الشاعران:

موسى حوامده وأحمد الشهاوي: كلّنا معكما

 د. نـبـيـه القــاسم

قضيّة ملاحقة المبدعين في العالم العربي أصبحت ظاهرة مألوفة ومسلّماً بها حتى أصبح المتعرّض لها لا يجد غير الرّب يتوجّه إليه ليحميه من عواقب الآتي.

          نذكر كلنا تلك الرصاصة التي انطلقت لتُردي المفكر فرج فودة، والشاب الغرّ الذي قصد غرز سكينه في جسد نجيب محفوظ، والمطاردة الشرسة للمفكر نصر أبي زيد حتى اضطر على ترك وطنه. ويومها كتبت دفاعاً عنه في جريدة "الإتحاد" (27/9/1996) كلمة حارّة تحت عنوان "هل يكون الدكتور نصر أبو زيد آخر المحاربين في هذا الزمن العربي الرديء". وبعد ذلك محاولة النّيل من مكانة وسمعة وإبداع الكاتبة نوال السعداوي، ومصادرة ثلاث روايات كانت وزارة الثقافة المصرية قد وافقت على نشرها، ومصادرة رواية الكاتب حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"، وأخيراً ملاحقة الشاعر أحمد الشهاوي على أثر صدور كتابه "الوصايا العشر في عشق المرأة" ومحاولة تكفيره. كلّ هذا حدث في مصر. وكذلك ملاحقة الفنان مرسيل خليفة في لبنان لغنائه قصيدة محمود درويش "أنا يوسف يا أبي"، ومحاكمة الكاتبة ليلى العثمان من الكويت واتّهامها بنشر الأدب الإباحي ومعها شاعرات أخريات.

          ومنذ أربع سنوات يتعرّض الشاعر الأردني الصديق موسى الحوامدة للملاحقة المزعجة والمكلّفة مادياً وجسدياً من قبل دُعاة التكفير في الأردن بسبب إصداره لمجموعته الشعرية "أستحق اللعنة"، رغم تحاشيه المواجهة ومحاولته تغيير اسم المجموعة ل "شجريّ أنا".

          الشاعر موسى الحوامدة من الشعراء البارزين في الأردن، له حضوره على الساحة الأدبية والثقافية. وخلال ملاحقته كنت أتقصى ما يجري له، وتابعت المقابلة التلفزيونية التي أذيعت له وشرح فيها حالته وآراءه ورؤيته للحياة والشعر ودور الشاعر ولغة الشعر المختلفة بمفهومها ودلالاتها عن اللغة العادية أو المعجميّة.

          وفي الخامس من الشهر الحالي كانون الأول 2003 نشرت جريدة "الرأي" الأردنية نص شهادة موسى الحوامدة واستعراضه لسنوات الملاحقة والعذاب التي تنقّل خلالها من محكمة إلى ثانية، وتساءلت وأنا أصدّق كل كلمة كتبها:

          - ألهذا الحد وصلت حالة مبدعنا في العالم العربي؟!

          - وإلى متى ستستمرّ فتاوى التكفير وهدر الدم ضد كل مبدع ومفكّر يجرؤ على قول ما يُفكر به ويخرج على طاعة السلطان وصاحب الفتوى؟!

          - ماذا مع مثقفي أمتنا العربية، وخاصة أصحاب الفكر والمبدعين..؟

          - إلام هذا الصمت؟ وهذا الجبن، فماذا جنى الشاعر أحمد الشهاوي يوم أيّد مصادرة روايات إبراهيم عبد المجيد وغيره من الكتاب في مصر وهاجم الشاعر سميح القاسم على مقاطعته لمعرض القاهرة الدولي للكتاب بسبب هذه المصادرة وها هو اليوم يواجه المحنة نفسها التي تعرّض لها الكاتب إبراهيم عبد المجيد ورفاقه.

          وفقط في لبنان وقف المثقفون والمبدعون بعشراتهم إلى جانب الفنان مارسيل خليفة، وتظاهروا أمام قاعات المحكمة التي نظرت في قضيّة التكفير التي رُفعت ضدّه، إلى أن برّأته المحكمة وخرج ليحتفل بعيد انتصار الكلمة واللحن مع كلّ الأحرار الذين ناصروه.

          والآن يتعرّض الشاعر أحمد الشهاوي للملاحقة والتكفير في مصر، ويتصدّى بعض المبدعين والمفكّرين لهذه الملاحقة وأصدروا بياناً تأييداً للشهاوي. وفي الأردن لا يزال الصديق الشاعر موسى حوامدة يُعاني من مطاردة أربع سنوات أنهكته.

المبدع والمفكر والمثقف بات في عالمنا العربي يُعاني مرافقة الرقيب له طوال ساعات يومه وخلوته ونومه. حتى أخذ البعض يتقمّص في الوقت نفسه دور المبدع ودور الرقيب، فيكتب وبعود ويُراجع ما كتب، فيعدّل ويغيّر ويشطب ويزيد ويشرح ويضع الهوامش ويطلب عَون الرّب في أن يرضي ما كتبه وليّ نعمته السلطان ويبعد عنه سيف جلاده القيّم على الفكر والمشاعر.

هذا التذلّل والخنوع للسلطان وصاحب الفتوى من قبل معظم مبدعي ومفكري ومثقفي أمتنا العربية دفع بنا إلى عهد الظلام وغيّب دور المبدع والمفكر والمثقف وهمّشه حتى بات السلطان يتكرّم بحضور مناسبة ثقافية ويكاد لا يسمع ولا يقرأ ما يهذي به هؤلاء. وأصبحت الفضائيات العربية هي الملاذ ليُسمع عبرها كلّ واحد كلماته.

          هذه حالتنا الثقافية وحال مبدعنا ومفكرنا ومثقفنا..

          ترى هل نخرج من حالتنا الراهنة!

          هل يحق لنا أن نرجو فقط؟!

          وحتى يكون اليوم الذي نريد، أقولها بصراحة وبقوّة:

          لك أيّها الشاعر الصديق موسى الحوامدة في الأردن.

          ولك يا أيّها الشاعر أحمد الشهاوي في مصر:

-        الكلمة، هي التي ستنتصر في النهاية.

والكلمة هي سيفنا الذي نُشهره في وجه الظلام

والكلمة كانت في البدء

والكلمة ستكون قول الفصل

وكلّنا معكما أيّها الصديقان.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi