رشدي الماضي في "مفاتيح ومنازل الكلمات"

 د. نـبـيـه القــاسم

 

يكاد الشعر، على عكس ما قد يتصوّر البعض، أن يكون الواجهة الأبرز للحركة الأدبية العربية المحلية، كما كانت عليه الحال ، طوال سنوات العقود السابقة. والبارز في هذا النشاط كثرة الأسماء الشّابة التي تنضاف باستمرار إلى قائمة الشعراء وخاصة الشّابات. وأرى في هذا التوجّه نحو الإبداع الأدبي ظاهرة مشجعة ومُباركة، علينا الاهتمام بها ورعايتها رغمَ كلّ التحفظات التي تكون لنا عليها.

لكن تظلّ لنا نزعة ذاتيّة تشدّنا نحو مَن رافقناهم سنوات وسنوات على طريق الإبداع ورسّخوا أقدامهم وثبّتوا مكانتهم على الساحة الإبداعية. والصديق الشاعر رشدي الماضي هو أحدهم وهو الشاعر الشيخ/ الشاب الذي، بثقافته ومعرفته وخبرته وتطوّر تجربته وإمساكه بمفاتيح اللغة وخزائن الإبداع هو شيخ الشعراء، وبنشاطه واستمرارية عطائه الدائم وتفاؤله وإصراره على الأمساك بجذوة الشعر الحارقة هو شاعر الشباب.

ما يُميّز شاعرية رشدي الماضي هذا الهدوء المنساب بارتياح، الكلمات المتدفقة المتناغمة بإيقاع داخلي مميّز، اللغة الجميلة المُتقنة المُتناسقة بمُفرداتها وجُملها وتعابيرها، العُمق والذكاء في طرح الفكرة واصطياد المُفردة التي تتغلغل في داخل المُتلقي فتوقظ فيه شعلة حبّ المَعرفة المُستَزادة وجذوةً تدفعه ليُبادرَ ويتمرّد على واقع مرفوض يجب العمل على تغييره.

وتجربة رشدي الماضي الشعرية عبرت المراحل المختلفة واكتسبت الكثير على طريق الشعر وتبلورت في السنوات الأخيرة بمَنحاها المُتفائل والمُتفجّر، ولكن أيضا بعُمقها وسَعيها لتأسيس الحاضر على الماضي والدفع للمستقبل استنادا إلى محصلة هذا التلاقي بين الزمنين. وقد لمسنا هذا التحوّل منذ مدخل مجموعته الشعرية "تهاليل للزمن الآتي" بقوله:

        مدينتي زنزانتي

          لا تعرف الأنوار

          مدينتي ألسنةٌ ضريرة

          تلعق الصبر..

          وتأكلُ الصبّار..

وبعد هذا التوجّه المُحبط الموئس نراه يستعيد تفاؤله ويؤكد على المقاومة:

        عروستي اليوم/ رحيل دائم للمطر/ لكنّها تقارمُ/ تقاومُ/ تُقاومْ !!/ وترفضُ الحصار.(ص9-10)

وفي مجموعته هذه وقفنا على التحوّل النوعي، والعُمق في السّعي لاثراء التجربة الشعرية والمعرفة الواسعة بهذا الدخول العميق في عالم الأسطورة والتاريخ:

لا تقلقي شهرزادي/ لا تقلقي!/ إيزيس اختك/ أُطلقَ سراحها/ نعم! أطلقه أهلُ الكهف/ لتعود تلمّه من جديد/ إيزيسي!/ واصلي سعيَك/ على حدّ السور في عكا وسفح البرتقال في يافا (ص64-65)

وكما في مَدخل مجموعته "تهاليل للزمن الآتي" واجهنا بموقف حزين ويائس وغير مُبشّر بأمل، هكذا في مَدخل مجموعته الأخيرة "مفاتيح ومنازل الكلمات":

*   مرّ الليل

    يمرّ الليل ولا يمضي!

*   شبّ قلق

وعاد يهمهم في دربي

*   لا تحلم!!

أبوابُ "الغابة مسدودة"

خطاك هباء

وخطاكَ "رؤيا" موؤودة!

*  لا تحلم!

يعود الحلم ولا يأتي!!

        سأعودُ الآن إلى صمتي. (ص4-5)

لكن هذا الحزن كما يبدو، ونتيجة لما يحيق بعالمنا وخاصة العربي يجعله يرافق كل قصيدة.

وإذا كان عالم الأسطورة قد شدّ الشاعر رشدي الماضي إليه وسحره بكنوزه التي لا تنضب، فإن الارتواء الذي لمسناه في مجموعته السابقة من نبع الأساطير يبرز هنا، ولكن بتروّ وعمق وفهم وبلورة لمحتوى الأسطورة ووظيفتها الفعّالة في الشعر. فهو يحاور السامري

فاضت دموعك؟!!/ "فسحرت" عجلك "خيمة"/ يأوي تعب الضياع، إليها أخيرا؟!/ لم تعد فاجعتي/ في "سٍرْك لهوك" دُميةً!!/ ولا "لمَزاد" شهوتك/ تاييس وسريرا (ص7-9)

 ويتحدث إلى يوسف:

يوسف/ إبقَ في "القاع"/ ذئابهم تعوي/ وتزداد أكثر!!/ "فرعونهم" هذا ؟!/ لا تسل عنه/ "بقراته"أدهى وأمهر/ أجدل له، كشهرزاد/ كلّ ليلة حلما/ ليطول غيابه/ وغيابه يكبر!/ لا تخش!!/ هي "عنات"/ وتنكرها "زليخة"/ فإنْ تغلّقت "الأبواب"/ ونامت لنا شمس/ وغفا لنا قمر/ سنفتح، في العتمة، بابا للطوارئ/ كثيرون يا يوسف جاؤوا/ وأمام دار لنا مرّوا!!" (ص 10-12)

ويرفض سماع زرياب ويقول له:

 أتركني!/ ضقتُ صبرا وعييتُ كلاما"/ زرياب!!/ أنا تالليلة لا أريدك.

لكنه يعود ليحث زرياب على الغناء والعمل فهو ليس وحده في السعي لتحرير الوطن واستعادة بسمته:

"زرياب!/ لستَ الآن وحدك/ "فتّش" تجد أنكيدو عندك!/ "نموز" نخيلك/ حلّ بالأمس أوانه/ شُدّه وتراً ولودا/ ليحضنَ الكونَ "غنانا" (ص16-17)

ولم تعد العودة للأسطورة أو التاريخ مجرّد حلية يُزيّن بها قصيدته كما عرفنا هذا المنحى عند الكثيرين من الشعراء في القرن الماضي ، حيث كان الواحد يجمع في بيت الشعر الواحد خمسة أسماء يحشوها ليبرز مدى معرفته وثقافته ، لكنه سرعان ما كان يكشف عن ضحالة المعرفة باستخدام الاسطورة وما تضيفه من دلالات وعمق للقصيدة.

صحيح أن استخدام الأسطورة في الشعر فيه إضافة الجمال والسحر والعمق للقصيدة. ولكن فيه الخطورة والمجازفة والوصول حدّ السقوط والضياع . فالأسطورة قد ترفض التعامل معها في القصائد القصيرة لأنها لا تأتي لتزيين القصيدة بها والتظاهر بالمعرفة والموسوعية، وإنما هي خلاصة تجربة انسانية.  في استخدام الشاعر المبدع للأسطورة، يبغي استحداثها واسباغ معنى المعاصرة عليها، فهو لا يقدمها بصورتها التي عرفناها عليها في المصادر، وإنما تكون جديدة تنبض حياة وتتفجّرُ عطاء وإشعاعا. لهذا فالقصيدة الطويلة هي الأنسب لاستخدام الأسطورة لما تُوَفّره من مساحات وإمكانيات للخلق والإبداع والتنامي والتفجّر، وهذا ما لمسناه عند الشاعر في قصائد مجموعته الأخيرة.

رشدي الماضي في مجموعته الشعرية الجديدة أثبت أنه قادر على العطاء الدائم والأفضل. وأنه دائم الطلب للمعرفة والاستزادة في التعمق بالتاريخ الانساني وحضارة الشعوب، ولا يكل أبدا في صقل تجربته وخوض الجديد دائما.

وتبقى لغته بمفرداتها وجملها وتعابيرها الصافية المنسابة المتناسقة عزاءنا في هذا الواقع الذي نشهد فيه تمزقها وتشويهها.

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi