إبراهيم نصر الله في "شرفة الهذيان"*

والبحث عن حريّة الإنسان العربي المفقودة في هذا العالم العربي

 

د. نـبـيـه القــاسم

ليس من السهل على المُبدع في عالمنا العربي في هذا الزمن العربي الرديء أنْ يكتبَ ما يُريد، ويُعبّر عمّا يجولُ في فكره، ويُجاهرَ بمواقفه وآرائه التي يعتقدها الحقيقة الكاملة. ففي عالمنا العربي إرهاب فكري وثقافي وسياسي، وفي عالمنا العربي تُداسُ كرامة المثقف الحقيقي والمُبدع مهما كان إبداعه، وحتى الإنسان البسيط لا وجود له في ظلّ هيمنة سطوة الحاكم وظلم القانون المُجحف ورَهبة السجون التي لا نهاية لاتّساعها.

 

صحيح أنّ بعض المبدعين فقدوا حياتهم في دفاعهم عن حرّيتهم وتمسكهم بحقّهم في قول كلمتهم كالشهيد غسان كنفاني، ومَن آثر الانتحار على القبول بالمَهانة كالشاعر خليل الحاوي في لبنان. وأنّ الكثيرين من المبدعين  طورِدوا في عالمنا العربي، بعضُهم مَن خسر حياته ثمنَ كلمته مثل فرج فودة في مصر وحسين مروّة في لبنان، ومَن تعرّض للإعتداء الجسدي مثل نجيب محفوظ في مصر وسمر يزبك في سوريا، ومَن اضطرتهم المطاردات المتلاحقة من قبل أجهزة الحكم أو عدم القدرة على تحمّل وضع الوطن المُزري على ترك وطنهم واختيار الغربة وطنا بديلا مثل الشعراء: الجواهري  والبياتي ومحمد الماغوط وبلند حيدري ونزار قباني وأدونيس وسعدي يوسف والباحث المفكر نصر أبي زيد في مصر. أضف عشرات ومئات المبدعين الذين تعرّض إبداعُهم للمُصادرة وهم تعرّضوا لمواجهة القضاء مثل الروائيّة الكويتيّة ليلى العثمان والكاتبة المصريّة نوال السعداوي، وبعضهم زار غرفَ السجون لبعض الوقت كالشّاعر موسى الحوامدة في الأردن ومحمد عفيفي مطر وأحمد الشهاوي في مصر.

 

وشاعرنا إبراهيم نصر الله كان حظه المساءلة على بعض قصائده ومَنع نشر ومصادرة كتبه ثلاث مرّات وتَكفيره مرّة ومَنعه من السفر ستّ سنوات.

 

لكنّ جذوة الإبداع تبقى المُتحديّة ولو من تحت الرماد، وهي التي تُؤكدُ حيويّة الحياة وقيمتها وتشدُنا للتعلّق بها والاستماتة في الدفاع عن حقنا فيها ورغبتنا في تطويرها وازدهارها وجعلها البيت الأمين والفردوس الذي نحارب من أجل الفوز به.

يُطلّ علينا إبراهيم نصر الله في روايته " شرفة الهذيان" الصادرة عام 2005 من شرفته العالية التي يراقبُ عَبْرَها ما يجري في الحياة، فيهوله الذي يرى، الصّمْت المُطبِق الذي لا يقطعه غيرُ دَويّ مُفزعٍ لصقر شرس يُهاجمُ عصفورا ضعيفا فيمزّقه. الناس يَظهرون على شكل دُمى تتحرّك، وإذا نطقت فكلمات قليلة موجزة مُحدّدة الهدف. يعيش وسط أسرته التي لا ينجحُ في التواصل معها، فهم بالنسبة إليه في عداد الموتى لأنّه الذي قتلهم، ولكنهم يُقاسمونه الدار، لا يتعاطفون معه، ولا يَقبلون ما يقول، حتى ابنته الوحيدة التي تشعر بالتعاطف معه وتُؤيّده في أكثر ما يقول، لا تُسارعُ لنجدته، وتتركه ليُواجه مصيرَه وحيدا.

 

رحلة بطل "شرفة الهذيان" هي رحلة البحث عن الحريّة واكتساب المعرفة التي لا حدود لها. لكنّها تتكشّفُ له عن رحلة عَبَثيّة لا تُمكّنه من الوصول إلى شيء. فطريقُه التي بدأها بقَطرة دمٍ سقَطت على ثوبه ولم ينجح في إزالة آثارها انتهت بقَتْل الصقر الشرس للعصافير التي أراد أن يحتفظ بها في بيته، فقد مزّق الصقرُ أجسادَها ، وتناثرَ دمُها في كلّ اتّجاه.

 

هذه الرحلة العَبَثيّة في البحث عن الحريّة تتجلّى للقارىء من الصفحة الأولى التي  يرسم فيها عبثيّة وجود الانسان العربي في هذا الزمن العربي الذليل. فهذا الانسان المسمّى عربيّا، وجودُه يتمحور في عدم وجوده بالنسبة للحاكم ورجالاته، ولغته العربية الغنيّة لم يحفظ منها غير كلمتين الرعب والجحيم اللتين تُصوّران واقعَه الحياتي. وابراهيم نصر الله يُلخّص لنا بايجاز وذكاء وحِدّة وقَسوة وصَرخة عالية يريدُ أن تصل إلى كلّ مكان وإنسان في العالم، الصورةَ المثلى للانسان العربي كما يُحدّدها له الحاكم. فهذا الحاكم يخاطب الانسان العربي راسما له خطوط الحيّز المسموح له التّواجد فيها والتحرّك ضمنها والتصرّف كما يحلو له. وبذكاء مقصود جعل الكاتب اسمه يأتي مباشرة بعد كلمة باستطاعتك في أوّل كلام الحاكم . وكأنّ الكاتب أراد أن يقول لنا : أنا هو العربي الذي يقصدني الحاكم، وأنا هو النموذج الذي يريد أن يجعلني عبرة للغير فيما لو خرجت على قيوده وعصيت أوامره. يقول الحاكم:

 

"باستطاعتك أن تُغمض عينيك وأن تُديرَ ظهرَك؛ باستطاعتك أن تفقدَ صبرَك وأنتَ تبحثُ عن الريموت كنترول باحثا عن محطّة أخرى تُطفىء بها النارَ التي أشعلتها فجأة قطرةُ العَرَق التي راحت تنحدرُ من أعلى رقبتك حتى آخر نقطة من عمودك الفقري..

نعم باستطاعتك أن تلعنَ اللغةَ، تلك التي لم تُسعفك بأكثر من كلمتين هما: الرعب والجحيم. وأن تتلاشى بعد لحظات في حديث أطفالك الموتى عن الاحتمالات الغامضة والمحتملة لبرامج سهرة الليلة.

 

 باستطاعتك أن تُتابع الكذبَ على الهواء مُباشرة المدّة التي تحتاجها كي تطمئنّ على المستقبل وتواصل السهرة مع أيّ فيلم تختار. لا بأس، فهم لا يُريدون منك أكثرَ من ذلك.

 

 باستطاعتك أن تذهبَ أبعد: أن تدخل في حديث مُعاد وأن تكتشفَ المصادفةَ الغريبة في كونك ميتا مثل الآخرين ، فهم لا يريدون منك أكثرَ من ذلك.

 

 باستطاعتك أن تُقَبّلَ أطفالك أو لا تُقبّلهم قبل النوم، تلك حريّتك التي لن يتدخّل فيها أحد؛ وأنْ تنام على جانبك الأيمن أو الأيسر، وأن تحلم بأجمل ممثّلة غير عابىء بعيون الأقمار الصناعيّة السّاهرة، تلك حريّتك التي لن يتدخّل فيها أحد.

 

 باستطاعتك أن تتناولَ الإفطار في السابعة أو العاشرة وان تتناول خبزا أبيض أو أسمر ، لا فرق هنا، تلك حريّتك التي لن يتدخل فيها أحد.

 

 باستطاعتك أن تمدحَ القمرَ دون أن يطلبوا منك بصماتك العشر وفصيلة دمك وخريطة الوراثة، تلك حريّتك التي لن يتدخل فيها أحد.

 

 باستطاعتك أن تحبّ زوجتك أو تظلّ مُخلصا لذكرى مارلين مونرو .. أن تصطحبَ العائلة إلى (بُرغركَنغ) أو (فرايد تشكن) وأن تُعلن انحيازَك لأيّ مشروب غازيّ تُريد، تلك حريّتك التي لن يتدخل فيها أحد.

 

 باستطاعتك أن تفتح بيتا في الماضي وتأوي إليه، أو تفكّر في سقف قرميديّ أحمر، أن تتشبّث بسطح بيتك الطينيّ أو تتطلّع بلهفة إلى عتبات الرّخام الجديدة، تلك حرّيتك التي لن يتدخل فيها أحد. باستطاعتك أن .. ولكن حين يأتون .. تذكّر: لن تكون أكثر من كتلة العُري تلكَ، فوق كتلة العري التي تحتها فوق كتلة العري التي تحتها، ولعلهم سيُتَمْتِمُونَ بخشوع وهم يرون قطرة العَرق تلك التي تنسابُ من عنقك نحو آخر نقطة خفيّة من عمودك الفقريّ إذ يُشْرِعونَ حماستَهم، وهم يتضاحكون.. متطلّعين لعتمة كهفك الصغير.(ص3)

هذا هو الانسان العربي اللاشيء الذي يُريد الحاكم العربي وجوده ليس غير.

 

وبهذه الصورة القاتمة، وبهذه الحدّة يبدأ ابراهيم نصر الله روايته (شرفة الهذيان) ورحلة رشيد النمر العَبثيّة التي بدأت بسقوط قطرة الدم فوق كتفه الأيمن وهو في طريقه لتسلّم عمله الجديد "مسؤولا في مركز الإعلام"، وإذ حاول إزالة آثار بقعة الدم زادت مساحة لترسم له من حيث لا يدري صورة لحياته المستقبلية التي سيكون نزيف الدم المستمر ما يميّزها. فعمله الجديد الذي اعتقد أنه سيكون بداية لحياة جديدة وتحقيق آمال دفينة تزامن مع ما بشّرت به مذيعة التلفاز بوصول جودو . و "جودو" صموئيل بيكت الذي كان يحمل لمنتظريه الآمال والأحلام والتي طالما تاقوا لتحقيقها تقابلت مع وجود الأجنحة للعصفور الذي رآه رابضا تحت شَبَك الشرفة الحديدي، هذه الأجنحة التي تأخذ الواحد إلى عالم جميل فيه تتحقق كل الأحلام المأمولة.

 

لكن جودو تكشّفَ لنا من خلال الرسم المرافق عن جورج بوش الإبن الذي اعتقد العرب أنه سيكون الرئيس الأمريكي الذي سيُعيدُ لهم حقوقهم وينحازُ إليهم وإلى مصالحهم ضدّ خصومهم وأعدائهم. فكان الأكثر إساءة وعداوة لهم فاحتلت جيوشُه بلادَهم واستأثرَ بثرواتهم وأثار النزاعات الدينية والمذهبية والقطرية فيما بينهم. والأجنحة التي بشّرت بالآتي الجميل تكسّرت تحت وطأة الظُّلاّم وثقل قضبان أقفاص الحديد.

 

حتى عمله الجديد "مسؤولا في المركز الإعلامي تكشّفَ عن خدعة كبيرة. فالمطلوبُ منه في عمله ليس الإعلام الصحيح والمباشر والسريع والخدمة الممتازة لطالبي المعلومات والحقاق ، وإنما المطلوب هو التستر على الحقائق وانكارها ، والمواظبة على إعطاء المعلومات الكاذبة والخادعة ومنع تسرّب أيّ معلومة لا تُرضي السيّد الحاكم وأسياده. وليس هذا فقط وإنما يُطالَب بالعمل المتواصل على كبت كلّ مظاهر التمرّد وتفتّح الأحلام وتعاظم الآمال، مما يجعله يُخمد في داخلة كلَّ مَظاهر الفرح والأمل والتطلّع المستقبلي الجميل، "من قديم أعدّ الرجال خزائن مضيئة وحشروا فيها ظلالهم وسُمرة نسائهم وشَعْرَ بناتهم الأسود والضحك الذي لم يكن له ذات يوم سبب، وخرجوا لمكاتبهم مطمئنين. من قديم لم يقعوا في خطيئة أن يكون هناك شيء أعلى من قاماتهم حتى لوحات الإعلانات كي لا تُساورهم أنفسهم أن ينظروا للأعلى. من قديم ربطوا القيلولة بحبال قويّة ورفعوا الأسيجة حول أجسادهم وحرصوا أن يكون ثمّة واحد منهم، دائما، ساهرا في الظهيرة بعينين حمراوين."(ص 20-21). ويُصبح شريكا في قتل أحلام الصغار وتدمير مستقبلهم." قال له الشرطي: هل أنتَ واثق من أنّ أبناءك لم يحلموا أو زوجتك، في غفلة منك؟ قال : بالتأكيد. ولماذا سأله الشرطي بغضب. لأنني قتلتهم أجاب رشيد. وهل دفنتهم كما ينبغي؟ تلعثم، غير متأكّد. فقال له الشرطي بلطف باغته: عُد لأسرّتهم وتأكد. (ص22) ومشاركا في حماية وصَون العدو بينما يسمح بامتهان بلاد الأهل والأشقاء وفتحها أمام كلّ طامع غريب. فالتعليمات الصارمة واضحة كما نقلها الموظف القديم لرشيد النمر :"ما نسيتُ قوله أنّ بإمكان الذي يجيئك لالتقاط الصّور، بإمكانه أن يُوجّه الكاميرا إلى الشمال ويصوّر، إلى الجنوب ويصوّر، إلى الشّرق  ويصوّر، إلى السماء ويصوّر! أمّا إلى الغرب فإيّاك ثم إيّاك أنْ تسمح له بذلك. فهذا ممنوع.. ممنوع تماما، أعني تماما تماما.(ص18).

 

ظلّ رشيد النمر، رغم الواقع الذي فُرض عليه ولم يكن متوقعا له يحتفظ ببعض الأحلام الوردية ويأمل بحياة أفضل ويثق بقدرته على فعل شيء ما. فقد اعتقد أنّ بإمكانه، وقد أصبح يعمل ويكسب، أنْ يشتري عصفورا ليؤنسَ ساعات جلوسه في البيت، ولم ينتبه لتحذير ابنه الصغير له حيث نبّهه إلى خطورة اقتناء العصافير بينما نصحه بشراء كلب للحماية، فوجود عصفور في البيت يستدعي المشاكل العديدة التي لا قدرة لهم بمواجهتها ومنعها مثل حضور الصقر الذي سيقوم بافتراس العصفور.  وراح الصغير في تفصيل تحذيراته لأبيه وتعداد الإشكالات الصعبة والخطيرة التي سيواجهها حتى وصل أخيرا إلى إمكانية تدخل أمريكا بالأمر واحتلال البلاد وقتل الناس.(ص29-33)

 

لكن رشيد النمر اقتنى العصافير، وخاض تجربة طويلة ومؤلمة مع الصقر الذي كان يهاجم العصافير ويقتلها حتى أنه في مرة هاجم رشيد النمر نفسه.

 

 ونُفاجَأ بأنّ رشيد النمر مع المدة، يصبح مُنَفّذا لرغبات المسؤولين عنه فيشتري القفصَ ليضعَ فيه العصافير ليُسلّمها للمسؤولين، ولم يعد جمالُ العصفور وصوتُه العذب ما يشدّ رشيدَ النمر وإنما الرغبة في إثبات الإخلاص والولاء للسيّد الحاكم . وهكذا يتقابلُ ويتقاطع عملُ رشيد النمر في مركز الاعلام ومهمته الملقاة عليه بمنع الزائرين من تَعَدّي الحدود المسموح بها مع قيامه بتجميع العصافير والمساعدة في قتلها أو تسليمها للسلطات. وبهذا تخلّى عن حلمه وأمله وما عاش عمره ينتظر تحقيقه. لكن تخلّي رشيد النمر عن اقتناء العصفور، حلمه الذي راوده لسنوات، لا يعني استحالة تحقيق الحلم عند الغير . فقد فوجىء رشيد ذات صباح بسماع غناء هائل لم يسمع مثله من قبل، كان غناء جميلا وصافيا. راح يركض للشرفة، ووجد نفسه وجها لوجه مع عصفور جميل ، وهكذا بقيّة الرجال. ولكن ما أقلقه أن العصفور حطّ على شرفته هو.(ص186)

 

 وتساءل :" ما الذي يحدثُ لو مرّ الشرطيّ من تحت الشرفة ورأى عصفورا طليقا يغني على حافّة شرفتي بالذات؟ شبه مجنون كان." (ص187)

 

 اختفى في الداخل، وحين عاد كانت السكين في يده تلمع. وهوى بالنصل سريعا، لكنّ العصفور كان أسرع وطار. ولهذا اشترى بندقية وأعلن أنه سيقوم بقتل العصفور ويُنهي المشكلة. وانتظر طويلا وعندما أطلّ الصباح خيّل إليه أنه يسمع أصوات عصافير، غير واضحة تماما، أشرع بابَ الشرفة بحذر شديد، وجد نفسه مع مجموعة من الفراخ اللحميّة التي خرجت للتوّ من البيض.(ص 189)

 

 ومع مرور الساعات بدأ الخوف يتسرّب إلى قلب رشيد النمر " ماذا لو جاءت الطيور وهاجمتنا مرّة واحدة، الطيور التي قتلناها والتي أكلناها والتي قيّدناها من أرجلها (190). وفي قمّة تملك الخوف به رأى الأقفاص الطائرة في السماء تحطّ على الشرفات وسطوح البيوت وأرصفة الشوارع وساحات المدارس وأكتاف المارّة وحافلات النقل العام و .. وحتى لم يعد هنالك أيّ مكان يتّسع لها . وعلى شرفته حطّت عدّة أقفاص لا يخفى جمالها، فتملكته البهجة وراح يُصفّق ويتقافز"(ص191). واختلف مع زوجته حول امتلاك قفص ضخم مُزيّن بطريقة فريدة ، ووسط فرح أولاده وتقافزهم برؤية الأقفاص المحلّقة التي غمرت كلّ شيء انتبه إلى ابنته تُحدّق في عينيه مباشرة، وفجأة تراجعت خطوتين ثم أدارت وجهها، عاقدة يديها خلف ظهرها.(191) وحميت المعركة في كل مكان حول الأقفاص وامتلاكها حتى هبط الليل ثم عمّ الصمت. ضوء باهر أخرس ينبثق من قلب الصمت.. ضوء باهر حادّ مثل عماء خاطف يستمرّ للحظات طويلة ، ثمّ: عتمة. صرخ رشيد النمر في زوجته: قولي شيئا.. فردت عليه: ماذا تقول؟. !!

 

وعاد الصمت ليخيّم فصرخت زوجته: قل شيئا. أجابها : ماذا تقولين؟!! (ص 192)

 

فلا هي سمعته عندما صرخ عليها . ولا هو سمعها عندما صرختْ عليه.

 

فقد تقطّعتْ وسائلُ الاتصال بينه وبين زوجته وسادت العتمة والصمت.

وتنتهي قصّة السعي نحو الحريّة المستحيلة في عالمنا العربي بالنسبة لرشيد النمر بقبوله بحياة الأقفاص والخنوع الكامل للسيّد الحاكم، لكنّ نظراته المنتبهة لتحديق ابنته في عينيه مباشرة  ومُتابعتها وهي تتراجع وتُدير ظهرَها عاقدة يديها خلف ظهرها يُبقي لدينا بعضَ الأمل أنّ رشيد النمر لا يزالُ يحتفظ ببعض الحلم وببعض الرغبة في تحقيقه.

 

قلت "السعي نحو الحريّة المستحيلة" لأنّ إبراهيم نصر الله في "شرفة للهذيان" تعرّض للفترة الزمنية التي عاشها عالمنا العربي في أسوأ فترات تاريخه الممتدة من يوم فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن برئاسة الولايات المتحدة حتى يومنا هذا. فباسم الديمقراطيّة والحريّة والعدالة التي ادّعى بوش إصراره على نشرها وتثبيتها في عالمينا العربي والإسلامي انتهكت الأوطان واحتلتها الجيوش وتفاقمت الصراعات القوميّة والقطرية والدينية والطائفيّة وحتى العشائرية، وتدمّر الاقتصاد الوطني وزاد استغلال الرأسمال وأصحاب السلطة، وكبُر بشكل هائل عددُ الفقراء، وتوقف تطوّر المجتمع والإبداع في مختلف المجالات في معظم البلدان، وسادت الثقافة السطحيّة الهشّة المتمثلة بكثرة الفضائيات العربية وما تُقدّمه من رُخص وضحالة كما برز في كلام رشيد النمر عن ابنه: "أحيانا يبيعُ جواربَ نسائية وحمّالات صدور وغيارات داخلية، وقبل يومين قال له أحدهم: عليك أنْ تفهمَ أنّك لن تستطيع بيعَ أيّ قطعة من هذه القطع. وحين سأله: لماذا؟ أجابه: لأنك تبيعها فارغة، في حين تبيعُها الفضائيّات لنا طوال الوقت ممتلئة. وحين عاد الولد للبيت اختلى بغرفته سبعَ ليال وحين خرج قال لي: فعلا، إنّهم يبيعونها ممتلئة ويُعلّمون الناس كيفيّة استعمالها أيضا."(ص68-69) . وعلا صوت وقوّة التيّارات الدينيّة السلفيّة وتَراجع موقعُ المرأة إلى عقود بعيدة. كل هذا يجري مع التلويح بالسّوط الأمريكي والتّغني بالحريّة والديمقراطية والعدالة التي سيفرضُها جودو الأمريكي على العالم.

 

ابراهيم نصر الله صوّر لنا مأساةَ الرجال الأحرار في عالمنا العربي، الساعين نحو تحقيق الحلم بوطن تُرفرف عليه أجنحةُ الحرية ونِعمَةُ الديمقراطية وينعُمُ بالعدالة، كيف تكون نهايتهم القتل بكل شراسة، وكيف أنّ المواطنَ لا يجرؤ على إسماع انتقاده حتى في الأمور البسيطة ، فما عليه إلاّ الرضوخ والقبول والرضا وشكر السيّد على نِعَمِه.

 

لقد تعرّض ابراهيم نصر الله في روايته للعديد من القضايا والمواقف والأحداث التي كان لها أثرها على العالم ككل وعلى عالمنا العربي وعلى هذا البلد أو ذاك بشكل خاص. فذكر حَدثَ تَفجير بُرجَي التجارة العالمية في نيويورك وما كان من نتائج ذلك، وذكر أحداثَ العراق وسجونَ الإعتقال الأمريكية والتعذيب في غوانتينامو وأبو غريب وغيرها. وذكر حادثة تَزويد الحكومة الاسرائيلية للأردن بمياه المجاري بدلا من المياه الصالحة للشرب والمستحقة للأردن كما نصّت اتفاقيّةُ الصلح بين البلدين وكيف أدّى ذلك إلى النقص في مياه الشرب واستغلال البعض للمتاجرة السوداء بالماء ممّا استدعى تدخل وزارة الصحة الأردنية.

 

رواية "شرفة الهذيان" التي يضيع قارئها ما بين شدّة واقعيتها من جهة وسرياليتها والمشاهد الخيالية التي تتوالى، هي تجربة جديدة ومتطوّرة في إبداع ابراهيم نصرالله. وبالإضافة إلى لغته الجميلة وسَرده الأخّاذ وحواراته العميقة والواضحة في قَصْديّتها  فقد خاض تجربة جديدة في كتابة الرواية، بعيدا عن البناء التقليدي الذي عَرفناه في الرواية منذ سنوات، فمن حيث الشكل لا نجد السرد التقليدي ولا الحبكة الروائيّة، واستعاضَ عنها بالخبر الصحفي والإعلان الرسمي والدعائي وبالصورة الفوتغرافية والمأخوذة من الإنترنيت. وهو يدرك كم لهذه الإضافات من تأثير وكم بامكانها أن تختصر الكلام الكثير . فصورة الرئيس الأمريكي ومن ثم صورة معتقل غوانتينامو والمعتقلين فيه وصورة المعتقلين أثناء تعذيبهم وصورة عشرات القتلى نتيجة للحرب القذرة في العراق وصورة  الطفل الفلسطيني محمد الدرة لحظات قتله كلّها كافية أن تقول لنا ما تعجز عنه آلاف الكلمات. كما أن تكرار صور العصافير المُعَرّضَة للذبح والقَتل، ورغم ذلك تبقى مصرّة على الحياة والطيران والوجود تقول لنا الكثير، أنّ الأملَ باق وأنّ الغدَ لحاملي مَشاعل الحرية وأصحاب الأحلام والآمال الكبيرة. وشخصية الإبنة التي شذّت عن الآخرين، رغم صمتها الدائم، قالت نظراتها الكثير،  وصورة حنظلة الفلسطيني المرافقة لظهورها ذات دلالة على تفاهة كل الآخرين وأنها وحدَها المصيبةُ ووحدها العارفةُ ووحدها المنتصرة في النهاية. أمّا من حيث المضمون فقد تطرّق لمختلف القضايا والأفكار والمواقف، وعرضها بشكلها السريالي المثير في المتلقي حالات مُتناقضة من الخوف واليأس، ولكنّه أبقى نافذة للأمل بحَتميّة انتصار أصحاب الآمال والأحلام الكبيرة.

 

كما أنّ عنصرَي الزمان والمكان افتقرا للتسلسل الزمني والوضوح والتّحديد المكاني حيث قدّم لنا مَشاهدَ مُتفرّقة تقتربُ في الكثير منها إلى مشاهدَ من عالم اللامعقول الغرائبي، وذلك ليُؤكّدَ لنا، كما عرفنا ذلك في روايات عبد الرحمن منيف وخاصّة روايات: "الأشجار واغتيال مرزوق، شرق المتوسط (بجزأيها)، حين تركنا الجسر والنهايات"، أنّ ما تابَعناه في الرواية من عالم غرائبي وأحداث لا يتصوّرُها الإنسانُ العادي هو واقع الانسان العربي في كل قطر عربي في هذا الزمن العربي الرّديء.

 

وتكاد المَشاهد المُتتابعة والمتنوعة تفتقرُ للوصف المطلوب الذي يُعطي للصورة المشهَديّة كاملَ حاجيّاتها اللازمة لإشراك المتلقي في تفاصيل الحدَث، ولهذا افتُقِدَت تلك العلاقةُ التي تربط بين المكان والانسان، فمكان العمل "مركز الإعلام المَركزي" بالنسبة لرشيد النمر ظلّ مكانا مجهولا مُحَرّما عليه التعرّف على كل جوانبه ولهذا لم يشعر نحوه بأيّ انتماء ومحبّة ، بل كان يشعر فيه بالضيق والتفاهة والخوف وافتقاد الأمن. وهذا صحيح في علاقته مع الشارع والبيوت المقابلة لبيته التي ظلّت غريبة بالنسبة له رغم تجاوبها مع ما يقوم به من فعل. وحتى بيته هو لم يجد فيه الدفء والأمان والرّاحة والمحبّة ، فلم يصف لنا هذا البيت ولم يُدخلنا إلى أي مكان فيه. حتى الشرفة لم يصفها لنا وفقط اكتفى بذكرها. ولهذا كان البيت بالنسبة له مكانا معاديا لا يجد فيه الراحة ولا الأمان، وزوجته وأولاده يتحوّلون ليكونوا الخصمَ حتى أنّه لا يتورّع عن قتلهم، فلا تفاهمَ بينهم ولا ودّ ولا حلم مشترك، هو في عالمه وهم في عوالمهم.       

 

وسابقة شجاعة ولكنها خطرة، إذا حاول تقليدَها مَن ليس بمستوى وقُدرة ابراهيم نصر الله الإبداعية، وأقصد مشاركةَ ابنه "علي" في الرابعة عشرة من عمره وابنته "مَي" في الثانية عشرة من عمرها في كتابة بعض صفحات من الرواية.

 

وكما صدّر ابراهيم نصر الله روايتَه بأحْكام الحكّام ومَطالبهم غير القابلة للنقاش فقد أنهاها بأغنية تحكي مأساة هذا العالم العربي والأنسان العربي الذي لم يعُد له إلى أين يتّجه غير القبول بعالم الأقفاص المحدِّدَة له واقعَه ومستقبلَه، فعالمُه الذي بقي له عالم فارغ من كل شيء ولا أملَ له فيه:

 

ضيّعتُ مساءَ الأمس طريقي للقفص المنذورْ

بكيتُ ليمنحني أحد قفَصا مَهجورْ

قالوا لن تجدَ هنا شيئا مهجورا غير الدّورْ

وجناح العُشب الأخضر .. وغناء العصفورْ (ص 193)

 

وبكلمات الصغير لوالده رشيد النمر ليلا بعد شهر على ليل الصمت الطويل: "مال الصغيرُ نحو أذن أبيه وهمس: لقد حذّرتُكَ، لقد قلتُ لكَ بوضوح، لا تضعنا في موقف حَرج كهذا، لكنّكَ لم تسمعني، لو اشتريتَ لنا كلبا .. كنتَ ارتحتَ .. وأرحتَنا!!!"(ص195)

 

وبهذه النهاية اللاذعة بسخريتها الحارقة يريد ابراهيم نصر الله أن يُعيدَنا إلى شرفته العالية التي منها كان يجب أن يرى كلّ شيء ويعرفَ كلّ شيء، ولكنها بدل من أن تكونَ بُرجَ المراقبة والمعرفة ومُنطلقَ الأمل والدّافعَ للتمرّد والثورة والمواجهة والخروج للعمل، نَراها تتقلّص لتُدخِلَ الواقفَ فيها في حالة من الهذَيان اللانهائيّة. ولكنّها في الوقت نفسه تُذكرُنا بهذا الواقع غير المحتمََل لنَتَبصّر فيه من جديد لننتفضَ ونثورَ ونعلنَ أنّنا لن نقبلَ بديلا عن عالم العصافير الجميل بما تُمثله من حريّة وديمقراطيّة وعَدالة.

 

* إبراهيم نصر الله. شرفة الهذيان . رواية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى .بيروت 2005

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi