د. نزيه قسيس في ترجمة:

"أشدّ من الماء حزنا" لسميح القاسم إلى الإنكليزية

Sadder Than Water

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

كانت اللغة ولا تزال وسيلةَ الإتصال الأكثر أهمية بين بني البشر، وأنْ تُتقنَ لغة يعني أنّك اخترقتَ عالما متكاملا بناسه ومجتمعاته وحضارته، عالما كان مجهولا لك، وبعد تعرّفك عليه تجد نفسَك دون أن تدري مُتعاطفا معه، مُتفهّما لناسه، مَشغولا بهمومه، وأنّه أصبح يُشَكّل حيّزا مُهمّا في تَكوينك الثقافي والإنساني والفكري. وكلما زادت مَعرفتك باللغات كلّما زادت معرفتُك وانتماءاتُك وتَشكّلت هويّتك.

ولقد اهتمّ رجال الفكر والعلم والأدب منذ القدم بالتعرّف على حضارات وآداب الشعوب الأخرى، وهذا ما دفعَ إلى بَذل الأموال الطائلة لترجمة كنوز المعرفة عند الغير، وكما ترجم الفُرس من الهندية إلى لغتهم كتابي " كليلة ودمنة" و " ألف ليلة وليلة" وعشرات الكتب الأخرى، اهتمّ العربُ أيضا بترجمة هذين الكتابين والمئات غيرهما من الفارسية واليونانية إلى العربية، وكان الخليفة المأمون (813-833م) قد حرص على إقامة مركز ترجمة خَصّص له الأموال.

وتُشكل الترجمة في عصرنا الحاضر مَظهرا من مَظاهر الحضارة والتقدّم والرُّقيّ، وتجد في كل دولة متطورة عدّة مراكز ترجمة إلى جانب مراكز البحوث المتنوعة في اختصاصاتها.

ما دفعني لهذه المقدّمة حديث كان قد أدلى به الراحل الكاتب نجيب محفوظ في حوار له بباريس ريفيو مع شارلوت الشبراوي حيث قال: إنه بدأ ينشر بشكل منتظم منذ عام 1943، وروايته "عبثُ الأقدار" نُشرت عام 1939، ولكنه لم يحصل على أيّ مبلغ مقابل أعماله. وفقط عندما تُرجمت قصصه إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية بدأ يكسب من كتاباته، والمثير في كلامه أنّ أوّل رواية تُرجمت له كانت "زقاق المدق" وكان ذلك عام 1970. 

هذا الكلام يُطلعنا على وضع الترجمة البائس في عالمنا العربي، وعلى أسباب إهمال الآخرين لأدبنا وتراثنا، وجهل شعوبهم بنا وبحضارتنا وتاريخنا والإكتفاء بما تُزَوّدُهم به وسائلُ الإعلام المعادية. فإذا كنّا نحن لا نهتم باطلاع الآخرين عليه بترجمته للغاتهم فكيف لنا أنْ ننتظرَ قيامَ الغير بذلك؟ فلا وجودَ لأيّ مَركز تَرجمة تُموّله الدولةُ وترعاه وزارةُ المعارف، والترجمات تتمّ بنشاط فردي ودون رقابة، وكلنا يذكر تلك القصص العالمية لكبار الكتاب العالميين التي كانت تُنشر مترجمة في بيروت، ولا نعرف هويّة المترجم، فيكتفي الناشر بكتابة "قام بترجمتها عدد من أساتذة الجامعة" وتجد في فصول الرواية الواحدة تَفاوتا في اللغة والدّقة والأسلوب دلالة على أنّ الأستاذ الجامعي أعطى فصولَ الرواية لأكثر من طالب من طلابه وبعد ترجمتها دفع بها للناشر وقبض ثمرة جَهده الذي لم يكن له أصلا. والضحيّة هو القارئ. والقارئ العربي كان ضحيّةَ العَشرات من المثقفين من كتّاب وشعراء الذين أعجبوا بنصّ قرأوه في لغة أجنبية فلم يتَوَرّعوا عن ترجمته أو سَرقة فكرته وتَقديمه للقارئ العربي على أنّه نصّ إبداعي لهم، مُعتمدين على جَهل القارئ للغة النص الأصلية. وهذه السرقات لا تزال مستمرّة حتى يومنا.

والدكتور نزيه قسيس أحد الجنود الذين يجدون في الترجمة عملا نضاليا مثمرا ومؤثرا في اختراق حواجز الجهل والغربة والتّجاهل ما بين أدبنا العربي وحضارتنا وباقي شعوب العالم. ولهذا أخذ على عاتقه منذ سنوات، وعلى حساب إمكانيّة أنْ يُكرّسَ وقتَه وجَهدَه للإبداع الذاتي والدراسات الأكاديمية. وقد ترجم الدكتور نزيه حتى الآن عشرات المقالات وعدد من الكتب من العربية إلى الإنكليزية وبالعكس، وساعد العديد من الدارسين الأكاديميين في بحوثهم، ومساهمته في ترجمة قاموس هاراب كانت البارزة في خدمته لطلابنا في المرحلتين الإعداية والثانوية.

ولكونه شاعرا يعرف قيمة الكلمة ويستشعرُ إيقاعيّةَ اللفظ وهسهسةَ الحركة اتّجَهَ منذ سنوات لتَرجمة المقطوعات الشعرية المختلفة من الإنكليزية للعربية وبالعكس.

وقبل مدّة صدرت ترجمته الكاملة والجميلة لمجموعة قصائد للشاعر سميح القاسم باسم" أشد من الماء حزنا" صدرت عن منشورات إيبس Ibis وبتقديم الناقدة عدينة هوفمن.

يقول الدكتور نزيه قسيس: كانت هذه أوّل تجربة لي لترجمة مجموعة شعرية كاملة. وقد تَوجّه إليّ الناشر بيتر كول وهو مترجم  ويعمل الآنَ محاضراً في جامعة برنستون ويُتقن العربية وكان قد أصدر ترجمات لشعر طه محمد علي ولرواية "سرايا بنت الغول" لإميل حبيبي، وقد قبلتُ عرضَ الناشر لمعرفتي توجّهَه الإيجابي نحو أدبنا العربي، وخاصة الفلسطيني المحلي منه ورغبته في تعريف القارئ الإنجليزي على الأدب الفلسطيني.

ويقول الدكتور نزيه إنّه كان على تَواصل تام مع الناشر والشاعر ومُراجعة كلّ اشكاليّة في الترجمة حتى لا يقع أيّ خطأ، وأنّ اختيار القصائد كان بالتنسيق بين الشاعر والمترجم والناشر.

لقد عرَفَتْ أشعارُ الشاعر سميح القاسم طريقَها إلى اللغات المختلفة ونُشِرَتْ له عشراتُ القصائد بمختلف اللغات وفي العديد من الصحف في معظم الدول. كما وصدرت له مجموعات شعرية مترجمة، منها إلى اللغة الفرنسية عن دار النشر Editions De minuet Unesco Les. فازت بجائزة أفضل كتاب ترجم إلى الفرنسية لعام 1988، وإلى الإيطالية ترجمت مجموعة مختارة وصدرت عن دار نشر Edizioni Q  في إطار جامعة روما سنة 2005 وتقديم الناقد الإيطالي رانييرو لافالي. 

تمثّل القصائد المختارة في المجموعة تجربة الشاعر منذ سنوات الستين وتَعْرضُ مختلفَ المواضيع التي عالجها. نقف فيها على القصائد القصيرة جدا التي لا يَتعدّى بعضُها السطرين أو الثلاثة، هذه القصائد التي تُشبه شكل شعر الهايكو الياباني والشرق آسيوي، وكان سميح القاسم من أوائل الشعراء العرب الذين كتبوه، وبرز بشكل واضح في إبداعات الشاعر إبراهيم نصر الله، ونجد المطوّلات التي تميّز بها سميح القاسم وعُرفَت باسم "السربيات" وهي عبارة عن ملاحم قصيرة صَوّر فيها تجاربَ عميقة  مرّ بها الانسان العربي والفلسطيني خاصة ومنها سربية "أشد  من الماء حزنا" التي اختيرت عنوانا للمجموعة. كما وعَرَضت القصائدُ المختارة تجربةَ سميح القاسم الشعرية من حيث المبنى الشعري والفكري واللغة، ومن المعروف أن سميح القاسم طوّر لغتَه وصقَلها وطوّعها لمستلزمات الحداثة والتطوّر التكنولوجي وطعّمَها بالمفردات من اللغات الأخرى. واعتُمِدَت في المجموعة، القصائدَ التي تتميّز بالغنائية والدراميّة. ويعترف المترجم د. نزيه قسيس أن عمله لم يكن سهلا وإنما كان تحديّا ورغبة عميقة في عبور امتحان ترجمة قصائد لشاعر بحجم سميح القاسم. وكان الدكتور نزيه قد ترجم دراسة كتبتها البروفيسورة تيري دي يونغ من جامعة واشنطن في سياتل ونشرتها في مجلة"الجمعية الأمريكية الشرقية " حول "اللغة في دنيا المرآة: سميح القاسم وتَحديث الجناس" نشرها في مجلة إضاءات عدد 4 صيف 1997. كذلك ترجم قصيدة "قطر الندى" للشاعر سميح القاسم وقصيدة "أذكر" وقصائد أخرى للشاعر شكيب جهشان.

 

كتبت مقدمة المجموعة الناقدة عدينه هوفمن حيث استعرضت فيها حياة سميح القاسم وتجربته الشعرية واختارت لمقدمتها عنوان "هوديني الفلسطيني" اعتمادا على قصيدة القاسم "مأساة هوديني المدهش" حيث تبدو شخصية هوديني اليهودي مقابل هوديني الفلسطيني. وقد كانت أمينة وموضوعيّة في استعراض حياة الشاعر والوقوف عند المحطات الرئيسية في تجربته الشعرية على مَدار ما يتجاوز الأربعة عقود من العطاء المتواصل.

 

نقف خلال متابعتنا لقراءة ترجمات القصائد المختارة في المجموعة على الصعوبة التي واجهها المترجم، لتنوّع القصائد واختلافها وللتلاعب اللغوي والمجازي بالألفاظ وتَعدّد المعاني للكلمة ، فكانت الترجمة تأتي أحيانا قليلة، حَرفيّة لا شعريّة فيها، وأخرى تهتمّ بمَجازيّة اللفظة ومَعناها، وبالصورة الشعرية لتكون كاملة وواضحة. كَونُ المترجم شاعرا ساعده، في معظم القصائد، على المحافظة على الإيقاعيّة في اللغة الإنكليزية دون التقيّد بقوانين الشعر الإنكليزي. فقد اهتم الدكتور نزيه قسيس بإيقاعية اللفظة وبأن تكون قافية خارجية تُغَلّف القصيدةَ، وإنْ استحالت، اهتمّ بتَقفيّة داخلية.

تجلّت قُدرةُ الدكتور نزيه قسيس في ترجمته بوضوح في قصيدة "مأساة هوديني المدهش" وفي سربية " أشد من الماء حزنا"، لما في هاتين القصيدتين من مجازات واستعارات وصُوَر شعرية ومَواقف حواريّة ومَعان مُتداخلة وتَلاعب بمكوّنات اللفظة ودلالاتها، وفي مواقف يتداخل فيها الشعر مع النثر، ونجح في ابراز هذا الاختلاف في الترجمة حيث أعطى للكلمات الشعرية إيقاعيّاتها المميّزة.

أملي الكبير أن تكون هذه التجربة في الترجمة فاتحة لغيرها، ولكن ليس على حساب الإبداع الذاتي وكتابة الدراسات المختلفة والمهمة في مختلف مجالات البحث الادبي والنقدي.

 

صحيفة "الإتحاد" 24\9\2006

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi