظهرت بسقفها القرميديّ المُتآكل، والأبواب والنوافذ محطّمة، والصدأ غطّى قطعَ الحديد حولها، والنباتات الشوكيّة غطت الحطامَ الذي يتكوّمُ أمامها. ووقف أمامها ينظر إليها بلا مُبالاة، بحياديّة. فهذه المحطة ليست التي عاشت في خياله.

 وبألم الابن الفاقد أمّه من جديد يُعلنها بحرقة: "هنا صارت مدينة يهودية جديدة فوق ترابها، على أنقاض بيوتها" . وبيأس المستسلم للهزيمة وللواقع المُرّ يعترف : "سمخ، مدينة تَمّ ترويضُها وتهويدُها". (ص80)

تكسيرُ الأزمنة واختلاطُ الأمكنة وتداخلها كلّها معا، كانت حيلةَ الكاتب الناجحة في كسر رَتابة السّرد التّقريري، والمَدْخَل للغة الشاعرية الحالمة التي عرَفْناها في رواياته السابقة، وكانت الوسيلة التي كشفتْ لنا حقيقةَ نفسيّةِ الأبطال العائدين الذين عاشوا حلمَ الوطن الجميل في المنفى، وإذ التقوا هذا الوطن اكتشفوا زيفَ الحلم وصَدمة الواقع. فبعضُهم اعتكف مع حلمه البعيد صارخا مع أنودو الياباني : لن يمروا، وبعضهم تعايشَ مع الواقع، رغم بؤسه، وبدأ عمليّةَ بناء الوطن الجديد الصغير.

 الأسلوب السردي كان سِمَةَ روايات الكاتب يحيى يخلف السابقة، ولكنّه السّرد البعيد عن التّقريرية المباشرة، حيث كانت اللغة الشاعرية هي المميّزة له، وهذه الشاعرية كانت تُلقي بآثارها على الشخصيات فتبدو في منتهى الشفافيّة. وكان الراوي السارد شخصية مستقلة ينسحبُ وراء الأحداث المَرْوية غير مرئي للقارئ. السّارد فيها يعرف كلّ شيء عن شخصيات عالمه، بما في ذلك أعماقها النفسية، فينتقل في الزمان والمكان دون صعوبة، ويتعرّفُ على ما في داخل البيوت وما في خارجها، ويغوص في قلوب الشخصيات ويتعرّف على أعمق الدوافع والخلجات، فكل الشخصيات عنده مكشوفة، فالسارد هو العارفُ الكليّ المُهيمن على كل العالم الذي يُصوّره، لكنّ المميز لسارد روايات يحيى يخلف السابقة أنّه بالرغم من كونه قد يعرف أكثر ممّا تعرفه الشخصيات، إلّا أنّه مع ذلك لا يُقدّم للقارئ أيَّ تفسير للأحداث قبل أنْ تصل الشخصيات ذاتها إليه. ولأنّ الراوي السارد كان خارج عالم شخصياته فقد جاء كلامُه بضمير الغائب.

 أمّا في روايته هذه "نهر يستحم في البحيرة" فقد اختار الراوي من بين شخصيات الرواية، ومن خلال وعي هذه الشخصية عكس الأحداث القصصية. ووجود الراوي بوصفه شخصية داخل عالم الأحداث القصصية في الرواية فرَضَ استعمال ضمير المتكلم. وكون الراوي أحد شخصيات الرواية يُؤثر على توجيه القارئ بالنسبة للزمان والمكان في القصة واستقبالها، وللترتيبات الزّمكانيّة بالنسبة لمركز الأحداث، ويؤدي أيضا إلى اختلاف في طريقة تناول العلاقات المكانية بين الشخصيات والأشياء في الواقع المعاد تمثيله، كذلك في محدوديّة معرفة وخبرة الراوي.

 لغة السّرد في "نهر يستحم في البحيرة" كانت تقريريّة في معظمها، قريبة من التقرير الصّحفي العاديّ، لغة تتميز بجُملها القصيرة المستقلة، وألفاظها الحياديّة الفاقدة للدّلالات المُتداخلة الإيحائية. لكنّ الكاتب استطاع أنْ يتخلّصَ من روتينيّة السّرد بالشطحات الاسترجاعية المتفاوتة في الزمان والمكان، والولوج عبرها إلى استعمال اللغة الشاعرية الشفافة التي عرَفناها في رواياته السابقة. تلك اللغة التي امتازت بجُملها الطويلة المتداخلة المتشبعة، حيث كانت الجملة الواحدة تنسلّ من الجملة التي قبلها، وتكوّن معها صورة جميلة تشدّ القارئ بشفافيّتها مثل : "ابتسم البشكار بحنان، وحوّل الزهيري نظراته الدافئة عن بيت النار، ونظر الى مساعده، نظر البشكار إلى أبو العسل- نظر أبو العسل إلى السنيورة. نظرت السنيورة إلى الكلب. رفع الكلب رأسَه إلى الزهيري. كان الدفءُ خيطا، وكانوا حبّات مسحبة (نشيد الحياة ص51).

تَقابلُ الشخصيات وتَضادها:

وزّع الكاتب شخصيات روايته على عدّة محاور:

في المركز كانت الشخصيات الثلاثة: الراوي العائد بعد غربة ستة وأربعين عاما، ومَجْد الفلسطينية المُقيمة في الوطن، وأكرم المغترب الفلسطيني في أمريكا . وفي المقابل الشخصيات اليهودية التي كانت تظهر في أحداث القصة . وفي الظل شخصية الجندي الياباني أونودو الذي رفض الاستسلامَ رغم هزيمة بلاده .

ونستطيعُ التّوزيعَ الآتي أيضا:

الراوي العائد الذي صدمه الواقع فرفضَه وهرب منه لالتقاء الجندي الياباني أونودو الذي يُعيده إلى أيام القتال والبطولات وتجاوز المستحيلات . أو بالتحليق بالخيال إلى حيث تُقيم محبوبته عائشة التونسية التي حمَلت حلمَه وأحبّها في المنفى البعيد، عائشة التي كان يهرب إليها في كلّ مرة تُحاول فيها مَجْد تضييق الحلقة حوله وشدّه إليها.

وبالمقابل شخصيّة أكرم المُغترب العائد للبحث عن حُبّ فارس الفارس البَعيد للراقصة اليهوديّة التي لحقت به بعد تهجير عام 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان، وأقسمت أنْ لا تتزوّج بعده، أكرم هذا الذي تبدو على شكله الخارجي وتصرّفاته وأفكاره وحتى مأكولاته وغليونه مَظاهرُ الارستقراطيّة الأمريكية، لم تَعْن الأماكن بالنسبة له شيئًا، همُّه كان أنْ يتأكدَ من بقاء "بيرتا" على عهد عاشقها فارس الفارس، ليؤكد بذلك إمكانيّة التّعايش بين الشعبين.

وفي الوسط شخصية مَجْد الفلسطينية المُقيمة فوق ارض الوطن، القابلة بالواقع والمُتعايشة معه، والمستعدة لمُواجهة كلّ المستجدات، والتي تتأرجح في عواطفها ما بين العائد الجديد إلى الوطن وبين أكرم المغترب الذي تجدُ الكثيرَ من المشترك بينهما.

بهذه الشخصيات المُتداخلة المُتشابكة استطاع الكاتب أنْ يُقدّمَ لنا صورة بانوراميّة عن نقاط الاختلاف والتّقابل ما بين الفلسطينيين العائدين والفلسطينيين المُغتربين والفلسطينيين المقيمين فوق أرض الوطن. وبشكل خاص يصوّر لنا ذلك الانفصام القائم في شخصية المقاتلين العائدين، حيث يعود كلّ واحد منهم وهو يتوقّع أنْ يُجسّدَ الحلمَ الذي عاشه في المنافي، فيصدمه الواقع فيرتد إلى حلمه، ويُعانق الجندي أونودو لعلّه يجد فيه بعضَ العَزاء وبعضَ الحلم الباقي.

 ومنَ التّجديدات التي أدخلها الكاتبُ على روايته هذه هذا التّداخلَ في القص، ما بين القصة الرئيسية التي تتدافع أحداثُها عَبر الزمان والمكان وقصة أونودو الجندي الياباني التي تجري في الظل، وتكادُ تكشف عن الخلفيّة النفسيّة للبطل العائد. وهذا التّداخلُ لم يُؤدّ إلى حرب بين النّصَيْن، وإنّما ولّدَ تكاملا رغم تَشابكات الأزمنة والأمكنة والأحداث. فكلاهما كانا يتضادّان ويتقابلان ويُكمل أحدُهما الآخر.

كذلك نجد أنّ قارئ رواية "نهر يستحم في البحيرة" لا يستطيع مُلاحقة الأسماء والمواقع والأحداث إذا لم يكن قد قرأ روايةَ الكاتب "بحيرة وراء الريح"، ففي تلك الرواية يتعرّفُ على الكثير منَ الشخصيات المذكورة في هذه الرواية، وخاصة شخصية الخال عبد الكريم الذي جاء ليبحثَ عن قبره، وفوجئ به محفوظ الجثة في براد المستشفى المركزي. ولهذا تُشكّل هذه الرواية حلقة من أجزاء الرواية السابقة .

ويجدُ القارئ في استحضار قصص جانبيّة كقصة بيرتا الراقصة اليهودية وقصة الحبّ بينها وبين فارس الفارس وكيف انتهت بما انتهت اليه. وقصة عبد الكريم ورفض السلطات الإسرائيلية تسليمَ جثته لحفيده. مُجرّد حِيَل أراد الكاتبُ من خلالها إبرازَ موقفه الفكري، وإعلان رأيه صراحة بالذي يجري على السّاحات العَلنيّة المَعروفة.

يُمكننا أنْ نتناولَ العديدَ من جوانب هذه الرواية، ولكنّ الأمر الذي يجبُ التأكيد عليه أنّ المكان كان هو بطل الرواية الرئيسي، فقد شكّلَ المكانُ الهاجسَ الدائمَ للبطل العائد، وكانت سمخ والبحيرة هي الباقية أبدا، ونكاد نلمسُ عشق الكاتب للأمكنة في التّحدث عنها ومناجاتها ووصفها ومُلامستها، ولعلّ في هذا حسبَ كاتبنا يحيى يخلف. فالنّهرُ سيظلّ يجري في البحيرة ويخترقها من شمالها إلى جنوبها دون أنْ يختلط ماؤُه بمائها ويخرج مَغسولا، وتظلّ البحيرة شديدة الزّرقة، وصفحة الماء رقيقة ناعمة مثل بطن غزالة وعليها حَيض العروس . . . وسيظلّ البطلُ العاشق يحملُ حلمَه وينتظر.

         القاسم، نبيه. مُراودة النّص- دراسات في الأدب الفلسطيني. (ص32-44)، دار الهدى للنشر. كفر قرع 2001

 

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi