دالية رابيكوفيتش إمرأة غير عاديّة

 د. نـبـيـه القــاسم

             أن تُقرّر امرأة بحجم ومكانة الشاعرة دالية ربيكوفيتش (1936-2005)  أن تضعَ حدّا لحياتها لاقتناعها بأن لا فائدة بعد من أيام أو شهور أو سنوات قد تعيشها، يحتاج تنفيذ قرارها هذا إلى شجاعة كبيرة. وشجاعتها تكون أكبرَ وهي تُدرك موقف الديانات السماوية من الانتحار وما سيكون موقف المجتمع وخاصة الناس القريبين منها.

    وشاءت الصدف أن أسمع بخبر انتحار دالية وأنا مستغرق في قراءة رواية باولو كويليو "فارونيكا قرّرت أن تموت". واختلطت الصور بعضها ببعض، وجه دالية الحزين على جسد فارونيكا الشابة  المُتَخَيّل ووجه فارونيكا الشاب على جسد دالية المترهل الضعيف، وتداخلت الوجوه والأجساد منذ كليوباترا مرورا بفرجينيا وولف ومارلين مونرو ومئات بل آلاف الفتيات الصغيرات اللاتي قررن الموت ونفذنه.

    أن تموت يعني أن تنسحبَ من الوجود وتخرج من حُكم الزمان والمكان ولا تعود لأيّ كان القدرة للتحكم بك. ولكن أن تموت يعني أيضا أنّك تخسر كلّ نِِعَم الحياة وتقطع علاقاتك مَع كل الذين عرفتهم. والأهم من ذلك أنّك تخسر نِعمَة المشاعر المختلفة المتناقضة، فلا تعود تُثار وتغضب ولا تغار وتحسد ولا تتأذّى وتحقد.  والخسارة الأكبر أنّك تفقد النعمة في أن تحزن وتتألم  وأن تُحبّ وتسعد أو تتعذّب، وأن تملك حقّ التمرّد على العالم والحياة والناس والقوانين وحتى السماء بأن  تضعَ حدّا لكل ذلك وتُقرّر أن تموت.    

      من خلال قراءتي لشعر دالية ولقائي بها في أكثر من مناسبة أدبية وانبهاري بإيقاع صوتها وهي تنشد الشعر، وسطوة حضورها وهي تجول ببسمتها الحزينة المرتبكة على شفتيها عرفتُ أيّ امرأة تشعُ بالضوء هي دالية.

     عاشت دالية وهي تبحث عن السعادة المستحيلة في هذا العالم، وحيدة لا يُشاطرها أحد في وحدتها النفسية وعذابها المتواصل منذ اللحظة التي فقدت فيها والدها الذي مزّقته إطارات السيارة التي صدمته أمامها وهي لا تزال في السادسة من عمرها.

    تمرّدت على مجتمعها الصغير وهجرته وعانت من إحساسها بالغربة والوحدة والفراغ وهي تتنقل بين الأُسَر التي احتضنتها. اعتقدت أنّ خلاصها سيكون على يد الرجل الأول الذي يلتقيها وتمنحه حبّها فخاب أملها وأيقنت بعد تنقلها بين أكثر من رجل أنّ الحبّ المطلق مستحيل والرجل الذي تريد لا وجود له، فأخذت تبحث عن ذاتها في ذاتها وأدخلت نفسها في لعبة خطيرة كانت نتيجتها أنّ الألم هو ما بقي لها في حياتها  فراحت تُحاول ترويض الألم بمراوغته والتلذذ به معتقدة أنّ الالم هو الذي سيُحررها ويُطهرها حتى اعتادت عليه وأصبح مواكبا لها في حياتها ومخدرا لا يُمكنها الاستغناء عنه.  

    ثارت على الأطر السياسية والمفاهيم السائدة والأيديولجيات المتحكمة ونادت بالحرية للانسان أيّا كان انتماؤه . كره منها الآخرون هذه المواقف، واعتبرها البعض امرأة مجنونة تصرخ في مكان غير مكانها الذي تعيش فيه. ولكنها كانت ترى أنّ الجنون الحقيقي لها إذا فقدت القدرةَ والحريّةَ علي التعبير عن أفكارها وإسماع صوتها.

      لم تهتم لما يقوله الآخرون عنها وإنما آمنت أن المهم ما تقوله هي عن نفسها. ودائما كان السؤال الذي يلاحقها ويعذبها يتردد في ذهنها:

 ما هو الأهم في الحياة؟ العيش أم التظاهر بأنّنا نعيش؟

 ولأنها ترفض التظاهر الكاذب اعترفت بالحقيقة الموجعة أنّ العيشَ الذي تُريده وسعت للوصول إليه وتحقيقه مستحيل. واجتهدت في بحثها عن ذاتها في ذاتها، فتكشّفت أمامها الطرق العديدة التي لا مخرج لأيّ منها. نظرت في المرآة فراعها ما تراءى لها، وجه لامرأة لم تعرف السعادة في حياتها ولم تذق نعمة الحب الحقيقي، الحب الذي لا نفقد تشوّقنا إليه ويُشكّل جزءا مهمّا من حياتنا. فعادت لتبحث، وتوصلت إلى اليقين أنّها لن تعرفَ نفسَها إلاّ حين تتجاوز حدود ذاتها. وكان قرارُها بأن تموت، لا رغبة في الموت، وإنّما لإدراكها استحالة تحمّلها أعباءَ الحياة، وليقينها أنّها بموتها تعبرُ الجسرَ إلى حيث الحبّ المطلق المؤدّي بها إلى السعادة والحرية، فحيث يكون الحب تكون الحرية .

 

اليوم السابع، مُلحق جريدة كل العرب 9.9.2005

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi