وداعا أيّها الحلم!

ما قد نُردّده مع أحمد عبد المعطي حجازي

الصورة عن موقع ناجي العلي

 د. نـبـيـه القــاسم 

شاركت قبل أسبوعين في تسجيل حلقة تلفزيونية حول أدبنا العربي الفلسطيني مع ثلاثة من الأصدقاء المتخصصين بالموضوع، ومن الأسئلة السريعة التي طُرحَت على كلّ منّا:

أيّ بلد عربيّ كنتَ تختار أن تعيش فيه لو خُيّرتَ؟

 فاختار زملائي مصر. أمّا أنا فقلت : الرامة بلدتي. وعندما كرروا السؤال كررتُ الجواب.

ومساء الجمعة 31.8.2007 كنت أتابع التقارير المثيرة من التلفزيون الفلسطيني حول ما حدث في غزّة بعد الصلاة وأستمع إلى تعليقات المواطنين عمّا جرى من جرائم تُخجل كلّ إنسان. ونبّهني قولُ أمّ السعيد، إمرأة فلسطينية من إحدى قرى الضفة الغربية، إنها أصبحت تخجل من كونها فلسطينية وعربية ومسلمة، وتتمنى لو لم تولد أبدا، رغم أنها ناضلت وقاومت الإحتلال وربّت الأولاد المناضلين والشهداء. وذلك نتيجة لما شاهدته من فعل الإخوة الفلسطينيين من حماس لإخوتهم من شباب ومناضلي وأبناء شعبهم في غزة، فعل لا يمكن أن يتصوره عقل أو يقبل به إنسان.

ومن أسابيع أتابع ملاحقة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، والقرار المهين الذي صدر بتغريمه عشرين ألف جنيه، وأمر الحجز على أثاث وموجودات بيته لرفضه دفع الغرامة. والكتابات التي نُشرت منتصرة له ومطالبة برفع الأيدي الظالمة عنه، ومطالبة المسؤولين والسلطات القضائية في مصر بالتصدي لموجة العداء لكل ما هو ثقافي وحضاري في مصر.

وتطوّرت القضية أكثر وتمادى المتخصص في ملاحقة المثقفين والمبدعين ورجال الفكر المسمّى الشيخ يوسف البدري، المُنصّب نفسَه حامي حمى الاسلام والوطن والثقافة في مصر!؟ برفع دعاوى قذف وتشهير واعتداء على أمن الناس والوطن والدين، ضدّ كل مَن ناصر الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. مثل: جابر عصفور، جمال الغيطاني، عزّت القمحاوي، أسامة سرايا، نبيل عمر، محمد شعير وناصر أمين. وكذلك ضد كلّ من جريدة الأهرام وأسبوعية أخبار الأدب ومجلتي المصوّر وروز اليوسف.

وبدأت القضية تتفاعل أكثر في الأيام الأخيرة بين المثقفين العرب في مصر فأخذوا يُسمعون أصواتهم ويعملون للتصدي لهذه الهجمة الظلاميّة التي يقودها مَن يُسمّى بالشيخ يوسف البَدري وتحرّكها أيدي ظلام في الخفاء.

هذه الصورة البانورامية التي نقلتها لما يجري للمثقف في مصر هي مُصغرة لما يُعانيه المثقفون العرب في كل الوطن العربي.

فهذه الهجمة الظلامية المتسترة بأحكام الدين والمدعومة من الرؤساء والحكام العرب بالصمت المُريب الذي يتخذونه، الهجمة الرامية إلى تفريغ العقل العربي والإبداع العربي والقُدرة العربية وحتى الرغبة العربية التي بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود وتجلّت بكل بشاعتها في اغتيال حسين مروة في لبنان وفرج فودة في مصر وانتحار خليل الحاوي في لبنان وهرب نصر أبو زيد من مصر ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ وملاحقة السيد القمني ونوال السعداوي في مصر وقتل سمير قصير في لبنان وملاحقة الشاعر موسى الحوامدة في الأردن والإعتداء على سمر يزبك واعتقال مشيل كليو وغيره في سوريا، وهجرة كبار الشعراء والمفكرين من العراق ومصر وسوريا ولبنان والسودان وموت الكثيرين بعيدا عن بلدهم أمثال بلند حيدري ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وعبد الرحمن منيف. واستجداء العديد من المبدعين الذين بحاجة للرعاية الطبية وإجراء العمليات المكلفة أمثال الشاعر محمد أبو دومة والروائي صنع الله إبراهيم في مصر.

هذه الحالة البائسة الموئسة إضافة إلى كل الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والقضائية وحتى الانسانية التي يعيشها الانسان العربي تجعل الواحد يتساءل:

-         ولمَ أتابع الحياة ؟ لأيّ هدف ؟ وأيّ مستقبل ذلك الذي أسعى لتحقيقه؟

مآسي المثقف العربي أنّه فقد إحساسَه بأهميّة وجودة وفائدته والحاجة إليه. وأنه فقد في الثلاثة عقود الأخيرة كلّ ما حلم به وسعى لتحقيقه وخرج ليُحارب من أجله.

فالوطن العربي الكبير الذي كان يُغني له ويحلم لتجسيده وتوحيده هو في واقع الحال السجن الكبير الذي لا يجد العربي فيه غير الموت والموت والموت.

والحلم العربي بقومية عربية متحررة ومنتصرة أضحى سرابا باهتا لا رغبة فيه ولا سَعيَ لتحقيقه.

والمجتمع المتحرر الغني المتحضر الدافع لأفراده للرقي والانجاز والتفوق ليس إلا مجتمعا منخورا بائسا فقيرا يعيش على ما تتكرّم به موائد اللئام من بقايا فتات .

وحتى الدين الذي كان نوّارة الواحد وبهجة الأفئدة لما يغرسه في النفس من طمأنينة وسلام ومحبة للجميع أصبح بفضل أدعيائه، المؤلبَ واحدَنا على الآخر، وما يُقَيّم به كل فرد، وويل لمَن يفكر بمجرد الخروج على ما رسمه له رجال الدين مما يدعون أنه من أحكام الدين، وأيّ مصير سيلقى مَن يتجرأ ويفكر بالتخلي عن دينه، والويل الويل لمَن يجرؤ على إعلان رغبته في الانتقال إلى دين آخر، فمصيره الرّجم والموت وتطبيق حدّ الردة والكفر ضدّه، كما جري للشاب المصري المسلم الذي أعلن عن اعتناقه للمسيحية بدلا من الاسلام.

أصبح الفرد في الوطن العربي يُؤَطّر ضمن  حلقات وانتماءات لا وجود له بدونها ولا أمان له خارجها: الأسرة، العائلة، الحمولة، الطائفة ، المذهب، الدين .

أمّا الوطن! فأين هو هذا الوطن ؟

فلا أمان ولا حياة ولاكرامة ولا قيمة للفرد في وطنه . ففي الوطن العربي، كما قال غوّار الطوشة في إحدى مسرحياته : المواطن لا شيء.

كثيرا ما كنّا نتغنّى ببطولات رجال الفكر والمبدعين الذين خرجوا يتحدّون الحكام ويستشهدون في سبيل مواقفهم، وهذه الأيام يحتفل العالم بذكرى استشهاد شاعر إسبانيا الكبير لوركا، ولكن أيّ احتفالات نقيم، وأيّ رجال فكر ومبدعين نكرّم وفي عالمنا العربي يتحكم الجهل والجهّال والظلام والظلاميّين وأصحاب الفتاوى والنبابيت، ولا يجرؤ الانسان البسيط على اسماع صوته وإعلان مطالبه في حقّه بتوفير حاجياته الرئيسية الأساسية لاستمرارية حياته.

وطننا العربي لم يعد وطننا، وقوميتنا العربية التي طالما تغنينا بها ونادينا بها أصبحت سرابا لا رجاء فيه. والوحدة العربية التي خدعنا أنفسَنا بإمكانية إنجازها أصبحت سببَ كل المصائب التي حلّت بنا وشتتتنا وفرّقتنا وألبت واحدَنا على الآخر.

أصبحنا أفرادا نتأطر ضمن دوائرنا التي أرادها العدو لنا، وسعينا إليها بأنفسنا: فواحدنا هو ابن أسرته وعائلته وحمولته وطائفته ومذهبه ودينه وبلدته وحيّه وبيته ولا علاقة له بالآخرين. خبزه كفاف يومه والله هو الحامي والضامن ونعم الوكيل .

أمّا الوطن فلسُرّاقه، وأما الدين فلمُدّعيه وأصحاب الفتاوى، وأما الثقافة والإبداع فللجهلة الذين نصّبوا أنفسَهم أو نصّبوهم في مراكز القرار والتوجيه في كل مكان.

أمّا المواطن الفرد ! فهو لا شيء، لا شيء في الوطن المسمّى عربي.

وهل يبقى لواحدنا الحلم الذي يسعى لتحقيقه؟ وهل تبقى لواحدنا القدرة وحتى الرغبة لاحتضان الأمل والرجاء بمستقبل عربي أفضل!؟

ماذا  أبقوا لنا غير أن نردّد: وداعا أيّها الحلم؟

وسلامي لكم يا كلّ المبدعين والمثقفين ورجال الفكر في الوطن العربي والشتات والمهجر والسجون .

سلامي لكم يا أحمد عبد المعطي حجازي وجابر عصفور وجمال الغيطاني وأحمد فؤاد نجم ونصر أبو زيد والسيّد القمني ومحمد أبو دومة وصنع الله إبراهيم ونوال السعداوي ومشيل كليو وسمر يزبك وموسى الحوامدة. 

 كل العرب  9\9\2007

القدس العربي 10\9\2007

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi