أوّل الكلام لسحر
"عندما أكتب لا أستطيع أن أفصلَ بين معاناتي كامرأة أو وضعي كفلسطينية محتَلَّة،
ولا أرى فرقا كبيرا بين الاحتلال الذكوري للمرأة والاحتلال الاسرائيلي للوطن،
فكلاهما يُسبّبُ الهبوط والاحباط على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع"
"وقد اتّخذتُ قرارا منذ بدأت علاقتي بالكتابة الملتزمة أن أكتب لأُوَضّحَ لا
لأُفْرِحَ، والايضاحُ له ثمنه، وهو الخروج عن المألوف والمَرضي عنه، قد أتنازل عن
جمال اللغة وأناقتها من أجل الحوار بكلام الناس ولغة الشارع، وقد أتنازل عن صورة
البطل الخالد لتقديم صورة حقيقية لرجل مثقل يُصارع ويُقاوم بتواضع، بكل تواضع،
وتكون النتيجة محزنة مثل حزنه، وقد أتنازل عن صورة الشعب الجبّار الذي لا يتنازل
أو يُكسَر، وأقول ما قاله الشعراء: أنا العربي، أنا النبي، أنا المسيح، وأنا
الناصر، وبدلا من ذلك أقدّم صورة حقيقيّة بلا هالات لشعب تهزمه هزائمُه على كل
صعيد".(ص165)
وضوح الموقف والرؤية
بهذا الموقف الواضح والرؤية الثاقبة والعزيمة القويّة انطلقت سحر خليفة في إبداعها
الملتزم لتلامس الجراح وتدلّ على العيوب وتفضح الفساد وتصرخ محذّرة من مستقبل مظلم
آتٍ لا مهرب منه. انطلقت بإيمانها القوي أنّ لا تحرّر لوطن قبل أن يتحرر إنسان هذا
الوطن، ولا يتحرّر الانسان قبل أن تكون الحرية للجميع المرأة والرجل.
وظلّت هذه الثنائية: الرجل والمرأة ، الاحتلال والمقاومة هي محور كل إبداعات سحر
خليفة منذ كتابتها رواية الصبار عام
1976.
تناولت سحر خليفة في هذه الروايات العلاقات غير الطبيعية التي حكمت أفراد الشعب
الفلسطيني على مختلف مستوياته وطبقاته وتواجده تحت الحكم الاسرائيلي وفي الوقت ذاته
علاقة الفلسطيني مع المحتل الغريب. واستطاعت أن تتغلغل في واقع الفلسطيني على
المستوى الفردي والجماعي وتكشف الكثير مما لا يراه أو ينتبه إليه المراقب البعيد
إذا كان في علاقة الفرد مع غيره من الأفراد القريبين منه أو البعيدين أو في علاقته
مع الجماعة الأوسع أو في موقفه من العادات والتقاليد والمفاهيم الدينية التي تتحكم
بالمجتمع وترصد التحوّلات والتغيّرات التي تطرأ على هذا المجتمع على المستوى الفردي
والجماعي.
تميّز سحر خليفة
ما
يميّز سحر خليفة عن غيرها من المبدعين الفلسطينيين وحتى العرب أنها رفضت خيال
الشعراء وحلمهم ونبوءاتهم الورديّة وتضخيمهم، كما رفضت منطق الكتّاب وعقلانيتهم
وادعائهم بالمسؤولية الجماعية ورغبتهم في التستّر على الواقع للحفاظ على وحدة الشعب
وتضامنه ورغبته في الكفاح والالتفاف حول المسؤولين في قيادة المسيرة. لقد رفعت سحر
صوتها معلنة: أنْ لا حماية للمفسدين ولا تستّر على الفساد ولا حرمة للفاشلين ولا
قبول للمتعاملين والخائنين، وكفى للشعارات والخداع والقبول بالواقع الاجتماعي
المتَخلف باسم العادات والتقاليد والدين.
وتختلف عن الآخرين بأنّها من البداية أحسّت باستحالة التغيّر نحو الأحسن إذا لم
يتغير الانسان بفكره وسلوكه وثقافته، وإذا لم تُعْطَ المرأة كامل حقوقها وتشارك إلى
جانب الرجل في بناء المجتمع وصنع المستقبل، فتوفير الحرية للفرد في المجتمع شرط
نجاح كلّ مجتمع وتطورّه. ولن تتحرّر المرأة إلاّ بتحرّر الرجل ظالمها، وبتحرّرهما
تتوفّر الحريّة في المجتمع، وعندها تكون إمكانية الانطلاق نحو النجاح والانتصارات
والمشاركة العالمية في صنع المستقبل.
تغوص سحر في عمق المجتمع الفلسطيني وفي دواخل الذات الانسانية وترسم المشاهد
المختلفة التي بمجموعها تعطي الصورة الكاملة للوضع الفلسطيني تحت نير الاحتلال
الاسرائيلي، وقد تكون الصورة حادّة وجارحة ومرفوضة عند البعض لكشفها عن هذا الوجع
الفردي والجماعي الذي لا يُبقي للواحد فتحة أمل ولا ما يعمل من أجله.
السوداويّة في الموقف
هذه السوداويّة في موقف سحر من الواقع الفلسطيني كان بارزا في روايتها "الميراث" في
تصويرها لاتفاق "أوسلو" وما تمخّض عنه من سلطة واهية تعتقد قدرتها على المراوغة
وكسب الامتيازات وتحقيق المستحيل في مواجهة احتلال شرس لا تخفى عليه كبيرة ولا
صغيرة ويعرف كيف يُداور ويُراوغ ويوقع في شباكه التي لا خلاص منها. وتزداد هذه
السوداويّة في روايتها "ربيع حار- رحلة الصبر والصبّار" حيث يكتمل طوق الاحتلال
وتسقط البلاد كلها بما فيها مواقع السلطة وحتى مقر الرئيس ياسر عرفات تحت قبضة
المحتل، ولا يبقى للفلسطيني من خلاص إلاّ بتفجير نفسه في عملية انتحارية يائسة.
وكما قامت سحر خليفة في كل رواية بتسجيل واقع فترة من حياة الشعب الفلسطيني تحت
الاحتلال الاسرائيلي، هكذا جاءت رواية "ربيع حار" لتنقل لنا صورة الواقع الفلسطيني
في الأراضي المحتلة زمن الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى".
هذه هي القصة
تنقل سحر في روايتها هذه تفاصيل حياة الناس من خلال تتبّع حياة أسرة فلسطينية
عاديّة تعيش في قرية عين المرجان في الضفة الغربية وتعاني ما يُعانيه كل الناس من
الاحتلال الاسرائيلي للبلاد من مصادرة أراض وبناء مستوطنات وتحرّشات وقحة. تتكوّن
الأسرة من أربعة أفراد: الأب فضل القسام ابن تاجر سجاد من حيفا ترك بلده بعد سقوط
البلاد عام
1948
وعاش في المخيم حياة المهانة فباع العلكة ولمّا كبر أحبّ فضل شهيرة الفتاة اللعوب
التي تضرب على العود وتغني وتزوجها رغم معارضة والده وأنجب منها ابنه مجيد. وبعد
موت شهيرة تزوّج فضل امرأة ثانية أنجب منها ابنه أحمد. وهو يعمل صحافيا يتتبع أخبار
الناس وينشرها في الصحيفة. وما يضايقه أن يرى ولديه بعيدين عن الهم الوطني مشغولين
بنفسيهما، مجيد في اللعب والغناء واللهو ويحلم أن يصبح مطربا مشهورا، وأحمد الولد
الذي لا يحسن لفظ الحروف ويُتأتىء في كلامه ويعيش وحيدا بعيدا عن الآخرين، يرسم ما
يراه أمامه ولكن كما يراه هو وليس كما هو في الواقع، ويحب قطته ويعتني بها. يحمل
آلة التصوير التي اشتراها له أبوه ويصوّر كل ما يراه يستحق, وتقوده قدماه إلى حدود
المستوطنة المحاذية لبلدته، ومن وراء الأسلاك يرى فتاة شقراء جميلة تجذبه إليها
ويتعلق بها ويترصّد حركاتها ويتابعها من خلال عدسة آلة التصوير. وإلى جانب أسرة
فاضل القسام تعرّفنا على أم سعاد المرأة القوية التي تُدير شؤون بيتها بعد اعتقال
زوجها وتنجح في تربية أولادها وتثبيت مكانتها وسط أهل الحارة أثناء حصار جيش
الاحتلال حتى يعترف بها الجميع مختارة للحارة، وتعيش معها ابنتها سعاد القوية
الشجاعة المناضلة التي تحب مجيد القسام ولكنها تضمر حبّه في قلبها، أمّا ابنها سعيد
فقد أصبح محاميا يعيش في عمّان ويزور أهله على فترات متباعدة يستغلها لأخذ النقود
من أمّه بحجج مختلفة، يتغنى ببطولات شعبه بالكلام فقط والتنظير الذي لا رصيد له في
الواقع. وبالمقابل نتعرّف على أسرة الوشمي حيث استطاع الجد المنحدر من أصل وضيع
وتربية نَوَر ومَضارب بدو أن يمتلك العقارات ويصبح غنيا وصاحب مركز اجتماعي مهم،
لكن نهايته كانت القتل فحمل ابنه بدر اسمه واحتل مكانه، لكن بدر المثقف الذي درس في
برنستون يعرف لغات وثقافات وحضارات لا حصر لها، ويتقن العزف على البيانو ولعب
التنس، كان على علاقة جيّدة مع سلطات الاحتلال وكبار القوم ومتّهما بالعَمالة
والتهريب وبيع الهويّات وتسويق بضائع ومخدّرات. وزوجته خرّيجة دراسات الشرق الأوسط
من واشنطن وباحثة متخصصة في اقتصاد الدول النامية ومصادر الثروات المائية وبترول
أوبك. وأمه العجوز الأرملة، وابنته لورا التي تلبس المكشوف وتسوق الروفر والأودي
وسط رام الله، وهي معجبة بمجيد القسام وبعدما عملت في الصحافة مع محطات تلفزيونية
أوروبية ساعدت مجيد على التقدم ليصبح نجما تلفزيونيا من خلال المقابلات العديدة
التي تجريها معه.
إضافة إلى هذه الشخصيات الفاعلة في الرواية نتعرّف على عيسى العامل الفلسطيني في
المستوطنة اليهودية والذي اتّهم بمعاونة جيش الاحتلال بعد اجتياح نابلس وقُتل. وابن
غزة الجندي الذي لاقى حتفه بشظية قنبلة. وأبو رامي القائد المخلص. وميرا الفتاة
اليهودية ابنة المستوطنة التي علقَها أحمد وظلّ على حبّها حتى النهاية وصديقتها
فتاة السلام الانكليزية التي جرفتها جرّافة الاحتلال وهي تتظاهر ضد جدار الفصل
العنصري وتجريف الأراضي العربية ، وأيضا تعرّفنا على جند الاحتلال بوجههم البشع
الكريه ولكنها تؤكّد أن المشاعر الانسانية قد توجد أيضا عند جندي الاحتلال من خلال
شخصية الجندي الشاب الذي تعاطف مع سعاد وأمها وأحمد.
رغم أنّ رواية "ربيع حار" تسجل لنا فظائع أعمال جند الاحتلال ضدّ أبناء الشعب
الفلسطيني زمن الانتفاضة الثانية بنقل المشاهد المتفرقة من أعمال الجند على الحواجز
والطرقات والمواقع المختلفة، وخاصة ما فعلوه في نابلس ورام الله، إلاّ أنّ هذه
الرواية تشير إلى بعض التغيّرات التي طرأت على تفكير وتوجّه وسلوك الانسان
الفلسطيني نحو الآخر الاسرائيلي ما بعد اتفاقيّة أوسلو، التغيّرات التي تدلّ على
إمكانية القبول والتعايش المشترك، لكنّ الكاتبة تصل إلى نتيجة عكسيّة تُثبّت رؤيتها
السوداوية لكل ما يجري على الأرض الفلسطينية وهي أن الاسرائيلي هو الذي يرفض وهو
الذي يصرّ على استمراريّة الاحتلال والقهر ممّا يحول دون أيّ إمكانية تعايش وينهي
كل أمل، ولو ضعيف، في حياة انسانيّة مشتركة بين الشعبين.
توزيع الرواية إلى جزأين
وزّعت الكاتبة روايتها على جزأين وكان يُفضّل لو أعطت لكل منهما اسما من إسمي
الرواية، للقسم الأول عنوان "ربيع حار" وللقسم الثاني "رحلة الصبر والصبّار". وكان
بإمكانها أن تنهي الجزء الأول عند مقتل بدر الوشمي. وتنتقل للأحداث اللاحقة ابتداء
من هرب مجيد خوفا من اتهامه بالقتل أو حتى من لحظة مقتل بدر الوشمي. لكنّها وكما
يبدو من منطلق قناعاتها لم تبغ تقديم صورة لواقع ورديّ جميل يعيش فيه أبناء
الشعبين بتوافق وقبول وحتى بعلاقات انسانيّة وعاطفيّة، لأنّ مثل هذه الصورة تكون
تزييفا لواقع لا يمكن أن يكون بسبب رفض الآخر، ولهذا انتهت رحلة الربيع الوردية
سريعا باعتقال أحمد ومطاردة مجيد وتفجّر العنف في كل الأرض لتكون بداية الرحلة
الصعبة، رحلة الصبر والصبّار.
ربيع حار تبدّلت نكهة حرارته
في الجزء الأوّل صوّرت لنا الكاتبة التحوّلات التي طرأت على الكثير من أبناء الشعب
الفلسطيني على أثر اتفاقيّة أوسلو والانفراج الاقتصادي الذي عرفته الأراضي المحتلة،
والشعور بالأمن والطمأنينة وانخداع الكثيرين بأن الحلم الذي طالما أملوا به
بالاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية والحكم الديمقراطي الحر وتحقيق العدالة
والمساواة وبناء المجتمع الأمثل قاب قوسين وأدنى. وفعلت ذلك من خلال شخصيات أسرة
فضل القسّام الرجل المناضل الذي شقي في طفولته من حياة المخيّم وشظف العيش وشارك في
نضالات الشعب، وها هو الآن يعمل صحفيّا ينشر أخبار البلد ويعلق على الأحداث ويحظى
باحترام الناس. لكن ما يثير فضل ويغضبه هذا الجوّ الشبابي العام واللامبالاة
بالقضايا الكبيرة والهمّ الوطني، وذلك من خلال مراقبته للواقع ومن ملامسته ذلك
بسلوك ابنيه أحمد ومجيد. فمجيد البكر همّه فقط في اللهو والغناء والسهرات والحفلات
والحب حتى أنه عمل في المستوطنة القريبة دون علم أبيه، وكان مجيد يغضب ويضرب عن
الطعام لرفض والده شراء البوط الطلياني له. وإذا لامه والدُه على مصروفه الكبير كان
مجيبد يغضب ويعلن حريته في ما يفعل وأنه يصرف كما يريد ويتحدّى والده في أكثر من
موقف، ولا يجد بدر القسام ما يواجه به ابنه غير الإنطواء على الذات واستحضار الماضي
والحنين إليه"ما شاء الله! يضرب عن الأكل ؟! في زمننا كان الأب يحرم أبناءه من
الأكل إذا اقترفوا أدنى غلظة. في زمننا كان الأكل مكافأة وليس صفقة. ألأنه يُربّي
أولادَه بشكل جيّد ويجعلهم أوادم بين الناس يدفع ضريبة تربيته؟ ألأنّ الأكل
المتوفّر دوما في الدار وثلاجته دوما تطفح باللحم الأبيض والزبدة يُصبح الأكل مجال
ابتزاز؟ لأنّ ابنه لم يعرف الجوع ولم يدُر بالصينيّة ولم يبع العلكة على الأرصفة
ولم يعش في المخيّم، يتصرّف مثل الأفندي ويَحرد عن الأكل ولا ياكل؟ أمّا ابن كلب؟(ص32).
ويتألّم وهو يرى تضايق ابنه من سماع قصصه عن الماضي وحياة المخيّم، ويسمع قوله
مناقشا :"يابا الطلاب بعيشوا حياتهم بالطول والعرض. أنا طلباتي عمرها ما تزيد.
طلباتي دايما معقولة"
(ص33).
ولا يجد فضل القسّام غير قول" أمّا أولاد كلب! أهذا هو جيل الأمل والمستقبل؟ جيل
اليوم، جيل اليويو، جيل الغناء الإفرنجي وال
MTV
، هذا بالعربي جيل مائع صائع ضائع تربّى على الدّلع والشوكلاته. جيل لا يقرأ ولا
يكتب، جيل لا يسمع أم كلثوم بل يسمع ميمي ومادونا. تلك أصوات وحناجر؟ بل لحم ومرق
ولظاليظ. من أينَ جاءوا بهذا القرف؟ من هذا الجيل؟ أنعم وأكرم. وتشرفنا يا جيل
الدّش"(ص33).
ولمّا غضب مجيد لرفض والده طلباته رفس الكرسي وخرج ولم يستمع إلى نداء أبيه له
بالعودة، فعلّق بدر القسّام على هذا التصرّف متألما: "أمّا أولاد كلب! أمّا مصيبة!
ماذا يفعل بهؤلاء الشباب؟ ماذا يقول وماذا يكتب؟ كتب كثيرا عن هذا الجيل وميوعته،
وعن مستوى الوعي وهبوطه، وانتشار الفساد بين الطلبة، وعن إسرائيل تعبث بالجيل
وبالطلبة بتسويق العُهر والعَمالة وتهريب الإيدز والمخدّرات والسلاح الرّخيص. ولم
يكتفوا بأسواقنا نحن، بل والأسواق العربية. وها هي أجيال تلو أجيال تحصد العار
والهزيمة، فكيف إذن نخلص منهم؟ كيف نرتاح؟ كيف نحيا ونرفع رؤوسنا بين الناس ونحن
زبالة؟ زبالة، زبالة!"(ص34).
وكذلك أحمد فهو كما يصفه أبوه ولد معاق ينظر بالوَرب ويحكي بالورب ويتأتىء، بينما
المعلم يصفه بالفنان وأنّ كل مشهد يستوقفه يتخيّله لوحة فهو ولد رقيق وحسّاس وناعم
وموهوب(ص7)
يحب القراءة ولا يحب اللهو واللعب مع الأولاد، ولا يتظاهر ولا يرشق الحجارة ولا ينط
ولا يركض، فقط يهرب. في كل مرّة يشتغل الضرب ويخرج الأولاد إلى الشارع في مظاهرة
تبدأ بهتاف ثم الفوضى ورشق الحجارة وغاز الدموع، كان يتسلّل من غير ضجيج ويختبىء
بعيدا في مكان ما: في المراحيض، تحت الدرج، خلف الحاوية، أو مقبرة عين المرجان.
وهناك يظل دون نفَس حتى تهدأ معركة اليوم الصغيرة فيرجع إلى البيت دون أن يلاحظه
أحد. (ص13).
وحتى يضمن فضل القسّام مستقبل ابنه أحمد وأنه سيكون رجلا كاملا طلب من ابنه مجيد أن
يصطحبه معه ويعرّفه على الحياة والناس، وكان هو أيضا يأخذه معه في بعض المرات
لالتقاط الصور لمقالاته التي سينشرها في الجريدة. وبينما كان أحمد في إحدى المرّات
في مرافقته لمجيد يلتقط الصور اتجه بالكمرة نحو الغرب وإذا بمشهد شجرة وقرميد
ومرجوحة وبنت شقراء بذيل فرس مثل اللعبة ، حلوة وجميلة كما الصورة، هل تحكي عربي أم
عبري؟ هل تفهم عليه إذا كلّمها؟ وشغلته الفتاة وأصبحت شغله الشاغل . وخلال وقوفه
مرّة بمحاذاة الشريط الفاصل ما بين بلدته والمستوطنة يتعرّف على عيسى الذي يعمل في
المستوطنة وتتوطد العلاقة بينهما.
وتتمحور أحداث الجزء الأول حول:
أ-
علاقة أحمد بميرا الفتاة اليهودية من المستوطنة المجاورة لبلدته.
ب-
علاقة أحمد بعيسى المتهم في نظر أبناء شعبه
لعمله في المستوطنة التي أقيمت
على أرض بلدته.
ج- علاقة مجيد بلورا ووالدها بدر الوشمي الثريّ القويّ المتّهم بالعَمالة لصالح
المحتل.
وبذلك تطرح الكاتبة على بساط البحث ثلاث قضايا حسّاسة وقفت أمام المواطن الفلسطيني
بعد أوسلو وعليه مواجهتها والتعامل معها واتّخاذ القرار الحاسم الصحيح.
وتبيّن لنا سحر خليفة كيف أنّ فضل القسام ممثل جيل الآباء ، الجيل الذي وعى النكبة
وعانى الغربة وقاسى التشريد والظلم والجوع يرفض التنازلات، ويصر على مواقفه الرافضة
للتنازل لأيّ من هذه الشرائح الثلاث التي يتهمها بالخيانة. فهو يرفض أيّة علاقة
وتعامل مع المستوطن الذي يحتل أرضه وبلده ووطنه، ويرى في ذلك استهانة بالوطن والناس
والذات. ولا يقبل أيضا التعامل مع الذين يتهمهم بالخيانة والعمالة حتى ولو كان
هؤلاء طوق النجاة والنجاح له ولكل أهل بيته.
وتوصلنا الكاتبة إلى النهاية التي تريدها لهذه العلاقات الثلاث، فكما لا مكان
للخائن وللعميل بين أفراد شعبه وعلى تراب وطنه ولهذا كانت نهاية كل من عيسى وبدر
الوشمي الموت على يد المقاتلين من رجال المقاومة الفلسطينية. هكذا أيضا لا حياة لحب
غير طبيعي يلد بين أحمد ابن الشعب المضطهد والمحتل وطنه وميرا الفتاة اليهودية ابنة
المستوطن الذي يحتل الأرض ويدوس الكرامة ويضغط على الأعصاب يوميا. وتكون النهاية
باستحالة اللقاء بين ميرا وأحمد الذي لا ينسى ما سببته له من ذلّ وظلم وسجن رغم ما
يكنّ لها من الشوق والحب والعواطف. حتى ولو لم يكن لها أيّ علاقة ودور ولم تدر به.
وتكون النهاية برفض أحمد الانصياع لرغبة ميرا بالسير معها، ومن ثم قيامه بعملية
انتحارية يقوم بها أمام ناظري ميرا التي لا تصدّق الذي تراه.
وبانهيار هذا الوهم الخادع الذي سيطر على الكثير من العقول خاصة من جيل الشباب
الذين انخدعو بالتحوّلات الاقتصادية السريعة وتوفير فرص العمل وانفتاح الآفاق
والحواجز وارتفاع مستوى المعيشة , بانهيار هذا الوهم بدأ العنف يتجدّد والمحتَل
الظالم يقسو لا يترك وسيلة إلا ويستعملها لاذلال الناس وسحق رغبة المقاومة في كل
واحد منهم.
حكاية الصّبر والصبّار غير المنتهية
وتكون بداية الجزء الثاني : رحلة الصبر والصبّار في رأيي بعد اعتقال أحمد وبشكل
أعنف وأدقّ بعد مقتل بدر الوشمي وهرب مجيد خوفا من اتهامه بالقتل للمشاحنة التي
كانت بينهما ليلة قتل. فقد "بدأ الحصار الطويل العريض فانفصل الشارع عن الشارع
وصارت المدن أشبه بأقفاص معزولة، فكل مدينة هي جيتو ضخم محاط بجنود ودبابات سدّت
مداخلها بخنادق وسواتر ترابية وحواجز"
(ص78)
واكتسحت الآليّات العسكرية كل بلدة ومدينة في الضفة الغربية، واشتدت القسوة وزادت
التحرّشات والإهانات والمضايقات في المعاملات على الحواجز، وبالمقابل ازدادت ضربات
المقاتلين ودارت على مختلف المواقع مواجهات عنيفة تُخَلّف بعدها القتلى والجرحى،
وتُسارع في إطفاء كل بصيص لأمل يلوح في الآفاق البعيدة. ودخل جند الاحتلال أغلب
المواقع وهدمت الدبابات والمجنزرات كل ما صادفته أمامها، واقتلعوا الناس من بيوتهم
وأحيائهم، وتشتت أفراد الأسرة الواحدة ووجد الكثيرون ممّن لم يفكروا بالقتال
والخروج عن لامبالاتهم والزاهدين بالعنف والراغبين في حياة هانئة ومريحة وحالة
اقتصاديّة مزدهرة وأمسيات ناعمة وعلاقات اجتماعية متبادلة ، وجد كل هؤلاء أنفسهم
وسط المواجهات. فعيسى الذي عمل ويعمل في المستوطنة واتهم بالخيانة انضم للمقاتلين
لصد الجند المحتل. وأحمد المعاق الذي كان لا يتقن الكلام ويهرب من المظاهرات
والمواجهات ويختبىء بعيدا حتى تنتهي ويعود سالما إلى بيته، وكان يحلم بأن يكون
فنانا كبيرا يرسم اللوحات والمشاهد ويلتقط الصور المميّزة لكل شيء، أحمد الفتى
الناعم الهادىء العاشق الذي انجذب نحو ميرا الفتاة اليهودية ابنة المستوطنة وشغلت
عقله وجعلته يتساءل عن اليهود والعرب ويحلم بمستقبل يكفل له حياة سعيدة هانئة مع
ميرا. أحمد هذا سرعان ما وجد نفسه يقبع في السجن بتهمة القيام بعملية تخريبة لم تكن
أصلا فصقلته أيام السجن القاسية وخرج منه شابا قويّا شجاعا مواجها. ومثله أخوه مجيد
الذي طالما حلم بالغناء واللهو والمستقبل الفني الرائع استفاق ليجد الجند تطارده
والتهمة الخطيرة توجه إليه ولا خيار له إلا أن يكون مع المقاتلين. ومثله ابن غزة
الذي نُقل إلى الضفة ليكون شرطيا مدنيا فأخذنه الانتفاضة وأصابته شظية قتلته.
وعشرات الشباب والفتيات والرجال والنساء حتى رجال الشرطة والكثيرين من رجال الأمن
الفلسطيني وجدوا أنفسهم مع أبناء شعبهم في مواجهة جند الاحتلال.
مشاهد العنف والقتال والمواجهات والموت تنسحب على كل الجزء الثاني من الرواية
وتستحضر مشاهد من مواقع عدّة خاصة من نابلس ورام الله ومقرّ الرئيس الشهيد ياسر
عرفات. وتنقل ملحمة شعب في مواجهته لأشرس وأعنف وأقسى قوة عتيّة شرسة تكاد تتلخّص
في المشهد الأخير من المواجهات في الرواية "أمسك الجندي بوالده من عنقه وجرّه
كالكبش وهو يقاوم. رآه يرفسه بالبسطار. ورأى والده يتقيّأ. فأسرع يركض نحو الحادث
لكن الجنود مثل الحاجز. ورأى الفتاة ابنة تاتشر تركض إلى الدار لتحمي أباه، فتحت
ذراعيها مثل الصليب وأخذت تصرخ Stop.Stop
.. لكنّ الجرّافة تتقدّم
Stop.Stop
..
مثل الزلزال تدكّ الأرض فتفلقها وتمشي كالرّخ وتترنّح مثل الغيلان. مشت لتتلقّاها
مثل الصليب، ذراعاها مفتوحتان والشعر الأشقر يتطاير من حمّ الوهج والجرّافة تقترب
ببطء وتَرَنُّحٍ وذلك السائق في أعلى الرأس، رأس زجاجي يلمع من وهج الشمس، وذاك
السائق يلمع أيضا، يلبس نظارة زجاجيّة مثل الضفدع وغطّاس البحر، ذلك السائق لا
يتزحزح، لا يتحرّك، لا يُبدي حركة أو نأمة توحي بالفَهم. قطعة معدن، رجل آليّ،
إنسان حديديّ، والنظارات مثل الضفدع. صاحوا: وقّف! ولم يتوقّف. رشقوا حجارة، ولم
يتوقّف لطمت فلاحة وصاح الشباب: الله أكبر، لكنّ الله كان يُحدّد مسيرة تاريخ. ومشى
التاريخ مثل الَعَقرب وساعة بيج بن نحو فتاة تحلم بالحب وضمير الناس. ابنة تاتشر
تحت الدواليب. صَوّرْ ، صَوّرْ. ابنة تاتشر كانت بلا دين. صَوّرْ. صوّرْ. ابنة
تاتشر صارت منّا، صارت قدّيسة مسيحيّة حين نعاها خوري اللاتين. حملوا الفتاة
ووضعوها خلف ظهره. كانت ميرا تبكي وتنوح وأبوه يصيح: أوعى يا ولدي. ما زال يصيح:
أوعى يا ولدي! بعد كل الضرب والإهانات والدار تنسحق كقشر البيض وفتوت العيد، أوعى
يا ولدي، وميرا تصيحGo.on. Hurry up
:
هنا فيه عسكر، فيه دبّابة، وأبي يبكي مثل الأطفال ويقول أوعى، وأم سعاد قالت أوعى،
وأم الغزاوي قالت له أوعى يا ولدي ولكن الحاضر فاجأها بضربة صاروخ. ورأى السائق في
الجرافة يُحدّق من خلف النظارة مثل الضفدع، انسان الغاب، مثل الآلة، لا يتحرّك ولا
يُبدي فَهما أو عطفا، فقط يمشي، يقترب بآلته الضخمة، فصاح الشباب: إرجع رفيرس،
إرجع، إرجع، إرجع. نظر إلى جانبه في المرآة ورأى العسكر ، خمسة، سبعة، عشرة وأكثر..
صاحت ميرا: إرجع رفيرس. إرجع، إرجع. والجرافة تقترب منه. رجع إلى الخلف ثمّ استدار
فرأى العسكر في مواجهته، ورأوه يقترب من الحاجز. صليّة رشاش على الأمبولانس فانكسر
الزجاج وتطاير، إدعَس، إدْعَسْ، صاح الشباب، إدْعس، إدعسْ. داس البنزين وهو يتمتم
مثل المجنون: يا أولاد الكلب! كان الغضب قد نزع الخوفَ والدنيا تموج خلفَ دموعه. لم
يرَ إلاّ تلويح أبيه وميرا تصرخ: Hurry up, Hurry
up
.
صليّة رشّاش ثانية فطار صوابه. صور الأحداث مثل السينما. شاشة سريعة، فيلم معطوب،
وهو يصَوّر من غير صوَر، داخل عقله، إنْ بقي عقل، واندفع بكامل أجنحته مثل الصاروخ
نحو العسكر، خمسة، سبعة، عشرة وأكثر، لم يُميّز، اختلّ العقل، ثم تأرجح، والروح
تطير كطيّارة مثل الأوزون. فصاح الوالد: ابني استشهد! في اليوم التالي سمعنا
الخبر. قالوا: إرهاب."
(ص
218-219)
وتنتهي الرواية بهذا المشهد القاسي الذي يوقفنا على بشاعة الاحتلال ومدى معاناة
الشعب واستحالة تحقيق الأمل ولو حتى على المدى البعيد.
قَتْل الانسانيّة في الانسان
مَشهد القَتْل هذا قَتَلَ كلّ ما هو إنساني وجميل في أحمد. أحمد الفتى الهادىء
الرقيق الهارب من كل مواجهة ومظاهرة، الحالم بكمرته وصوَره ورسوماته، الحاضن قطتَه
والراكض نحو السياج ليلتقي فتاته الحلوة ميرا في المستوطنة القريبة، أحمد المتساءل
بقلق وحزن عن اليهود وميرا وأهل ميرا ، أحمد القلق على ميرا والمتعلّق بها والمحب
لها، أحمد فَقَدَ كلّ مشاعر الانسانية والحبّ وهو يرى الفتاةَ الانكليزية فتاة
السلام صديقة ميرا التي تضامنت معهم ضد حاجز الفصل وهرعت لتحمي والدَه من جرّافة
القتل، يرى أطرافها وأشلاءها وشعرها يتطاير في كل الجهات . لم يعد يسمع نداءات
الوالد ولا أم سعاد ولا الشباب ولا حتى ميرا، كان يرى أمامه الأطراف تتناثر في كل
الجهات وصليبا يحوم حولها أينما تناثرت.لم يعد يسمع. وحتى ميرا التي أحبّ وعشق
وتمنى لم تعُد تُثير فيه غيرَ مشاعر الموت والكراهيّة والانتقام. أصبحت ميرا إنسانة
أخرى تُذكّره بهم. يوم قبضوا عليه واتهموه وجَرّوه أمامها وهي تبكي خوفا منهم وليس
شفقة عليه وحبّا له. أصبحت ميرا منهم يتمنى لو أبكاها بدل الدمعة آلاف الدموع. لو
عذّبها مثل عذابه. لو غدر بها كما غد