زواريب عكا تستعيد ماضيها مع مسرحية "الزاروب"

تلاحم المكان والزمان والانسان في وثيقة إدانة قوية وصرخة الفلسطيني الطويلة: أين هو العدل ! أين!؟

  د. نـبـيـه القــاسم

     قليلة هي الحالات التي يحتفل فيها مُبدع بمرور كذا سنوات على  صدور عمل إبداعي له، وقد فعلتها سامية  بكري  باحتفالنا وإيّاها بمرور اثنتي عشرة سنة على مسرحية "الزاروب".

    أذكر، عندما شاهدت واستمعت إلى سامية تُقدّم عرض "الزاروب" قبل سنوات  تملكتني مشاعر لا أستطيع التعبير عنها، رافقتي على مدار أيام. وعندما جلست لأكتب عن "الزاروب" أخذتني زواريب عكا ومدننا وقرانا عبر دهاليزها المتداخلة المتشعبة اللانهاية لها، ولم أكتب.

    نفس المشاعر أصابتني بعد قراءتي لرواية "باب الشمس"  للياس خوري . فقد سرقتني الحكايات، وضيّعتني الأماكن ، وشدتني إليها الشخصيات اللاّعدد لها،  متنقلة بي عبر الأمكنة والأزمنة، صالية لي بنار حكاياتها المتناثرة على اتّساع الوطن الذي كان وطنا، لتتركني بعد رحلة العذاب إنسانا يكفر إلى حدّ كبير بكثير من قيَم إنسان هذا العصر . ولم أستطع أن أكتب عن "باب الشمس".

      لقد شكّلت مسرحية "الزاروب" رغم عدد صفحاتها القليل، وثيقة تاريخية لإدانة الجريمة التي ارتكبت ضدّ الشعب الفلسطيني عام 1948. عندما تآمر عليه الجميع: الأشقاء العرب، ومَن سمّوا بالأصدقاء، والغرباء، تماما كما الأعداء. وحدثت النكبة التي لم تؤد فقط ، إلى اقتلاعه من وطنه، وتحرمه من بيته وأرضه، وإنما شرّدته في كل جهات الدنيا، وعملت على إلغاء هويّته وحتى وجوده الإنساني، ولا تزال تمعن في حرمانه من حقوقه، وتعمل على المزيد من ظلمه وحتى قتله.

      كل عمل مسرحي يتحدّد ضمن مكان وزمان إضافة إلى الشخصيات.  وفي مسرحية "الزاروب" تتواجد هذه العناصر الأساسية الثلاثة بكثافة. رغم أنّه لا مكان يجمعها ولا زمان يضمها ولا شخصيات مُحدّدة يُشار إليها، فالواحد يتوالد من الثاني ويتداخل فيه. الشخصية الواحدة تتكشف عن عشرات الشخصيات، والمكان يتفجر في ذات الوقت عن عدة أمكنة، والزمن يتشظى إلى أزمنة متداخلة ما بين الحاضر والماضي والحاضر والمستقبل. مسرحية "الزاروب" لا  تتقيّد بشخصية مُحددة، ولا بمكان مرئي، ولا بزمان واحد. فمن الشخصية الواحدة التي نراها تُقدّم لنا العرض تتناسل العشرات من الشخصيات، تأتينا من عمق الماضي لتخبرنا بقصتها وتنسحب تاركة المجال لغيرها وهكذا دواليك. وأحيانا تتداخل الشخصيات وتتبادل الأدوار والقصص. ومع كل شخصية نعيش القصة ونتألم ونسأل ونغضب، وقبل أن نتفجّر تُسارع مقدمة العرض الراوية قائلة مع البسمة الحزينة الآسرة: بلاش نقلبها غم. وتغني مع فيروز:

ما في حدا/ لا تندهي/ ما في حدا/ بابن مسكّر/ والعشب غطّى الدّراج/ شو قولكن/ صاروا صدى/ وما في حدا.(ص 45).

      وتأخذنا بروعة الكلمات والصوت، وتُعيدنا إلى واقعنا الحاضر ، تتنقل بين الجمهور تحكي مع هذا وتمازح ذاك، ينتشينا الفرح فنهدأ ونبتسم. ولكنها بعفوية تخاطب الجمهور : مش بقولكو عيوني بتشوف اللي غيرنا لا يراه يا جماعة. وبقدرة تُدخلنا من جديد في تفاصيل قصة أكثر ألما وقسوة ومأساوية.

     هذه القدرة في الانتقال من شخصية إلى أخرى عبر الأمكنة والأزمنة كانت بفضل الحركات والإشارات والتعليقات وإيقاعية الكلمات والعبارات التي كانت تشد بها المشاهد، فينسى أنه أمام شخصية واحدة تُقدّم له عرضا مسرحيا، وإنما يشعر أنّه وسط عشرات الشخصيات من كل        الأجيال والأماكن، يحكون له قصصهم ويخصّونه بها وحدَه.

     وإذا كانت العلاقة الجدلية لازمة ما بين الشخصية والمكان والزمان في العمل الإبداعي، فإنها في مسرحية "الزاروب" تكاد تكون متلاحمة، وتتفجر معا من خلال النوستالجيا، واسترجاع تدفع إليه مناسبة أقيمت أو صورة عُلقت لتُعرَض للناس في معرض، فما تكاد النظرات تقع على الصورة الجامدة المعلقة على الحائط حتى تتفجر الشخصيات عبر الأزمنة المتداخلة، ومن قلب الأماكن الغائبة لتنقل المُشاهد إلى واقع آخر يشده إليه بما يُثير فيه من ذكريات بعيدة حاولت السنون دفعه لنسيانها فتتفجر فيه من جديد فيحياها وكأنها الآن تحدث أمامه.

     هكذا تتلاحم الشخصيات بالمكان والزمان، وتتوارى الصورة المعلقة على الحائط لتنبعث الحركة والحياة في المكان الذي صورته بناسه وموجوداته، فنتنقل من زاروب إلى آخر، ومن مكان إلى ثان، ومن بيت إلى غيره، فتأخذنا المواقع، ونتنقل عبر الزمان والمكان لنلتقي أشخاصا كانوا وراحوا، ولا يزالون يأملون بالعودة. يشدّ بهم الحنين إلى مكان يسكن فيهم لا يمكنهم التخلص منه، ولا يُمكنه الخروج منهم منذ تلك اللحظة الزمنية القاسية التي انبتّوا فيها من أماكنهم ليصبحوا غرباء في هذا العالم الواسع الذي يضيق بهم.

     وبتلاحم الشخصيات بالمكان والزمان تتداخل الحكايات الواحدة في الأخرى، وتظل الشخصية الراوية أمامنا هي المحور، عندها تلتقي حكايات الناس، وفيها تتفجر الأمكنة لتنبني من جديد وتمتلئ بموجوداتها وناسها، وتتداخل الأزمنة لتبعث الحركة والحيوية. وقد يلتقي الماضي بالحاضر بالمستقبل في حالة من التكامل اليقيني كما في لقاء الراوية مع أم سليم. وهكذا لا يكون الدور المنوط بالصور الجامدة المعروضة على الحائط فقط للتذكير بالماضي، وإنما لتكون شهادة على أنّ هذا الذي تعرضه الصورة كان موجودا حقا. فالصورة، كما يقول بارت: "لا تتحدّث عن الذي ما عاد موجودا، وإنّما عمّا كان فقط، والوعي لا يتعامل مع الصورة عن طريق الحنين ولكنه يؤكد اليقين". 

    لا تكتفي الراوية باستحضار الماضي عبر الصور المعلقة أمامها على الحائط وحكايات الذين استحضرتهم، وإنما تتقمّص دور صديقة لها عاشت نكبة شعبها يوم كانت في الرابعة من عمرها، وغادرت البلاد مع والدتها والإخوة والأخوات إلى بيروت حيث ذاقت ذلّ الغربة وعرفت بؤس الغريب ، لكنها كانت محظوظة بأنّ سُمح لها ولأفراد أسرتها - ما عدا الأخ الكبير- بالعودة إلى الوطن. هذه الصديقة قصّت على الراوية قصّتها تلك، وبذلك مَكنتها لتأخذ دور الشاهد الحاضر الذي وعى الأحداث وعاشها ويرويها، وفي شهاداتها الخبر اليقين. فهذه المواقع التي تتحدث عنها هي مواقعها التي عاشت فيها وتنقلت بينها وعرفت كلّ موقع فيها. ولعبتها التي كانت تخبئها في غرفة بيتهم الذي احتله الأغراب، هي وحدها التي تعرف كيف تجدها وتستخرجها أمام استغراب نظرات الامرأة الغريبة المستوطنة ومفاجأتها(ص42)، ووالدها هو الذي كان  يشرب القهوة في بيته مع اليهودي الذي احتلّ بيته ويقيم فيه(ص41)، وشفرات االتراكتور التي كانت تجرف حجارة البيت، قلبها فقط الذي استشعرها وخفق بسببها (ص35)، وهي كآلاف غيرها عاشت النكبة وفقدان الأهل والبيت، وذاقت التشريد والغربة إلى بيروت التي وصلوا إليها وبقوا حتى سُمح لهم بالرجوع، وهي التي جعلتها النكبة والتشريد والغربة تفتقد وجه أبيها فتظن أنّ أخاها هو والدها(ص 37) وعندما تلتقي بأبيها ترفضه وتناديه بالشبح وتقول  "إجا الشبح طلع من البير وأخذني على بيتنه" (ص39). وهي التي تحسّ بنبضات جدران البيوت وحجارتها وتُعلّق على استغراب قادم جديد لوقفتها قائلة: "يا ترى بتتوقع من عيونه تقدر تشوف اللي بتشوفه عيوني" (ص 44)، وهي التي شعرت بذنبها لأنها لم تلتفت للصخرة التي شهدت شيطنتها في طفولتها وتقول بألم وخوف من الآتي: "ايه .. هاي الصخرة .. هاي هي من هون كنت اطلع وأنط منها على جورة البطلان أنا نسيتها واللا هي قولة إميل حبيبي رحمه الله أنا تغرّبت عن المكان ولاّ هو تغرّب عنّي .. واللاّ الزّمان .. إلي واللا مش إلي ..طيّب يا جماعة .. منين لكان إجاني هالشعور ..؟ منين؟؟ أي بنسّوك الحليب اللي رضعته؟"(ص 46).  وهي تشرك الحاضرين معها بما تقول، لأن الكثيرين منهم هم شهود حق عرفوا المواقع ولامسوها ولا يزالون.

   لقد نجحت سامية في اختيار المقطوعات الشعرية، العامية منها والفصيحة، التي كانت تُرَدّد في المناسبات المختلفة، وعرفت كيف تُدخلها في النص لتكون مُكملّة وشاحنة بالمعاني والدلالات وكانت أحيانا تنطلق بصوتها الشجي الرخيم ببعض المقطوعات فتأخذ بالمشاهد وتسحره بتموجات صوتها وتجسّد أمامه كل حكايات الناس الذين عرفهم ولم يعرفهم، وتشدّ به إلى ما يجري أمامه أكثر وأكثر.

     واستطاعت أن تصف حياة الناس الهادئة القانعة السعيدة غير المتوقعة وقوعَ المأساة والنكبة وعذابَ التشريد وفقدان الوطن، حتى أنّ كلمات أحمد الشقيري "وفروا البارود لحاجته"(ص18)، لم تقع على آذان صاغية، ولا أحد ينتبه لما فيها من معان وتحذيرات واستشراف للمستقبل.

    كما صوّرت خوف الناس الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة، وتوجّسهم من عقاب السلطات الاسرائيلية لهم إذا ما صرّحوا بآرائهم وعبّروا عن عدم رضاهم بالفزع الذي أصاب أم سليم عندما انتبهت إلى أنّ الراوية تكتب ما تقوله لها "شو كنّك عمبتْايْدي..؟؟ عزا.. معك قلم؟؟ يي.. يي. هو.. شوفي يمّا.. شو بدنا نحكي هي.. اسرائيل منيحة.. مليحة.. والله (وهي خايفة) ما ناقصنا شيء على أيامهم بيوتنا ملانة ومِنْتْلِيّة.. لأ .. منيحين ..(تقوم وتترك المكان) بخاطرك .. قال حكايا قال.. ما احنا كلنا حكايا.. يا بْنَيْتِي.." (ص 53).

     وتشكل الزاروب موسوعة متواضعة، ولكنها مهمة، في حفظ اللهجة الفلسطينية التي يتكلمها أبناء مدينة عكا وباقي القرى التي تحيط بها. فقد نجحت في جعلها لغة حيّة متدفقة تسحر السامع بإيقاعية مخارج حروفها وجمالية تراكيب جملها وعباراتها "وخالتي لمّا تْزَهْزِهْ الأمور معها تِطلع على حفّة البركه من فوق وترقص داير مِنْدار واللإبريق القزاز على راسها"(ص 21). و "ييه.. اي روحي بِلى يُسْتْرِكْ.. كل عمرك على مهلك نايطة."(ص 25)، ولهجة بدو المنطقة "كنت زين والله يا أميرة زين قمر أرْبَعْتَعْش ضاوي. انتن تْغَنّينْ وتُرْقْصِنْ والبقرات يْغْنّينْ ويُرْقْصِينْ"(ص 21).

       المخرج فؤاد عوض كما نعهده، كانت بصماته واضحة في إخراج "الزاروب" بكل هذه الروعة وهذا النجاح، حيث نجح في التوفيق ما بين حركات الراوية وإيقاعية صوتها واهتزازات جسدها وتنقلها أمام الجمهور وبينه، والخروج من الموقف الدرامي الشادّ بالمشاهد والأخذ به صوب عمق المأساة إلى موقف النقيض حيث ترفع يدها وتُلوح بشالها وتقول باسمة: بلاش نقلبها غمّ. وتنطلق تردد كلمات محمود درويش:

ونحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

ونسرق من دودة القزّ خيطا لنبني سماء لنا ونسيّج هذا الرّحيلا

ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا جميلا

نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.(ص45)

     كما كان للفنانة سيسيل كاحلي عطاؤها الفني في تجسيد الأحداث وعرضها أمام المشاهد قبل بداية العرض وخلال ذلك، ممّا جعله يوائم بين ما شاهدت عيناه من رسومات ولوحات وصور، ويعرفه ويسمعه من الحكايات التي تُروى وتُستَرجَع أمامه.

  أخيرا

    تبقى مسرحية "الزاروب"  رغم مرور السنوات، وافتقاد الناس الذين تروي حكاياتهم، وثيقة إدانة يرفعها أبناء شعبنا مع مئات وثائق الإدانات في وجه العالم صارخين : أين هو العدل الذي تتحدثون عنه.. أين هو!؟

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi