قصة: وتكون لنا راية

من مجموعة قصص بعنوان "آه يا زمن" لنبيه القاسم

 

لم يُصدَّق أنّ كلّ ذلك حدث هذا اليوم..

لأوّل مرّة يشعر أنّ له راية وله نشيد وله ما يُقاتل من أجله..

كانت الحجارة بأحجام مختلفة تصل إلى يديه فيقذفها بكلّ قوّته، وكانت يُمناه تُمسك أحياناً بزجاجة ثقيلة فيلوّح بها بعيداً ويشعل أمامه ناراً مُحرقة تُشعل الأمل في فؤاده وتزيد القوّة في يديه.

لم يسأل نفسه ولو لحظة: لماذا أنا هنا؟ فقد كان بكلّ إدراكه ومعرفته ومشاعره يرتبط بهذه المواقع التي يُقاتل فيها، تماماً كما كان يُدرك ويعرف أنّ قريته البعيدة في الجليل، هي المكان الذي وُلد فيه ويسكنه أهله وعرف فيه أوّل حبّ.

- ليسقط الاحتلال.. بلادي بلادي.. الفاشية لن تمرّ.

كان يندفع مع الشباب بكلّ قوته، يُحاصرون الجنود المُدجّجين بالأسلحة. ويعلو النشيد. وترتفع الراية في السماء. رائحة الغاز تملأ الجو، والرصاص يُلعلع ولا أحد يُفكّر بالتراجع.

فجأة اندفع الجند بسياراتهم مخترقين الجموع المُقاتلة، وانتشر المئات منهم بين الشباب يضربون بهرّواتهم أينما وجدوا لذلك سيبلاً، وخراطيم المياه تُبلّل الشباب وتحوّل المواقع إلى برك ماء كبيرة مُتفرّقة، وصوت الطلقات الناريّة ينشر في المكان جوّاً رهيباً.

كان يتمنّى لو لم يَعُد إلى غرفته.. لو أنّه ظلّ هناك بجانبها يحميها من كلّ أذى يُمكن أن تتعرّض له، لكنها ألحّت عليه كي يذهب ويتركها حتى لا يمسكوا به ويُلفّقوا له مُختلف التهم.. ويضيع كأنّه لم يكن..

- إذهب بسرعة قبل أن يصلوا.. وجودك هُنا يهمّني أيضاً.. أن تكون هناك يعني أنّنا في كلّ مكان.. أنّنا سنلتقي ثانية ولن يستطيع أحد أن يُفرّق بيننا.

شدّ على يديها وابتعد هامساً:

-        حاذريهم.. وليحفظك الله.

كانت غرفته تغرق في الظلام عندما دخلها.. لم يرغب في إشعال النور.. رمى جسده على السرير وراح يتأمّل في العتمة.

ندّت عنه ضحكة حاول كبتها:

- ماذا لو صرتَ صرصاراً تتنقّل بحريّة حيثما تشاء لا يوقفك جنديّ ولا يجوس في داخلك أنبوب مطاطيّ يُقربك من الموت؟

يتذكّر كلماتها عصر ذلك اليوم بعد استماعهما إلى تصريحات ذلك الجنرال الذي وصف العرب بالصراصير.

يومها ذهب به خياله إلى البعيد، حيث رأى نفسه مع مئات آلاف العرب يتحوّلون إلى صراصير، وأخذت هذه المئات تتوالد بسرعة مُذهلة حتى غدت في وقت قصير ملايين لا نهاية لتناسلها، وراحت تتسابق في اعتلاء بزّة الجنرال وتتجمّع في حَلَقة مُكتظّة حتى بات من الصعب على الجنرال أن يُحرّك أي عضو من أعضائه، فلم يعُد يرى شيئاً وأخذ يصيح طالباً المُساعدة والصراصير ترقص فوق بزّته العسكريّة وهو في حالة فزع لم يعرفها في حياته، حتى أثناء وجوده في الجنوب اللبناني.

وتخيّلا معاً ملايين الملايين من هذه الصراصير وهي تُحمل في شاحنات لا عدّ لها، توزّعها على كلّ محطّات العالم وفي كلّ الموانئ تحقيقاً لرغبة نائب وزير كبير وجد أنّ الحل الأمثل لتزايد السكان العرب ترحيلهم في شاحنات كبيرة.

- قد يهتم بنا العالم يومها، عندما يُضايقهم وجودنا وتكاثرنا فيعملون على حلّ قضيّتنا بإيجاد وطن مُستقل لنا لا يقربنا فيه أحد.

علّقت ساخرة:

- وقد يتّفق الجميع على اختراع سلاح فتّاك يقضي على وجودنا في هذا العالم فيحلّون بذلك القضية ويهدأ الجميع.

نظر إلى عقارب ساعته مستعيناً بالضوء المُنبعث من الشارع المُحاذي، وسارع إلى جهاز التلفزيون ليُتابع نشرات الأنباء المُختلفة ليطّلع على مجرى أحداث اليوم كلّها.

- "تابعت قوّات الاحتلال تنكيلها وقتلها في المناطق المُحتلّة، فقد كان حصاد اليوم خمسة قتلى وما يزيد على المائة جريح".

- "فرضت القوّات العسكرية في يهودا والسامرة وقطاع غزّة نظام منع التجوّل لضمان أمن السكان الراغبين في الحياة بهدوء، وتأمين لُقمة عيشهم بعيداً عن تأثير المخرّبين ومُثيري الشّغب".

- "هاجمت قوّات الجيش مستشفى الشّفاء في غزّة وأمطرت المرضى والعاملين بوابل من قنابل الغاز المُسيل للدّموع، ثمّ اقتحمت المكان واعتقلت العشرات من نزلائه رغم اعتراض الأطبّاء والممرضات".

- "قام قائد يهودا والسامرة بجولة تفقديّة في أنحاء المناطق المُحرّرة ليتأكّد بنفسه من وضع السكان والإطمئنان على سير حياتهم الطبيعي الذي يُريده لهم".

- "صرّح النائب المسؤول عن الأمن: أنّ الحلّ لضمان الهدوء في البلاد هو إعادة الحكم العسكري على مناطق عديدة في الجليل والمثلث حيث يسكن العرب".

وشدّه صوت المُذيع الذي أخذ يُسهب في حديثه عمّا جرى هذا اليوم في الناصرة وأمّ الفحم والرّملة واللّد ويافا والكثير من البلدان العربية داخل البلاد، وتملّكه الغضب وهو يُشاهد على شاشة التلفزيون أتباع كهانا العنصريين وهم يتحدّون مشاعر أبناء مدينة شفاعمرو العرب، وضَرَب الحائط وهو يُتابع مشاهد العراك بين أهل شفاعمرو وأفراد الشرطة الذين يعملون على تخليص رجال كهانا من بين أيدي الشباب الغاضبين.

لم ينتبه للقرع الذي أخذ يشتدّ على باب غرفته، كان صوت المُذيع يُخرجه عن طوره وهو ينقل تصريحات العديد من المسؤولين: "أنّ العرب أصبحوا يُشكّلون قُنبلة موقوتة داخل البلاد تُهدّد بالإنفجار". واستفزّه صوت أحد المُتكلّمين بأنّ "الحل الوحيد لمشكلة العرب هو ترحيلهم أو القضاء عليهم".

كان الطرق على الباب يزداد.. ثمّ سمع دفعاً قوياً للباب ورأى أمامه ما يزيد على ستّة رجال يُشهرون سلاحهم ويطلبون منه أن يرفعَ يديه ويجلس بهدوء.

لم يتكلّم.. رفع يديه وجلس على المقعد بينما كانت الأصوات الهادرة المُنبعثة من التلفزيون تنقل ما فعله الشباب في القدس.

- "بلادي بلادي.. الله أكبر.. ليسقط الإحتلال.. الفاشيّة لن تمر..".

        وبينما كأن أفراد الشرطة يدفعون به إلى الخارج التفت ليرى كتبه التي بعثروها في كلّ مكان، وليرى على شاشة التلفزيون قبل أنْ يُخرسه الشرطيّ الأخير، الشباب الذين يرمون الحجارة ويشعلون النار في الإطارات ويقذفون الزجاجات المُشتعلة ويهتفون للوطن.. ويرفعون الرّاية.

        ورآها أمامه تسير إلى جانبه وتهتف بأعلى صوتها:

        - بلادي بلادي..

 

        وشعر للمرّة الثانية هذا اليوم، أنّ له راية وله نشيد وله ما يُقاتل وما يُعتَقَل من أجله.

 

"الإتحاد 22/1/1988"

نسخة للطباعة

إقرأ أكثر:

1- دراسة نقدية حول قصّة "وتكون لنا راية" - بقلم: محمد توفيق الصواف

2- دراسة نقدية حول مجموعة "آه يا زمن" - بقلم: د. عيسى أبو شمسية

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi