ليلى العثمان: إمرأة بلا قيود و محمد صفوري

 د. نـبـيـه القــاسم

 

نتخوّف كثيرا على حاضر ومستقبل حركتنا الثقافية، وخاصة في جانبها الأدبي الإبداعي، ولكن ما يجعلني على ثقة بحركتنا الثقافية المحلية أنّ الإبداعَ موجود، قد يتراجع ويتوارى ولكنه يعود بصخب وقوة ويفرض وجودَه كما عند كل الشعوب. وما يزيدني بهذه الثقة هذه الوَفرةُ الجديّةُ في الدراسات الأكاديمية والذاتية التي نشهدُها في السنوات الأخيرة في مختلف مجالات الاهتمامات: الأدب، المجتمع، السياسة، الدين، المرأة ، الفكر. وغيرها . دراسات فيها العُمق والجديّة تفتح آفاقَ الفكر وتشدُّ الآخرين للسعي في طلب المعرفة وتُحرّكُ النوازعَ الخامدةَ في دَواخل الكثيرين.

ودراسة الصديق محمد صفوري التي أجازته للقب الماجستير في الأدب العربي من جامعة حيفا تندرجُ ضمنَ هذه الدراسات الأكاديمية الجديّة، واختيارُه الموفّقُ للكاتبة الكويتية ليلى العثمان يُعطي لدراسته نكهةً متميّزة لما تَتفرّد به ليلى العثمان من حضور وإبداع على الساحة الثقافة العربية، وأيضا للخصوصيّة الفلسطينية التي تَظهر، بكل بهائها، في عطائها الإبداعي.

تتوزّع الدراسةُ على أربعة فصول ومُفتتَح ومقدمة. الثلاثة فصول الأولى تنقسمَ إلى أبوابَ متعددة وعناوينَ يتركز كلّ منها في جانب من إبداعات الكاتبة. أما الفصل الرابع فيحتوي على خلاصةِ البحث، وقائمة بمصادرَ ومراجعَ الدراسة والملاحق والجداول. في المُفتتح يُقدّم محمد دراستَه ويُوَضّحُ طريقةَ البحث التي اتّبعها والغايةَ التي ابتغاها من اختياره لإبداع الكاتبة ليلى العثمان.

أمّا مقدّمةُ الدراسة للصديق الدكتور إبراهيم طه الذي أشرفَ على كتابة الأطروحة، فتتميّز بالحميميّة التي نلمسُها في كلماته الدافئة والمشجّعة لمحمد، وبكلمات قليلة يُلخّصُ كلَّ ما تناولته وعالجته الدراسةُ ومَحدوديتَها التي توقّفتْ عندها.

 

محاور الدراسة

          يتوقّف الباحث في الباب الأول من الفصل الأول من الدراسة عند نشوء الحركة لفكرية والأدبية في الكويت مع بداية القرن العشرين حيث بدأت المدارسُ تُخرّج الأفواجَ المتعاقبة، ويتابع بعضُهم دراساته في جامعات مصر وسوريا ولبنان حيث أسسوا مجلة "البعثة" في القاهرة عام 1946 لتكون المنبرَ لهم. وكان الشيخ عبد العزيز رشيد قد أنشأ أول مجلة تعرفها الكويت عام 1928 وهي مجلة "الكويت". بعد سنوات تزايد عددُ المجلات الصادرة مثل "كاظمة" عام 1951، و "الرائد" و "الإيمان" عام 1952، وبعد سنوات صدرت في الكويت مجلة "العربي" . ويذكرُ أن أوّلَ مدرسة للبنات أنشئت عام 1954 هي مدرسة "القبليّة" وفي عام 1960 أقيمت جامعة الكويت التي بدأ التدريس فيها عام 1966. وينتقل ليسردَ مَسارَ ظهور وتطوّر القصة القصيرة في الكويت ويتوقفُ عند الإبداعات والأسماء المهمة. ويذكر أنَّ أولَ قصة قصيرة كويتية كانت للشاعر الكويتي خالد الفرج باسم "منيرة". نُشرت في مجلة " الكويت" العدد السادس عام 1928.

ويوضّح محمد صفوري في دراسته أنّ السماتِ الأساسيةَ التي برزت في مرحلة الريادة للقصة القصيرة في الكويت، كما في كل دول الخليج العربي هي: أنها من حيث الشكل اتجهت إلى السرد المُفْتَقِر لمَعرفةِ فَنيّةِ كتابة القصة. ومالت إلى الأسلوب الخطابي الوعظي، ومن حيث الموضوع اهتمت بالوعظ الديني والاصلاحي الاجتماعي والارشاد والتعليم . ومن حيث اللغة تميّزت بالركاكة وضعف التركيبات اللغوية. كما أنها انصرفت عن التجارب الذاتية إلى الكتابة عن الناس ومن حولهم.

          أمّا المرحلة الثانية لكتابة القصة منذ مطلع الستينات من القرن العشرين فعكست تجربةً غنيّةً ومُستوى فنيّا جيدا. وظلّت تُتابعُ تطوّرَها حتى غدت مرآةً تعكسُ واقعَ المجتمع الكويتي قديما وحديثا.

 وفي الباب الثاني يتناول مساهمات المرأة العربية في النشاط الثقافي والابداعي ويرى أنّ وردة اليازجي من لبنان كانت أولَ شاعرة عربية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشروديوانها الأول"حديقة الورد" صدر عام 1867، أمّا في مجال النثر والفن القصصي فيرى أنّ عائشة التيمورية كانت الرائدةَ في فن القصة بكتابها " نتائج الأحوال في الأقوال والأفعال"(ص35).

          جاءت مساهمة المرأة الكويتية متأخرةً في مجال الإبداع وكانت ضياء هاشم البدر الرائدة في كتابة القصة. وتَزايدَ العددُ، وأصبح للمرأة حضورُها وتميزُها في كتابة القصة منذ الستينات من القرن العشرين. وكما شهدنا في العالم العربي، خاصة مصر، كذلك كان الحال في الكويت حيث كتبت العديدُ من النساء تحت اسم مستعار خوفا من غضب الأهل ورفض المجتمع. وكانت سعاد الصباح ولا تزال، الأبرز في مجال الإبداع الشعري في الكويت.

 

ليلى العثمان الكاتبة المُبدعة

          يُخَصّصُ الباحثُ للكاتبة ليلى العثمان البابَ الثالث فيتناول مراحلَ حياتها المختلفة وما واحهته من صعوبات في حياتها الخاصة والعامّة، فالعاداتُ والتقاليدُ وقسوتُها جعلت حتى أبناءها يُطالبونها بالتوقّف عن الكتابة والخضوع، والفكرُ السلفي المتحجرُ لرجال الدين أوصلَ بها إلى المحاكم فحُكمَ عليها بالسجن الذي اسْتُبْدِلَ فيما بَعد بدَفْعِ غَرامة ماليّة. والعَواصفُ السياسيّةُ التي ألَمّتْ بالبلاد أجبرتها على التّخَلّي عن زوجها الكاتب الفلسطيني وليد أبو بكر الذي أُرغمَ على تَرْكِ الكويت بعد تحرير البلاد من الغزو العراقي.

          لكنّ البارز، وما يقفُ عليه الباحث، هذه البطولة، وهذا الصمود والرغبة في التّحدي والمواجهة لدى الكاتبة التي أصرّت على مواقفها وواجهت الجميعَ وانتصرت، وظلت تكتبُ وتُبدع وتفرضُ وجودَها القويّ.

 

مَواضيع ومَضامين الدراسة

          يتعمّق محمد صفوري في الفصلين الثاني والثالث، وهما مَدار البحث الرئيسي كما قال، في مضامين أدبها والمواضيع التي عالجتها والمستويات الفنيّة والتقنيات المختلفة التي تَستخدمها الكاتبة.

          في الفصل الثاني الموزّع على عدة أبواب تتوقفُ الدراسةُ على المواضيعِ والمضامين المختلفةِ التي تتناولها قصصُ ورواياتُ ليلى العثمان. وتبرزُ بوضوح هيمنةُ البُعد الإجتماعي على قصصها، حيث تهتم برصد المجتمع الكويتي القديم والحاضر وما طرأ عليه من تطوّر نتيجةً للثورة الاجتماعية التي سبّبها تفجّرُ النفط، حيث تحوّل من مجتمع بدوي قَبَلي تقليدي ومجتمع مَلاحي تجاري إلى مجتمع صناعي رأسمالي . كما كان للبحر حضورُه البارز في قصصها حيث ارتبطت به حياةُ الناس فهو مكانُ عملهم ومصدرُ معيشتهم ومانحُهُم الفرحَ والراحةَ والإلهامَ والحبَّ . فالبحرُ مُتغلغل في قلوب الكويتيين حتى الشغاف، ويبقى حبُّهم له رغم كونه في كثير من الأحيان سببا في تعاستهم وشقائهم كما تقول الباحثة بيكولسكا التي يستشهد الباحث بكلامها.(ص82).

          تناولت ليلى العثمان في قصصها التفاوتَ الطبقي في المجتمع الكويتي حيث يعاني المستضعفون الفقراء من الاستغلال. وكيف يتعالى أهل البلاد على الوافدين الغرباء، فلكل فئة منطقة سكنية خاصة بها، فالمناطق الكويتية لا يؤمّها الوافدون اللهم إلاّ إذا كان هؤلاء من فئة الخدم. وتُقارن ليلى العثمان في أكثر من قصة بين الحياة في المناطق الكويتية وتلك التي يسكنها الوافدون: "مناطقنا نحن الكويتيين خاملة، باردة، فاقدة للعلاقات الانسانية والروحية، مطأطئة للفراغ والخواء، بينما المناطقُ الأخرى، تلك التي يسكنها اخوتُنا العرب والأجانب تموجُ بالحياة، روائحُ البشر، المطاعم، عرقُ التعب ولذّةُ الصداقات، والتقاءُ الجيران وعلاقات الأطفال"(ص92). وتُبرز أيضا تحكّم المادّة بالعلاقات الانسانية وسلوك البشر. وكما الغرباء الوافدين، أيضا أصحاب العاهات يُعانون في هذا المجتمع الذي أفسدته المادة.

          وترصد ليلى العثمان مدى تأثير العادات والتقاليد على حياة الناس وسلوكهم، وتأتي بالكثير من صور الاعتماد على الطبّ الشعبي والشَّعْوَذة والسِّحر في تَطبيب المرضى مما تنتجُ عنه المآسي والعاهاتُ المُسْتَديمة. وتُبرزُ مَدى تَعَلّق الناس بالإيمان السَّطحي الغَبيّ، بالخرافات والأساطير والجن، واستغلال الكثير، خاصة من رجال الدين هذا الإيمان لمصالحهم الخاصة ونزواتهم المتأججة المُدَمّرة للكثيرين وخاصة النساء. وتُشير إلى بعض العادات التي لا تزال تتحكّم بتصرّفات الناس مثل انتظار العريس عند عتَبة الباب ليلة الدُّخلة ليخرجَ بالعلامة التي تُؤكّد طهارةَ عروسه. وأنّ الموتَ ينتظر الفتاة التي فقدت عذريتها.

          وتتناول في قصصها وضع الخدم في المجتمع الكويتي الذين يشكلون شريحة كبيرة لها خصوصياتها وهمومها وحاجياتها. وكذلك تتوقف كثيرا عند الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية الرسمية. وتحتل العلاقات الأسَرية محورا مهما في قصص ليلى العثمان وتتوقّف عند السلطة المفرطة التي يتمتّعُ بها الرجلُ ربّ الأسرة. فهو المنتج الذي يُعيل أسرته ولذا مَلَك السلطات كلّها وخضعت المرأةُ للطاعة. وكيف مع تَطوّر المجتمع والازدهار الاقتصادي والغِنى لجأ الكثيرُ من أصحاب الثروات إلى الزواج بأكثرَ من واحدة، ممّا أحدث مشاكلَ اجتماعيةً عديدةً وأنماطا سلوكيّة شاذّة وأدّى إلى الخيانات المُتَبادلة بين الزوج والزوجة. وهذا فرضَ أنماطا عديدة على الحياة الزوجيّة وعلاقة الزوجيين ببعضهما البعض ومع الأولاد.

          وتطرح ليلى العثمان ظاهرة خطيرة في المجتمع الكويتي وهي استغلال الزوج لزوجته التي اكتشفَ عدمَ عُذريّتها ليدفعَها نحو الدّعارة ليكسبَ المالَ والثّروةَ والغِنى والمَركز . وكما يتّصفُ الرجلُ بكثير من السّلبيّات هكذا تَتعرّضُ ليلى العثمان للمساوئ الكثيرة التي تتّصفُ بها الزوجةُ رغم كونها المقهورة والمظلومة.(ص117).

عالجت كذلك قضايا الخيانة المتبادلة بين الرجل والمرأة وقضايا العواطف والحب وكيف أنّ المجتمعَ ينحازُ للرجل في المُحاسَبة، فكلّ خَطيئة، المرأةُ هي الضحيّة المُجرمة. أمّا الرجلُ فهو الحرّ البعيد عن الشُّبهة والعقاب.

          وتناولت ليلى العثمان قضايا الجنس في قصصها بجرأة في وصفها للمشاهد الجنسية وفي المفردات والتعابير التي استعملتها مما أثار عليها حفيظةَ رجال الدين والمتزمّتين. وكشَفت عمّا يتستّر عليه الجميعُ ومُنتَشر في المجتمع الكويتي مثل الدّعارة وغشيان المحارم وممارسات الأقارب وقضيّة العَجز والعُقم الجنسيين وموضوع الإغتصاب والجنس المثلى من لِواط وسحاق .(ص129)

          وتعرّضت لقضايا المرأة المتنوعة بكونها: الأم والأخت وزوجة الأب وزوجة الأخ، والإبنة والأخت والخادم، والمرأة الصديقة والسحاقية والمناضلة (ص155). والمرأة الثائرة  والرافضة لحكم الأهل والمدافعة عن الوطن والمبدعة. كذلك تناولت الصور المختلفة للرجل في المجتمع الكويتي.

وعالجت ليلى العثمان مختلف الأبعاد في إبداعها مثل البُعد السياسي والوطني القومي والبُعْد الحضاري والإبداعي، والهمّ الفلسطيني، وأبرزت اعجابَها بالمرأة الفلسطينية . كما وتناولت البُعدَ الذاتي مُعتمدة في الكثير على مراحل حياتها المختلفة وما واجهته من مشاكلَ وصعوبات . وتطرّقَت للمحاكمة التي واجَهَتْها وانتصارها على الخصوم. كما وتعرّضت للبُعد النفسي  والتاريخي والديني، حيثُ عالجت قضايا دينيّة مختلفة.

التقنيات الفنيّة

في الفصل الثالث توقفت الدراسة عند التقنيات الفنيّة في إبداع ليلى العثمان، وتعددية الخطاب الأدبي وتَدرّجها فيه منَ الرومانسي الذي وسَمَ مُعظمَ إبداعات الكاتبة وظلّت تُؤْثِرُهُ وبَرزَ بوضوح كبير في رواية "وسمية تخرج من البحر" وكذلك في رواية "المرأة والقطة"،  إلى الخطاب الواقعي الذي يُسَيطرُ بشكل كبير على قصص مجموعة "الحواجز السوداء" بشكل خاص، وصولا إلى الرمزي الذي تستخدمُه في قصصها التي تَتناولُ قضايا سياسية ، وطنية، قوميّة، أو عندما ترصدُ ظواهرَ اجتماعيّةً سلبيّةً، ومثل هذه نجدُها في قصص مجموعة "الرّحيل" و "في الليل تأتي العيون" و "فتحية تختار موتها" و "يحدث كل ليلة".  ويرى الباحثُ أنّ ليلى العثمان تتخذُ الخطابَ الرمزي وسيلةً لها عندما تغوصُ في أعماق النفس البشرية ليُساعدَها في سَبْْر أغوار شخصيّة أبطالها، واكتشافِ عوالمها الداخلية. كما أنّ الكاتبةَ تهتمُّ بتَزاوج الخطابات المختلفة في الكثير من إبداعاتها كما في رواية "المرأة والقطة" حيث تداخل الخطابان الرومانسي والواقعي.

 

تَعدّديّة مَظاهرِ التَّعبير

ويتناولُ الباحثُ في الباب الثاني من الفصل الثالث تعددية مظاهر التعبير عند ليلى العثمان، ويرى أنها تعتمد على مَظاهرَ تَعبير مُتعدّدة أكثرها حضور الحوار، المونولوج، السّرد، والوصف. وأن هذه العناصر لا تغيبُ عن كلّ قصّة تقريبا. (ص271). ويرى أنّ آليّات أخرى تُرافقُ هذه الأشكال التعبيريّة مثل الاسترجاع الفني (الفلاش باك) وأسلوب التّداعي، وأنها تلجأ في الكثير من القصص إلى استخدام طريقة البَوْح والإعتراف مُضَمّنة إيّاها بعض الأسئلة الإستنكاريّة، وأنها حين تغوصُ في أعماق النفس البشريّة تَستعين بتَقنيات تَيّارِ الوَعي وأحاديث النفس الداخلية، وتُوَظّف الخيالَ والفنتازيا ، كما أنها تُعنى بالحلم على طريقة الرومانسيين أو الرمزيين.

          ويتوقّفُ عند أسلوب السرد عن الكاتبة فيُلاحظُ أنّه يَتحدّدُ بنوعيّة الموضوع المطروح، فحين تُعالج قضايا واقعيّةً في جوّ أحداث حقيقية يأتي السّردُ مُباشرا أو مَكشوفا بصورة حكائيّة تقريرية . وأنها تَعْمَدُ إلى كسْر حِدّة تَقريريّة السّرد عن طريق بعض المشاهد الحواريّة والألفاظ الشاعرية والتشبيهات المُسْتَلّة من بيئة القصة. وأنّ السّردَ يتحوّلُ إلى شكل انسيابي حين تجمعُ إليه المونولوج والحوار وبعض التّداعيات التي تُسْهم في كَشف جَوانبَ من ماضي الشخصية المتناوَلَة. كما يرى الباحثُ أنّ السّردَ قد يتجاوزُ عالمَ الواقع في بعض قصصها التي تتناولُ قضايا فلسفيّةً رمزيّةً حيث تستعينُ بالحوار الفَنتازي المُتَخَيّل.

ويشير محمد صفوري إلى أوصاف ليلى العثمان ورَوعة صياغتها وعُذوبة ألفاظها وسَلاستها، وأنّها تُعْنى بالأوصاف المُستَقاة من الطبيعة كونها بدأت حياتَها الأولى في نَظم الشعر. وقد كانت الطبيعةُ مادّتها التي لا تَنضبُ في الوصف. وبشكل خاص البحر وما له من إيثار شديد عندها.

كذلك يلاحظُ الباحثُ أنّ ليلى العثمان تُفرطُ في استخدام الأوصاف الجنسيّة التي نَلتقيها وهي تُعالجُ قضيّة جنسيّة كما في قصص تتناولُ مَواضيع لا عَلاقة لها بالجنس ، ويعتقد أن الجنس صار هاجسا يغزو فكرَها ويسكنُها حتى أنّها لا تتمكنُ أو لا تُريدُ الخلاصَ منه. (ص275).

ويتناولُ الباحثُ محمد صفوري بنية القصة والرواية عند ليلى العثمان ويرى أنها تلجأ إلى نَمَطَيْن شائِعَين هما: المَبْنى التّعاقبي الذي تسير فيه الأحداثُ بصورة مُتسلسلة ومُتعاقبة منذ البداية وحتى النهاية، والمَبْنى المقلوب حيث تبدأ فيه القصة مع التوتر ثم تسردُ تفاصيلَ الحدَث التي أدّت لمثل هذا التوتر، وفي حالات أخرى يري أنّ المَبْنى المقلوب لا يبدأ من نهاية القصة والتوتر إنما يبدأ من نقطة ما بين البداية والنهاية، غالبا ما تكون قريبة من لحل، ثم يعود القاص إلى سرد تفاصيل الحَدَث حتى يصل إلى النقطة التي بدأ منها ويُتابع تفاصيل القصة حتى النهاية. (ص278).

ويشرح سبَبَ اختيار ليلى العثمان لهذا المبنى أو ذاك بقوله: إنّ الموضوع هو الذي يُحدّد الاختيار، فكلما كانت القصة واقعيّة كانت أقرب إلى المبنى التعاقبي، وفي قصص الحب والقصص النفسيّة كثيرا ما تلجأ إلى المبنى المقلوب.(ص278).

كما تعمل ليلى العثمان على استهلال بعض قصصها بافتتاحيات هي عبارة عن أقوال وتصريحات لبعض الشخصيات قد يكون بقَصْد التدليل على اطّلاعها الواسع.

ويتوقف الباحث عن الحَبك القصصي عند ليلى العثمان ويراه يتوزّع إلى نوعين يُسيطر الأول وهو الحدَث المفرَد والحَبْكةُ الواحدة البسيطة غير المعقدة على عدد كبير من قصصها. أما النوع الثاني فيتميّز بحبكة مزدوجَة أكثر تَعقيدا وفنيّة. كما أن الكاتبة تعتمدُ في معظم إبداعها على استخدام ضمير المتكلم الذي يترك انطباعه على المتلقي وكأنه يُعايشُ بطلَ القصة بتفاصيل حياته. كما وهناك القصص التي استخدمت فيها ضمير المخاطب أو التي تداخل فيها الضميرين معا.

أمّا بداياتُ قصص ليلى العثمان فتغلبُ عليها اعتمَد الإثارةَ حيث تبدأ بالعقدة لتشدَّ القارئ لمواصلة القراءة ولملمة خيوط الحبكة لتتضحَ له الأمورُ فيما بعد.  وأحيانا تكون البدايةُ عندها وصفيّةً تهدفُ إلى تحديد مَشهد القصة أو حالة الطقس، أو وصف الوضع الإجتماعي والإقتصادي للعائلة، وأحيانا تكون وصفا للبحر أو حالة البطل. وهناك حالات تبدأ فيها الكاتبة قصتها بالنهاية ثم تعود لتسردَ تفاصيلَ الأحداث. ومنها بدايات تقليديّة تستهلُ قصتَها بالعَرض والتمهيد مُتتبعة تَسلسلَ وتطوّرَ الأحداث حتى تصلَ إلى التأزّم فالتّراخي فالحلّ. وفي بعض قصصها تكون البدايةُ على طريقة الحلم. وقد يكون عنوانُ القصة هو بدايتها.

أمّا نهاياتُ قصص ليلى العثمان في مُعظمها نهايات مُغلقةلا تترك مكانا لأسئلة إضافيّة، خاصة في القصص التاريخية والسياسية وبعض القصص الإجتماعية أيضا. . لكنها في قصص الحبّ والتي تُعالج قضايا اجتماعية تترك نهاية قصصها مفتوحة، وكذلك تترك النهايةَ مفتوحة في القصص الرمزية. كما وتُوَظّفُ ليلى العثمان في نهايات بعض قصصها عنصرَ المفاجأة والدّهشة.

 

موتيفات ليلى العثمان

ذكرنا أنّ القضايا الاجتماعية هي التي تطغى على إنتاج ليلى العثمان ، ولكنّ البارزَ أنّ الهمّ النسائي لا يُفارقُها منذ بداية مشوارها الأدبي إلى اليوم، ترصدُ فيه بالإضافة إلى مصادرة حريّة المرأة وحقوقها في المجتمع، التطوّرات الحاصلةَ في مَكانة المرأة في المجتمع حتى باتت المرأة عندها تُشَكّلُ موتيفا مركزيّاً دائم الحضور. وأيضا تحتل شخصية الأم مكانة بارزة لتكون الموتيف الثاني عند ليلى العثمان. كذلك نرى مويتفَ الخدم  وموتيفَ الجنس المُقتَرن بموتيف المرأة في أغلب الأحيان. كذلك هناك موتيفات أخرى مثل موتيف "القطة" حيث تحضر القطة في الكثير من ابداعات الكاتبة وقد سمّت إحدى رواياتها بـ "المرأة والقطة" وشرحت علاقتَها بالقطة في مقال نشرته باسم "أنا والقطط"، وربطت ما بين المرأة والقطة من تَشابه في قصة "المواء" و "محاكمتان". كذلك للبحر مَكانتُه في أدب ليلى العثمان ويحتلّ مكانةً خاصة وتحوّلَ إلى موتيف مهم.  وأسندت له دورَ البطولة في رواية "وسمية تخرج من البحر" ويحضرُ البحرُ في الكثير من قصصها. كذلك احتل "الجن" دورا مهما في قصص الكاتبة وغدا موتيفا بارزا. (ص297-303).

ونقف على موتيفات أخرى في إبداع ليلى العثمان مثل موتيف "الحلم" في القصص التي تُعالجُ فيها همومَ الإنسان العَصري والأخطار الخارجيّة التي تُهدّدُ البلاد، بالإضافة إلى القصص التي تُصَوّرُ استمرارَ استلاب المرأة ومُلاحقتها في المجتمع العَصري. و موتيف "الأرنبة"  في بعض قصصها العاطفيّة وقصص أخرى تَرصد فيها ممارسات الرجل ضدّ المرأة واستلابها.(ص303). وموتيف "الطاووس" و "الديك والدجاجة" في قصص تُصَوّرُ خضوعَ المرأة وضَعْفَها أمامَ جَبَروت الرجل.  وموتيف "العصفور". (ص304-305).

 

التّرْميز

كما تتبع ليلى العثمان كما يرى الباحث نظام الترميز ويستشهد بقول الباحثة بيكولسكا بأنّ: "الرمز عند ليلى العثمان ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: فيظهر في القسم الأول حاملا لمعنى معروف من تجربة الحياة والمحيط والمُعايَشة الذاتيّة،  أمّا القسم الثاني فيضم بعضَ الرموز الخاصّة كالقطة والبحر، ويتعلّق القسمُ الثالث بالرموز التي لا تعكس مَدلولا واحداً مُحدّداً إنّما تُشير إلى معنى سلبي " (ص305). بينما يرى محمد صفوري أنّ الرمز يتوزّع عند ليلى العثمان إلى ضَرْبَين: الأول رمز مَكشوف لا يَتطلّبُ كبير جَهد في سبيل التوصّل إلى دلالته، والثاني محجوب يُحيطه بعضُ الغموض ولا بدّ من الرجوع إلى النصّ وإعمال العقل لاستخلاص دلالته خاصة في القصص التي تُعالج قضايا سياسية أو نفسيّة. ومن رموز ليلى العثمان الأثيرة المتكررة  "البحر والقطة". (ص307-308).

 

المكان والزمان

للمكان في قصص ليلى العثمان مكان مهم، ففي قصصها الحياتية الواقعية تنتقي الأماكنَ من البيئة الشعبية المُتَحَدّث عنها مثل الحارة، الحوش، الحوطة، المدينة، دوّار المدينة وغير ذلك. وفي القصص العاطفية الرومانسية تلجأ إلى الطبيعة فنجدُ البحر. ما يُميّز أماكن ليلى العثمان أنها في غالبيتها أماكنُ مغلقة التي تتوزّع على الأماكن الخاصة كالبيت، الغرفة، العشّة، المَرسم. والأماكن العامة كالمستشفى، العيادة، المَلهى، قاعة المحاضرات، الفندق. ولكن هناك أيضا نجد في قصصها الأماكن المفتوحة مثل: "المَقهى، الحارة، الشارع، مدينة ملاه، البحر، الصحراء. (ص310).

أمّا الزمن في قصص ليلى العثمان فيُهَيْمنُ على الزمن الحاضر ثم الرجوع إلى الماضي، وهي تعودُ إلى الماضي لتدعو مرّة إلى ضرورة التغيير باسم التقدّم الضروري للفكر الانساني، ولتتأمّلَ مرّة أخرى طَهارةَ ونقاوةَ الحياة الماضية في شكل من الحنين والحَسرة، لما تَراه من تَلوّث حياة المدينة وغياب القِيَم الاجتماعيّةِ الجميلةِ التي كانت سائدةً في السابق، على حدّ قَول الباحث. (ص314). كما تعمَدُ الكاتبةُ أيضا إلى استخدام الزمان الوهمي المُتَخَيّل في قصص أخرى حين تلجأ لمعالجة قضايا واقعيّة بآليات رومانسية أو رمزيّة. وأحيانا تقوم بالمزج بين الأزمنة . لكن البارز عند ليلى العثمان أن المكان احتلّ بالأهتمام الأكثر حتى أنه كثيرا ما احتل مركز البطولة في العمل الإبداعي مثل في رواية "وسمية تخرج من البحر".

 

اللغة والشخصيّات

وبرزت تعددية مستويات اللغة في إبداع ليلى العثمان، فلغتُها كما يرى الباحثُ موزّعة بين اللغة التقريرية المباشرة المَشوبة ببعض الألفاظ الشاعريّة وبين اللغة الشعرية التي تُوَظّفُها في معظم قصصها الرومانسية.وأنها تلجأ إلى استخدام ظواهرَ بَلاغية عديدة كالتّشْخيص والأَنْسَنَةِ. كما تستخدمُ في قصصها اللغة المحكية المحليّة. ويلاحظ حضور الجنس في لغتها بصورة مكثّة مبالغ فيها. وهي توظف المثل الشعبي والشعر والأغنية والقرآن الكريم .

أمّا بالنسبة لشخصيات قصص وروايات ليلى العثمان فيبرزُ تََغلّبُ عدد الشخصيات النسائية، وتُقَدّمُها في صُوَرها المختلفة. أمّا شخصية الرجل فتبدو في مُعظمها تَقليديّة كمُمثّل للسلطة ومُصادِر للحريّات والمُعتدي على المرأة وعلى المَحارم وغير ذلك.(ص325).

 ويُقَدّم الباحثُ رأيَ الباحثة بيكولسكا التي ترى أنّ شخصيّةَ المرأة كما بَدَت في إبداع ليلى العثمان تتوزّعُ على ثلاث فئات هي: الأولى فئة البَطلات المسحوقات الخاضعات للأعراف والتقاليد وجميعهن سلبيات. وفئة البَطلات المتمرّدات اللائي يُحاولنَ الخروجَ من سَلبيتهن، فيَتصارَعن مع المجتمع وتكونُ النُّصرةُ لهذا المجتمع بثقافته الذكوريّة التي تحكمُ عقل وجسَدَ المرأة. أمّا الفئةُ الثالثة فيُمثّله أشخاص مختَلفون تماما في أهوائهم ومُيولهم وغالبا ما يكونون من المثقفين والمستقلين ماديّا وذاتيّا.

ويرى الباحثُ أنّ شخصيات ليلى العثمان تعكسُ مُعاناةَ المرأة في مختلف مراحل حياتها ابتداء من طفولتها حتى هرمها، فجميعُها تعيش في أزمات حادّة مُتَعَرَّّضة للقيود والاستغلال الدائم. (ص326). ولا تختلف الشخصيات الثانوية كثيرا عن الشخصيات المركزية في سلبيتها وتَسلطها، خاصة الشخصيات النسائية التي تتألفُ من الأمهات، الجدّات، النساء اليائسات وزوجات الأب والأخ والساديّات وجميعُها مُسْتَلّة من البيئة التي تعيشُها الشخصيةُ المركزيّة. ونجدُ من نَمط هذه الشخصيات كثيرا من الشخصيات الذّكريّة كالأب أو الزوج اللذين يرمزان للسلطة ويعكسان القَهر اللاحقَ بالأنثى، أو القريب الذي يستغلُ مَقامَه ويَعتدي على المرأة قَريبتِه. ولكن هناك أيضا النماذج الإيجابيّة للشخصيات الثانوية الأنثوية والذّكريّة.

ينهي محمد صفوري دراسته لأدب ليلى العثمان ببابَين قصيرَين، في الأوّل يحاولُ تَقْييمَ إبداعها الذي تَوسّعَ في تناوله على مَدار الرسالة، والثاني خلاصة الدراسة، فيُلخص أهمَّ المواضيع والقضايا والنقاط التي عالجها في دراسته. ويختتمُ كلامَه بتأكيده على أنّ إبداع ليلى العثمان تركَ بصماتِه الواضحةَ على السّاحة الأدبيّة بصورة لا تَقبلُ الجدَلَ، وذلك لإسهاماتها المَلحوظة والتّجديدات العَديدة ليس على صعيد المضمون فحسب، إنّما في المستوى الفني وتقنيات الفن القصصي التي تستخدمُها. (ص358).

وكان محمد صفوري قد ألحقَ كلَّ فصل من دراسته بقائمة مُطوّلة من الهوامش التي تدعمُ ما جاء في صُلب الدّراسة. وضَمَّنَ دراستَه الجداولَ العديدةَ التي وزّعَ فيها قصصَ ليلى العثمان حَسبَ الموضوع المُتَناوَل في البحث.

  

كلمات أخيرة لا بُدّ منها

          هذه الدراسةُ الجادّة الشاملة المحيطةُ بكلّ ما أبدعتُه الكاتبة ليلى العثمان تكادُ لا تتركُ جانبا  يبحثُ عنه دارس الأدب إلاّ وتدلّه عليه، ولا تتجاهلُ سؤالاً  ينتظرُ الجوابَ عليه المُهتَمُ بأدب الكاتبة إلاّ وتُزَوّده بالجواب الذي ينتظر.  

لكنّ هذا التّوسّعَ وهذه الشموليةَ جعلت الدراسةَ مُطَوّلةً وفي كثير من جوانبها مُتَرَهّلةً، فتتكررُ وتَتَشابهُ الصورُ والاستشهاداتُ والأَحكامُ، وكان يُمكنُ الإختصار والإكتفاء ببعض النماذج في الحديث عن أيّ موضوع ليُدلّلَ على المطلوب.

وقد يكونُ شحُّ المصادر والمَراجع والدراسات حول أدب ليلى العثمان صعّبَ على محمد صفوري الدّراسة والدّافعَ لهذا التّوَسّعِ والدخول في الجزئيات والتفاصيل ممّا حَرَف الدراسة عن مَنهجها الدراسي الساعي نحو العُمق، وجعل الانشغالَ بالجوانب والهوامش منَ الأحداث والمواضيع والتفاصيل. فجاءت الدراسة لتكونَ في مُجملها، كما أشارَ الدكتور إبراهيم طه في مُقدمته، دراسة شاملة تَتغلّبُ عليها السّمَةُ الوَصْفيّةُ التّحليليّةُ.

كما أنّ هذا السّعي نحو تناول تَفاصيل التفاصيل في إبداع ليلى العثمان جعلَ الدراسةَ تنحرّفُ، كما أعتقدُ، عن هدفها الرئيسي، ولا تُجيبُ على الكثير من الأسئلة الهامة مثل: مفهوم ليلى العثمان للأنثى ولعالمها ودورها في الحياة. وأيضا إلى هذا أشار الدكتور إبراهيم طه في قوله: يَعرضُ صفوري حالا ولا يُقَدّمُ حلاً لإشكاليّة "الآخر". ويعفيه من المحاسَبة بقوله: وهو أصلا لا ينسبُ لنفسه ما لا طاقةَ له به. ولذلك جاءت دراستُه الشاملةُ هذه في مُحَصّلتها العامة وَصْفيّة تحليليّة."(ص11)

 

أخـيـراً

هذا الجهدُ الكبيرُ الذي قام به محمد صفوري ينضافُ إلى الدراسات الجادّة التي سبقَه إليها العديدُ من شبابنا وشاباتنا، ويُساهم في تثبيت وتجذير حركتنا الثقافية العربية في هذه البلاد.

لقد نجح محمد صفوري في اختيار اسم الدراسة "امرأة بلا قيود" بما يحملُهُ من إيحاءات ودلالات بعيدة. وفي تَقديم إبداع ليلى العثمان في أجلى صُوَره، وبشموليّة لا تتركُ للمُتسائل أنْ يطلبَ المّزيدَ. وفي هذا حسبه، وعليه يستحق كلّ التقدير.

 

        محمد صفوري: إمرأة بلا قيود - دراسة في أدب ليلى العثمان.الحكيم للطباعة والنشر م.ض. الناصرة 2006

 

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi