سحر خليفة والارتداد إلى الذّات الجميلة

 د. نـبـيـه القــاسم

 

   أصعب ما يُواجه الكاتب، خاصة المبدع، حالة التأطير التي يقيّده بها النقّاد والقراء، حتى يغدو، دون أن يُدرك، حبيس هذه الدائرة التي قيّدوه بها وصاحب تلك الصورة التي فصّلوها له، ومهما حاول وجاهد وتمرّد وثار يظلّ حبيسَ الدائرة وصاحب الصورة.

          هكذا حال كاتبتنا سحر خليفة، فقد كاد النقاد يجمعون على تأطيرها ضمن ثنائيتين هما: ثنائية الرجل والمرأة، حيث تظهر المرأة بأنها الضحية المضطهدة الفاقدة لكل حقوقها في مقابل الرجل السيّد الذي يفرض هيمنته وسطوته، وتحرّرها وتحرّر الرجل من ظلمه لها يؤّدي إلى تطوّر المجتمع، ومن ثم تحرّر واستقلال الوطن. وثنائية الاحتلال والمقاومة، الانسان الفلسطيني في مواجهة جندي الاحتلال الاسرائيلي.

          وإذا كان النقاد، وحتى القراء، قد صَدَقوا في هذا التأطير لسَحر خليفة، لأن هذا ما يستخلصه كلّ مَن يقرأ رواياتها: الصّبار، عبّاد الشمس، باب الساحة، مذكرات امرأة غير واقعية، الميراث. إلاّ أنّهم، وأقصد النقاد والقرّاء، سرعان ما يقَعون أسرى أنفسهم بهذا التأطير لسحر في روايتها "صورة وأيقونة وعهد قديم" التي صدرت عن دار الآداب في بيروت عام 2002.

          تعود سحر خليفة في روايتها هذه، في غَفلة الآخرين، إلى زمن بعيد وأيام خوال وعهد قديم لا يزال يتفاعل في داخلها، يَدفعها إليه بَعد هذه السنين من الجَفاء والهجر والقَطيعة، زمن كانت فيه تنطلق من ذاتها لذاتها، فتسمو وتشفّ وتُحلّق وتضيع من ذاتها في ذاتها، وعندما تعود للواقع تجده كما تركته بكلّ قاذوراته، فلا تغضب، وتُتابع، بكل الصدق الجارح، خطواتها بثقة وأمل نحو الأمام كما عهدها الآخرون.

          في رواية "صورة وأيقونة وعهد قديم" لا تكون الانتفاضة محور الأحداث رغم أنّ الرواية كُتبَت وصدرت في خضمّ أحداثها. ولا تكون المرأة ومعاناتها من ظلم الرجل ما يُشغل الشخصيات ويُحرّك الأحداث. بل تَحكي الرواية قصة حبّ جنوني، وعلاقات انسانيّة وارتباطات هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، ليس في الزمن الفلسطيني المعيش، وإنّما في كلّ زمن من أزمنتنا الحاضرة.

          أعادتني سحر بروايتها هذه سنوات إلى الوراء، إلى روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" التي صدرت عن دار المعارف بمصر ضمن سلسلة إقرأ عام 1974 التي تناولتُها في دراسة طويلة نشرتُها في مجلة "الجديد" وكانت سبب تعرّفي على سحر ولقائي بها بعد هزيمة الجيوش العربية واحتلال الضفة وباقي الأراضي العربية في حزيران 1967.

       تحكي سحر خليفة في "لم نعد جواري لكم" قصة حب عنيفة بين شابة جميلة مثقفة في أوّل تفتّحها ورسّام ثوري عصفت بهما الأحداث حيث اعتقل وحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة. فتقطّعت العلاقة وتباعد الحبيبان. هي تزوّجت رجلا غنيّا مات بعد سنوات قليلة، تُدير مكتبة هي صاحبتها في مدينة رام الله، وهو خرج من السجن وغادر الوطن ليعود بعد سنوات فنّانا مشهورا ليُقيمَ معارض لرسوماته في الوطن. ويلتقيان من جديد، ولكن بشخصيّتين متباعدتين. يستذكران الماضي، كلّ يُلقي اللوم على الآخر ولا يسامح، فيفترقان من جديد وقد تأكّدا من عدم إمكانيّة التلاقي والحياة معاً.

    وكما أنّ وقائع قصة "لم نعد جواري لكم" حدثت قبل حزيران 1967، أيام الحكم الأردني، هكذا أيضاً فالقسم الأول من أحداث قصة "صورة وأيقونة وعهد قديم" وقعت في الفترة الأردنية بينما باقي الأحداث كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي للضفة.

    أحداث قصّة سحر تمتدّ على مَدى ثلاثين عاما، من منتصف الستينات حتى أواخر تسعينيات القرن العشرين. وفضاؤها مدينة القدس وقرية من قراها القريبة من رام الله. إبراهيم شاب مسلم من مدينة القدس يحلم أن يُصبح كاتبَ قصة معروفا، كان ضحيّة والده الذي ترك البيت ليتزوّج من امرأة تنجب له الأبناء الذكور، وخاله الذي أراد أن يُزوّجه من ابنته. فهرب ليعمل مُدرّسا في إحدى قرى المنطقة، لكنه سرعان ما وقع في حبّ فتاة مسيحيّة باسم مريم، مثقّفة تُجيد أربع لغات تُحبّ الأدبَ وتقرأ لفرانسوا ساغان، مَلكَت عليه حياته بما تمتّعَت من جمال وجاذبيّة وسحر وصَمْت يُخفي الكثيرَ من الأسرار. فطاردها ثمّ طاردته وسافرا معا إلى القدس فتكشّفَت له عن فتاة أخرى دائمة الحركة والحيويّة، تُحبّ الحياةَ واللهوَ والرقصَ، كانت قد عاشت، كما روت له، قصةَ حبّ غريبة مع كاهن في البرازيل حيث عاشت مع أفراد أسرتها، ممّا دفَع باخوتها لإعادتها إلى الوطن مَنعا لسقوطها الكامل. وفي رحلة ثانية لهما إلى القدس يقضيان ساعات جميلة بين معالم القدس وكنائسها، ثمّ تأخذه إلى دير للأرمن وينامان معا في هوستل الدير.

    وتنتشر قصة حبّهما في القرية ويستنكرها الجميع. لكنّ ظهور الحَمل عقّدَ القضيّة واستَدعى حضور اخوتها من البرازيل لمسح العار، فيهرب إبراهيم مُتخفّيا إلى القدس بينما تلتجىء مريم إلى الدير فيحميها. وتنقطع العَلاقةُ بين إبراهيم ومريم باحتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية ورحيل إبراهيم.

     ويعود إبراهيم بعد ثلاثين سنة إلى القدس رجلا غنيّا، لكنه لا يعرف السعادة ليبدأ عملية بحث شاقّة عن مريم، وعن ابنه أو ابنته، ثمَرَة تلك الليلة البَعيدة. وينجح بمساعدة راهب القرية التي تعرّف فيها على مريم، في الوصول إلى ابنه ميشيل الرّاهب العاكف على مداواة الناس ومُساعدتهم، لكنّ الابن يتنكّر له ويرفضه. ويتعرّف إبراهيم على عجوز باسم جميلة، مسؤولة عن بيع بيت مريم في القرية، تكشف له أنّها التي حضنت مريم ورعت ابنها ميشيل وتبنّته بعد أن تركته أمه واختارت الدير سكنا لها. ويصل إلى مكان مريم بعد مشقّة طويلة وتنقّل ما بين القرية والقدس والناصرة حيث وجدَها أخيرا في دير نوتردام في القدس، وقابلها واعتقد أنّه سيحرّك مشاعرها ويُعيدها إليه، فحدّثها عن ابنهما ميشيل الذي قابله ورغبته في أن يعيشا  وإبراهيم معا. وخلال حديثه كانت مريم تكتفي بالابتسام وتَرديد كلمات: "هل عُدتَ يا ابراهيم؟ يا ابراهيم!. وقدّم لها صورتَها التي عثر عليها, فقالت: صورة قديمة وما حاجتي الآن إلى صورة".(ص227) ولم تنفعل ولم تتجاوب، وظلّت تبتسم بصمت وسخرية قاتلة رافضة الاستماع إليه ممّا دفعه لتركها والخروج إلى الشارع حزينا مُحطّما. وتكون النهاية بوقوعه وسط معركة غير متكافئة في ساحة المسجد الأقصى بين جند الاحتلال الاسرائيلي والمصلين، ولم يُنقذه من الموت الأكيد غير ظهور جميلة، وأخذها له إلى بيتها.

     تبدو سحر خليفة في روايتها هذه مُرتاحة هادئة مُنسابة مُتصالحة مع ذاتها، تعيش الجوّ الذي تُريد، تترك مَشاغل الحياة الصاخبة لتُحلّقَ في قصة غرائبيّة نَسجها خيالُها الراكض نحو عوالم أخرى لا يعرف سكانها غير حياة الحبّ وفقط الحبُ. قصة تظهر فيها قوّة المرأة وقدرتها على التّعايش أينما كانت، وخَلق الجوّ الذي تُريد وإقامة العلاقات التي ترغب، غيَر آبهة بما يتعارف عليه الناس من عادات وتقاليد ومجتمع. امرأة متفتّحة على الحياة، تَعيشها بكلّ رغباتها المتوثّبة لا يردعها ثوبُ الكهنوت للحبيب المعشوق، ولا حاجز الدين للذي اعتقدته البديل. امرأة قد تُضحي في سبيل الوصول إلى مَن تُحبّ بكل غال، ولكنّها تحتقر هذا الرجل وتنفر منه إذا ما تكشّفَت لها أنانيّته وبان جُبنه وآثَر سَلامةَ نفسه وقتَ المحنة.

        هكذا احتقرت مريم ابراهيم عندما تركها صباح تلك الليلة التي قضياها في هوستل الدير في القدس وذهب، دون أن يخبرها، ليُحضر الدولارات من والده وراودته مشاعر المذنب والرغبة في التكفير والدّخول إلى المسجد الأقصى ليصلي. فتركته وعادت وحيدة لبيتها وقد قرّرت، وصارحته بأنها ستعتبره صديقا ليس إلاّ. وبعدما تركها وآثر الهرب بعد احتلال الضفة عام 1967 قرّرت التنازل عنه نهائيّا وحتى عن ابنها الذي يُذكّرها به، واختارت أن تعيش حياتها وتُنهيها كما أرادت راهبة مُتعبّدة في الدير.

    الحبّ كان محوَر رواية سحر خليفة، والرغبة في التمتّع بكل لحظة تُتاح كانت ما يُشغل مريم، وجُبنُ ابراهيم وعدم قدرته على استيعاب مثل هذا الحبّ كان المُثيرَ والمُغضبَ لمريم ومن ثمّ لابنها ميشيل الراهب الذي احتقر والدَه ابراهيم وصارحَه بكلّ القسوة قائلا: "ماذاتريد؟ تريد أمي؟ هي لا تُريدك. تريد رجوعي؟ أنا لن أرجع. تُريد مني أن أرضى بك؟ أنا لن أرضى. فدعني وشأني".(ص246).

    تؤكد سحر خليفة في روايتها هذه قدرتَها على الخروج من عالم الواقع غير البادية بوادرُ التغيير فيه، عالم الظلم والقهر والاحتلال للوطن والمقاومة والذلّ العربيّ وانسحاق الانسان الفَرد، لتُعَيّشَنا قصّة حبّ غرائبيّة، بطلتها فتاة تشعر أنها "غريبة في أرض الوطن، وحيدة بين الاخوة، ووحيدة بين الأغراب"(ص50) رفضت أن تكونَ مجرّد صورة أرادها الناسُ لها، فعَرَفت كيفَ تُرضي الناسَ في قريتها بظهورها أمامهم في الصورة التي يُريدونها لها، وكيفَ تتمرّد وتثور وتعيش حياتَها التي أرادت بعيدا عنهم، إذا كان ذلك في البرازيل أو في مدينة القدس، وشجاعة في مواجهة المواقف الصعبة حيث اقترحت على ابراهيم عندما أحاق بهما الخطر الهرب والزواج بعيدا عن القرية وأهلها (ص 86). وحازمة وقاسية في رفض طلب إبراهيم عندما عاد إليها بعد ثلاثين سنة، وقد ضاع منها شبابها وحبها وابنها، يطلب منها أن يجدّدا الحبّ والحياة مقدّما لها صورتها أيام شبابها بقولها: "صورة.. صورة قديمة، وما حاجتي الآن إلى صورة؟" (ص 227) وابتسمت بكل الألم وأهملته، لم تنظر إليه ، تركته بستجدي عودتها ويجهد نفسه في اقناعها، وتسأله على فترات: "هل عدتَ يا ابراهيم؟" حتى يئس وتركها غاضبا فاقدا كلّ أمل في استرجاعها.

      بينما أظهرت جُبْنَ الرجل وضعفَه وضياعه بمصارحة ابراهيم لنفسه "ما عدتُ أعرف مع مَن أعيش ومَن أعشق، أعيش مع مريم من خلال الكتاب وأعشق مريم من خلال الكتب وجوّ المكتبة وصور الأدب. ولم يخطر ببالي على الإطلاق أنّ المشكلة في ذاتي وليست مريم. ولم أكتشف تلك النقطة، أو تلك الجنحة أو المَثلبة إلاّ في ما بعد، بعد عشرات السنين، 20 سنة، 30 سنة، أو ربّما أكثر بقليل، وظلّت علاقتي بدنيا الناس تتخبّط لأنّي أتعامل مع أشخاص من صنعي، أصنعهم من الكتب ومخيّلتي، وأحللهم حسب ذوقي واجتهادي، وأفسّر طوابعهم وطوالعهم بما يحلو لي وما يُعجبني أو ما يدور في رأسي من فكر وأحلام وخواطر. فأعلو وأرتفع مع التحليل ثمّ أغرق، وأرى زوايا ليست هناك، وأبني توقّعات على ما أرى، ثمّ تأتي الصدمة كالإنفجار"(ص 24-25)، وتمزّقَه بين تعلّقه بأسرته ومُعتقداته وخوفه كلام الناس وعقاب الرّب. فكما هرَب أوّل مرّة من مُواجهة خاله ومصارحته بعدم رغبته في الزواج من ابنته، يُفكّر بالهرب ثانية من محبوبته مريم بعد قضاء ليلته معها في هوستل الدير، وأنْ يُكَفّر عن فعلته بالعودة إلى رحاب الأسرة وطاعة الرب، وبعد أن يَظهرَ الحَمْلُ لا يُفكّرُ إلاّ بالخلاص منه، وإذ يفشل يهرب من مواجهة الناس وإخوة محبوبته، ويجد في احتلال الجيش الاسرائيلي للضفة الغربية المناسبة للهرب وتَرك الوطن والمحبوبة والجنين الذي على وشك الولادة.

     وتُظهر جَهلَ وسطحيَةَ الرجل (ابراهيم) الذي يعمل مُدرّسا ويُريد أن يكون كاتبَ قصص عندما يُفاجَأ في القرية التي ذهبَ ليعمل فيها بأجواء وحياة سكانها المسيحيين المختلفة عن حياة المسلمين، ويُبهَر بها، رغم أنّه ابن مدينة القدس، وُلد وكبُرَ ولا يزال يعيش فيها، فالكنائس، وخاصة كنيسة القيامة، لم يزرها طوال حياته، ودخلها أوّل مرّة مع مريم. وحتى مشهد المُواجهة الدّامية بين جنود الاحتلال الاسرائيلي والمُصلّين، والذي انتهى بقتلى وجرحى، لم تكن الغاية منه فقط تَصوير بشاعة المحتل وظُلمه، وإنّما جاء ليبرّرَ انقطاع كلّ خيوط امكانيّات اللقاء بين ابراهيم ومريم وابنهما ميشيل. وأنّ هذه العلاقات التي كانت غيرَ طبيعيّة وغيرَ صادقة، لا يُمكنها أن تبقى وتَتجدّد وتَحيا وتستمرّ. وقد يكون مَقتل إيلاي اليهوديّ الروسيّ صديق أبي يوسف في المُواجهة مع مَقتل محمود العربي، جاء ليؤكدَ على بشاعة الاحتلال، وأنّ ضحاياه ليسوا العرب فقط وإنما الفقراء اليهود الذين خُدعوا وغَرّروا بهم وجعلوهم يتركون مواطنَهم الأصليّة ويأتون إلى إسرائيل! رغم أنّه لم يكن لاحتلال إسرائيل للضفة ومن ثمّ لكلّ أعمال المقاومة ، بما في ذلك الانتفاضة، أيّ تأثير مُباشر على الأحداث، وإنّما كانت في النهاية إشارات لتغيّر المكان والزمان والأجواء، حيث تذكر المستوطنات، واحتلال اليهود لبيوت العرب، وأخيرا انفجار المقاومة بين المصلين المسلمين وجنود الاحتلال في باحة المسجد الأقصى.

     هذا التّكامل المُتناسق بين كلّ أجزاء الرواية، والانسياب الأخّاذ في استمراريّة الأحداث، والّرسم الرّائع لشخصيّة مريم المُتكشّفة للقارىء مع كلّ حدَث ونَقلة وحوار يلتقي مع اللغة الهادئة السلسة الجميلة التي تُدخل القارىءَ في أجواء الخيال والحبّ بَعيداً عن هموم الحياة، وتُذكّره بجماليّات وأجواء وسحر رواية سَحَر خليفة الأولى "لم نعد جواري لكم" ، وتؤكّد ما ذهبتُ إليه في مُفتَتَح الكلام، بأنّ سحر خليفة في روايتها هذه تُغافل القارىء وتعود إلى زمن بعيد وأيّام خوال وعهد قديم لا يزال يتفاعل في داخلها، يَدفعها إليه، بَعد هذه السّنين من الجفاء والهَجر والقَطيعة، زمن كانت فيه تنطلقُ من ذاتها لذاتها، فتسمو وتشفّ وتُحلّقُ وتَضيع مع ذاتها في ذاتها. سحر خليفة في روايتها هذه "صورة وأيقونة وعهد قديم" تَرتدّ إلى ذاتها الجميلة رغمَ أنّها لا تنسى أنّ الواقعَ الذي يُحيط بها واقع ظلم وقَََهْر وظََلام.  

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi