كيف يجيء الموت يا نزيه

 د. نـبـيـه القــاسم

 

"حين أسَجّى ذاتَ صباح أو ذات مساء

وأسافرُ ما بينَ دعاءاتِ الوَجد وما بين التسليم

أتمنى أن تلمسَ قلبي

موسيقى بلد المحبوب

فأعود صغيرا"

   وحين رأيتك المرّة الأخيرة، قبل يومين من غيابك، مُمدّدا على السرير في مستشفى رمبام في حيفا، تُحاول جاهدا أن تطمئنني أن وضعك جيد وصحتك في تحسّن، وإنّها شدّة وتزول، وتصر عليّ أن أعود..

 كنت أبحث عن نزيه خير الذي عرفت عشرات السنين، نزيه الشاب الجميل الأنيق، نزيه الضاحك الباسم، نزيه صاحب الصوت الجهوري القوي، نزيه صاحب النكتة والحضور الطاغي، نزيه الشجاع الأبيّ، نزيه الشاعر الرقيق صاحب الكلمات الغزلية الساحرة، نزيه الصديق الصدوق، نزيه الرفيق الأمين، نزيه الذي عرفتُ وصادقتُ وعاشرتُ ورافقت واحترمتُ وأحببت.

كنت أنظر إلى وجهه وهو يكلمني ويتناول ما تلقمه زوجته من الطعام ما بين الجملة والأخرى، ولا أصدّق ما ترى عيناي، أحاول التحكم بأعصابي، أحبس الدمعات التي أرادت أن تنساب، وأواري وجهي عنه ما بين الحين والآخر لئلا يلمس ما أنا عليه من اضطراب، ولسانُ حالي يردّد:

-       لماذا تفعل بنا الأيام ما تفعل!؟ لماذا يفقدنا المرض كلّ بهجات الحياة ولحظات السعادة!؟

 

وأتحاشى النظر إلى وجهه ليظلّ الوجه الجميل والنظرات الباسمة والشّعرُ الأجعد الكثيف يعلو الرأس الشامخ هو وجه نزيه الذي عرفتُ وأعرف.

 أستمع إلى كلماته وأتوه في البعيد لأعود إلى تلك الأيام الجميلة التي جمعتنا في بيته وبيتي وبيوت الأصدقاء.  وفي شوارع الرامة ودالية الكرمل وحيفا وكل مواقع بلادنا الجميلة، وعلى منصّات الأدب والكلام الجميل والمواقف الواضحة القوية الواثقة، وبين ربوع إسبانيا حيث كانت رجفة الخوف الأولى التي شعرتها ونبّهتني إلى وضع نزيه الصحي عندما كان يعتذر عن مرافقتي ونعيم عرايدي في رحلة مشي طويلة لثقل يشعرُه وألم يخزه في رجليه ويُسارع ليطمئننا أنّ كلّ شيء على ما يرام فلنتابع رحلتنا بدونه.  

وخرجت من عند نزيه خير وأنا أتساءل بألم:

- لماذا يا الله ؟ لماذا تكون النهاية هكذا؟ لماذا .. لماذا؟

ولم أعرف كيف قضيتُ باقي ساعات اليوم، ولكنني عندما عدت للبيت أخبرت زوجتي بحالة نزيه وأنني أخاف أن لا أراه ثانية.

 

وجاءتني كلمات شقيقه هادئة بطيئة قاتلة عبر الهاتف صباح السبت 13 شباط 2008 لينعي لي نزيه. ولتزيد حزني على فراق الكاتب الرائع رجاء النقاش قبل ساعات أضعاف الأضعاف.

وتحضرني وجوه كلّ الأعزاء الذين رحلوا وغيّبهم الموت عنّا فتتجمد الدموع ويتوقف العقل عن التفكير ولا أجد، كما في كلّ فراق عزيز، غير كلمات عزيزتنا الراحلة فدوى طوقان لأصرخ:  

يا موتُ يا غشوم يا غدّار

أخذتهم أحبتي

أحبتي المَحار

يا موت يا غشوم يا غدّار

لي لديك ألف ثار

ألف ثار.

وأقبّل وجه نزيه المُسَجّى على نعشه القبلة الأخيرة، وأسير خلف جثمانه في الشارع الطويل الموصل إلى مقبرة البلدة.. وأجيل نظراتي بين جمهور المشيعين الغفير، وتلتقط أذناي كلمات التعزية المتبادلة بين المشيعين وأستمع إلى كلمات الرثاء وأنا لا أصدق ما تراه عيناي وما تسمعه أذناي.

مشهد عبثي آخر في حياتنا العبثية هذه.

 

أيامنا تمضي.. سنواتنا تمر.. وأصدقاؤنا رفاق دربنا يقلّون.

أوراق شجرة التين في القصة إيّاها تتساقط يوما بعد يوم..

وأوراق الشجر الموسومة في الأسطورة الدينية لا تقوى على معارضة ما قدّره الرب فتتارجح في الهواء وتتساقط.

 

وأجيل نظري من شرفة بيتي فوق القمة الشاهقة أمام جبل حيدر العالي أتابع تأرجح أغصان الشجر أمام هبات الريح المتتالية، متابعا مشهد الأوراق الخفيفة المتمايلة، فزعا مع سقوط كل ورقة، لربّما كانت الورقة التي.. لربّما كانت الورقة.. لربّما كانت.. لربّما

 

وأبكيك يا نزيه خير.. وكنتُ قد بكيت رجاء النقاش قبلك بساعات وأنا أعزّي شقيقته صديقتنا الكاتبة فريدة النقاش.

وأبكيك .. وأبكي كلّ الذين فارقونا قبلك وبكيناهم معا، وتحضرني وجوههم واحدا تلو الآخر: راشد حسين، عاصم خطيب، اميل توما، إميل حبيبي، عصام العباسي، عيسى لوباني، سميح صباغ، توفيق زيّاد، فوزي عبد الله، هايل عساقلة، منيب مخول، سليم خوري، شكيب جهشان، أدوار الياس، لطفي مشعور، سلمان فراج. و، و

 

وتهتز أوراق التينة في القصة إيّاها، وتترنح أوراق الشجر على الأغصان المتمايلة مع الريح في الأسطورة الدينيّة، وتلاحق نظراتي ورقة كُتبَ اسمك عليها فأجهد نفسي اعترض طريق سقوطها لأعيدها ثابتة على غصنها في الأسطورة الدينية فتفر مني وتجافي يدي وتبعدها الريح  وأنا أصرخ: لا، لا وقبل أن ترقد ورقتك هادئة على مستقرها تشتد الريح وتضرب بالأوراق المتشبثة بمواقعها..

وأركض وأصرخ: لا يا نزيه.. لا ترحل.. لا ترحل.. لم يعد بمقدورنا مواجهة مواقف وداع الأحباء.. ولم يعد بمقدورنا الاستمرار في الحياة وكل حين نفتقد واحدا أو أكثر.

 

نزيه خير .. أيها الغائب الحاضر

أيّ كلمات تكون أجمل من كلماتك أقولها لك ولي في يوم وداعك

"حين اسجى ذات صباح أو ذات مساء

واسافر ما بين دعاءات الوَجد وما بين التسليم

أتمنى أن تلمسَ قلبي

موسيقى بلد المحبوب

فاعود صغيرا"

 

صحيفة "الاتحاد" 22.2.2008

صحيفة "القدس العربي" 4.3.2008

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi