صبحي شحروري المبدع الشجاع

 د. نـبـيـه القــاسم

 لا أزال أستعيد فرحتي بوقائع تلك الساعات من مساء يوم الثلاثاء الموافق 2/7/1996 حيث اجتمع العشرات من مثقفي شعبنا في قاعة مسرح "السراج" في مدينة رام الله وبرعاية وزير الثقافة الفلسطيني الأخ ياسر عبد ربه للاحتفال بمنح جائزة "توفيق زياد الأدبية"  لكل من المبدعين: صبحي شحروري وعبد الكريم أبو خشان. هذه الجائزة التي اعتمدتها وزارة الثقافة الفلسطينية تكريما لذكري الشاعر الراحل توفيق زياد.

        فرحتي كانت لأنه أصبح لنا سلطة على وطن ونشيد وعلم ووزارة ثقافة تُكرّم مُبدعي الشعب، ولأنني كنت أحد أعضاء لجنة التحكيم للجائزة التي انتدبتها الوزارة والمُكوّنة من:  د. عيسى أبو شمسية، أحمد دحبور، علي الخليلي، نبيه القاسم وعدنان القاسم. ولأنني استطعت أن أردّ بعض الجميل للصديق المبدع صبحي شحروري الذي كان قد أكرمني بكلمة رائعة ألقاها في مدينة عكا يوم قامت مؤسسة الأسوار بتكريمي يوم 1/3/1993 بمناسبة إصدارها كتابين لي.

معرفتي بالصديق صبحي شحروري تعود إلى سنوات الستين المتأخرة من القرن الماضي عندما كنت أقرأ بعض ابداعاته القصصية في الصحف التي تصلنا من الأردن، وفي السبعينات بدأت أتابع كتاباته مع العديد من مبدعي شعبنا في الصحف الصادرة في الضفة الغربية وخاصة مجلة "البيادر الأدبي" التي كانت علاقتي قوية مع محرريها وأساهم في مختلف النشاطات الثقافية التي تدعو إليها. كان صبحي أحد الوجوه الأدبية البارزة في الأراضي المحتلة ، وكان لآرائه النقدية التي يكتبها أثرها على الحركة الثقافية، ولكنه كان المبدع الواثق من نفسه غير الفارض نفسه على غيره، وقد يكون لإقامته في مدينة طول كرم البعيدة عن مركز العمل الثقافي في مدينتي رام الله والقدس السبب في تأخر معرفتي الشخصية المبكرة بصبحي.

أستعيد الآن بعض الندوات الأدبية التي شاركت فيها في بعض المدن الفلسطينية في سنوات السبعين وأستعرض أسماء بعض المبدعين الذي شاركتهم وعرفتهم ورافقتهم أمثال:  محمد البطراوي، جميل السلحوت، جمال بنورة، عبد اللطيف عقل، إبراهيم العلم، أحمد حرب، أبراهيم الدقاق، علي الخليلي، سحر خليفة،  فضل الريماوي، سامي الكيلاني، محمد كمال جبر، زكي العيلة، محمد أيوب، خليل توما، أسعد الأسعد. ثم أنتقل لسنوات الثمانينات لتقفز أمامي أسماء جيل الشباب المتحمس الثائر الذي تتفجر طاقته الإبداعية التي تُريد أن تُسارع في احتلال موقعها على الساحة الثقافية, وتحضرني أسماء عزيزة كثيرة في مختلف مجالات الإبداع، وفي مقدمتها اسم الصديق الأثير الشاعر عبد الناصر صالح الذي كنت قد تناولت قصيدة له كان قد نشرها في مجلة "الجديد" وكانت السبب في هذه العلاقة الحميمية التي لا تزال تربطنا حتى اليوم. وعبد الناصر كان همزة الوصل بيني وبين العزيز صبحي شحروري. وكيف أنسى تلك الزيارة الرائعة يوم 5/12/1988 يوم زارني فيها كل من عبد الناصر صالح ومعه صبحي شحروري ويوسف اليوسف (اليوم يُعرَف بيوسف المحمود) في بيتي على سفح جبل حيدر في قرية الرامة في الجليل. كانت الساعات التي قضيناها في اليومين اللذين أقاموا فيهما من أجمل الساعات، كنت أشعر بالسعادة التي تغمرهم وهم يتنشقون هواء الجليل ويُنعمون عيونَهم بسحر جبال وسهول ووديان وأشجار وأزهار ونباتات وطيور وأهل الجليل. كان عبد الناصر يُريد أن يرقص ويتهادى وينشد الشعر مأخوذا بما يرى، ويوسف اليوسف بخَجل الزائر الجديد يُشاركه بخَفَر بينما صبحي يعيش السعادة بوقار ورَزانة وضَبط انفعال ملحوظ.

وتوثقت العلاقة، واستمر الطريق وظلت القضايا الواحدةُ والهمومُ الواحدة والإبداعُ الحقيقي ما يشدّ واحدَنا للثاني، وكل لقاء ثقافي يجمعنا، وكل دراسة أو قصة أو مقالة أقرأها لصبحي تزيدني احتراما له وتقديرا لعُمق فكره وقوّة مَنطقه التحليلي وشجاعته في قول الرأي الذي يراه.

لقد استطاع صبحي ونتيجة لمُثابرته وسَعة اطلاعه وإغناء ثقافته ومَعرفته بكلّ جديد تَعرفُه السّاحاتُ الأدبية أن يكون الصوت النقدي العالي والقوي والشجاع في ساحة الإبداع الفلسطينية. فكانت دراساته النقدية ومتابعاته والندوات والحلقات الثقافية التي يشارك فيها محور اهتمام المثقفين ومجال مناقشاتهم ومحاوراتهم. قال رأيَه وكَتَبه في بعض رموز الإبداع في الشعر والقصة والرواية والمسرح والنقد، لم يعرف المجاملةَ ولم يخشَ غضبةً.

ما يُميّز صبحي شحروري في دراساته النقدية للأعمال الإبداعية التي يتناولها أنّه لا يتناول النّص لرغبة في الكتابة وإنما يختار المميّز، ولا يلصق نصّه بنظرية نقدية قسرا ليتفاخر بالمنهجيّة كما يفعل كثيرون, وإنما يمازج بينهما ويُقرّب الواحد من الثاني، فلا يُكثر من أقوال المُنظرين ولا يُطيل دراسته باقتباسات واستنشهادات لا حاجة لها، وإنما تجده خلال تناوله للنص يقدّم التحليل العميق والشامل المرتكز على نظريات منهجية، وليس نظرية واحدة، يعرف كيف يُزاوج بينها وكيف يتغلغل في النص المختار، فتكون الدراسة المميّزة ويكون النقد الذي يجب أن يكون. وما دراسته المطوّلة لجدارية محمود درويش التي ينشرها في أعداد مجلة "الشعراء" الصادرة في رام الله إلاّ النموذج لهذا النقد الذي يكتبه صبحي شحروري.

اهتم صبحي منذ عقدين من الزمن بالحركة النقدية التي تتبلور في المغرب العربي، وحرص على متابعتها وقراءة كل ما يصدر عنها، وخاصة الترجمات للنظريات النقدية الغربية المختلفة، وأعلن إعجابه بما تكتبه الناقدة اللبنانية الدكتورة يمنى العيد، ولم يرض بالتزيّن بما يقرأ وبما يعرف، وإنّما اكتشف إلى أيّ مدى بئر المعرفة عميقة، وكم من السنوات يحتاج للحاق بركب المعرفة ومواكبته. ولم يبخل على معارفه وأصدقائه ومُريديه بالمعرفة، فأصبحت حلقاته تستدعي طالبي العلم والمعرفة، وتستقطب اهتمامات الكثيرين.

أعترف أنّني لم أوف صبحي شحروري حقّه كواحد من وجوه حركتنا الأدبية البارزين، وأشكر الصديقين الشاعرين المتوكل طه وعبد الناصر صالح اللذين أتاحا لي هذه المناسبة، وحسبي يا عزيزي صبحي أنّني في صبيحة كل عيد من العيدين الكريمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، يسبقني العزيز عبد الناصر بمهاتفته للمعايدة فأجد نفسي مدفوعاً لأدير أرقام هاتفك لأقول لك: كل عام وأنتَ بخير. فيأتيني صوتك الرزين الهادئ الوقور الصادق بالمودّة والشوق: وأنتّ بألف خير، وليكن العام القادم أفضل.

حقّا يا عزيزي صبحي، ليكن العام القادم أفضل، فتتحقّق الأمنيات ويسود السلام ونعود لنلتقي كما كنّا، وألف تحيّة.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi