تداخل الواقع باللاواقع وفنيّة البدايات وارتباطها بالنهايات في قصص محمود شقير

 

 د. نـبـيـه القــاسم

 

     يتميّز الكاتب محمود شقير في كل إبداعاته القصصية بالتزامه قضايا شعبه وحمل همومهم والتعبير عنها من خلال قصصه، لا بالأسلوب الصاخب والشعارات العالية، وإنما بالهدوء واختيار الكلمات العادية البعيدة عن الصخب، واسلوب يبدو عاديا في مظهره، ولكنه يتغلف بالسخرية المُعريّة للآخر، دون أن تُعطي هذا الآخر الحجّة للردّ العنيف والانتقام.

    ويتجلى هذا الالتزام في قصص المجموعة القصصية الأخيرة التي صدرت للكاتب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2004 تحت اسم "ابنة خالتي كوندوليزا". تضم المجموعة احدى عشرة قصة يتناول فيها الكاتب مختلف قضايا وهموم الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وفي المقدمة قضية الاحتلال التي هي أم القضايا وسبب كل الهموم.

 

تداخل الواقع باللاواقع

     يتوقع القارئ لقصص كاتب مثل محمود شقير يعيش تحت نير الاحتلال أن يقرأ قصصا  تُحرّض على التحدّي، وتدعو للصمود، وتصوّر واقع الظلم الذي يعيشه الانسان الفلسطيني ، قصصا تنقل صورة الواقع المرّ الذي يعيشه الناس يومياً. لكن الواقع الذي يتوقعه القارئ غيره الذي يصوّره له الكاتب، وإن كانت المحصلة واحدة.

     صحيح أنّ الكاتب اهتمّ بتصوير ما يُعانيه بعض الناس من القلق والخوف والفزع الذي يسببه الاحتلال للأرض الفلسطينية والعدوان الأمريكي على الشعوب العربية تحت شعار محاربة الارهاب، قصص "هاجس الفانتوم" و "خلاف على ملح الطعام". إلاّ أن الكاتب سرعان ما يأخذ بالقارئ إلى مواضيع جانبية وقضايا قد تبدو سخيفة وغير ذات قيمة في ظل الاحتلال للأرض والانسان، مثل بنطال نهلة الذي أثار الحي وأدّى إلى الشجار والخصام، وقصة شاكيرا وما سببته له من مشاكل وإحراجات، وابنة خالته التي كانت تغريه بالزواج منها رغم كونه متزوجا. ومثل قصص تبدو مجرّدة من كل واقعية أو إمكانية حدوث مثل أن يقوم رامسفيلد وزير الحرب الأمريكي بزيارة إنسان عادي في الأراضي المحتلة، أو أن يقوم رامبو بنقل مسكنه ألى الضفة الغربية ويعيش بين الناس العاديين في بيت من الشعر. لكن القارئ سرعان ما يجد نفسه رغم المواضيع التي تبدو غير ذات قيمة ، والبسمة التي ترتسم على شفتيه والضحكة التي تتفجر وهو يترسم تصرفات وحوارات هذه الشخصية أو تلك، وجها لوجه مع الواقع الصعب وجندي الاحتلال البغيض.

     وسنكتفي بنموذج واحد من قصص محمود شقير لنثبت ما ذهبنا إليه من أنّ محمود شقير فنان قدير في أخذ القارئ مع شخصيات قصصه، يُعايشهم، يتعرّف على همومهم ومشاغلهم اليومية، يضحك معهم، ويحلم حلمهم الكبير كما الصغير، يحلّق في العالم المتخيّل البعيد الذي يهرب اليه البعض من الناس هربا من واقع قاس، وينتكس معهم بالعودة إلى واقع الحياة اليومي حيث جند الاحتلال يُضيّقون عليه سُبل العيش ويحرمونه لذة الحياة.    

      فبنطال نهلة في القصة الأولى "مشية نعومي كامبل" هو الذي يشد انتباه أهل الحي، وفي مقدمتهم والدها تاجر الأعلاف الذي انتبه إلى جسد ابنته المحشور في بنطال أزرق والهاتف النقال على أذنها، وشعرها الطويل الناعم يرفّ على جبينها وكتفيها، وأدّى إلى اعتداء نعمان الهبول المتيم بنهلة على رباح الأزعر الذي لم يستطع أن يلجم نفسه وهو يرى نهلة تميل بردفيها العامرين ذات اليمين وذات الشمال، فعلّق بصوت سمعته نهلة والشبان في الحي قائلاً: "مشية نعومي كامبل ما شاء الله"(ص6). وقام أهل الحي ولم يقعدوا مرددين وصف رباح لنهلة واعتداء نعمان عليه. فغضب والدها للتعرّض المهين لسمعة ابنته، وقرّر الانتقام بمهاجمة رباح بسيارته المارسيدس الجديدة، لكنه لم يرغب بتعريض سيارته لأي أذى فامتشق سيف جدّه المركون على الحائط، اعتلى ظهر فرسه ونادى شباب العائلة، فلبى أربعون منهم، أحدهم طبيب شاب أنهى علومه في إحدى الجامعات التركية، نداء الذود عن الشرف وخرجوا يتحدون أبناء عائلة رباح الأزعر، ولمّا لم يخرج أحد منهم للقتال اكتفى والد نهلة بهذا النصر، وقرر الانسحاب وقد استردّ كرامة وشرف العائلة. ولم يخفف غضب والد نهلة قول شقيقه عبد الباسط إنّ نعومي كامبل هذه ليست الفتاة الإنكليزية سيئة السيرة وإنّما هي نعمة كامل عبد الحي بنت أجير الفران، وزادت ثورته مع ازدياد تعليقات أهل الحي على تصرفات نهلة: "نهلة اليوم طلعت بفستان قصير، نهلة اليوم طلعت ببلوزة تكشف صدرها، نهلة اليوم لابسة بنطلون جينز"(ص11). وشتم في سرّه ابنته نهلة لرفضها الزواج من أحد الشبان الذين تقدّموا لخطبتها وفضّلت مواصلة دراستها الجامعية وعرّضته لهذه المهانة. وغضب لتصرّف نعمان الهبول لأنه بضربه لرباح فضح ابنته في الحي.

     وبفنيّة أخّاذة يشدّنا الكاتب لمتابعة أحداث القصة ونحن ما بين الرغبة في الضحك أو البكاء. فهذا الوالد الذي خرج ممتشقاً سيفه على ظهر فرسه يتبعه أربعون شاباً لسفك دم الذي تعرّض لابنته سرعان ما أصيب بالفزع والخوف واصطكاك الأرجل عندما فاجأته سيارة جيب عسكرية، وتَحمّلَ جرحَ السيف لساقه حتى لا يكتشفَ جنودُ الاحتلال أنه يحملُ سيفاً مما يُعرّضه للاعتقال والمهانة. ويجبرنا الكاتب على الضحك وهو يصف لنا ثورة والد نهلة العاصفة عندما يطلب احضار بنطال نهلة لكي يمزقه بالسيف أمام عيون أبناء القبيلة، كيف يمضي إخوَةُ نهلة الثلاثة نحو غرفتها يبحثون عن بنطالها في خزانة ثيابها وهي منشغلة في الردّ على مكالمة وصلتها للتوّ بكلام عذب خافت، وبضحكات متقطعة. فانتظروا حتى أتمّت المكالمة وطلبوا منها أن تخلع البنطال لأن والدها يريد تمزيقه، فاتّجهت غير مكترثة بالعواقب ودخلت المجلس محدّقة في وجوه الجالسين بقوّة وثقة، فشعر والدها أنّه مكبّل اليدين عاجز، فصاح بابنته: "ابتعدي من هنا ابتعدي"(ص13)، وابتعدت نهلة وعادت إلى غرفتها. خلعت بنطالها ونامت في سريرها. ولم ينم أبوها ورجال العائلة، وفي عدادهم الطبيب الشاب، حتى الصباح.

   فالكاتب جعل من بنطال نهلة قضية القضايا تقسم أهل الحي وتضع الواحدَ في مواجهة الثاني في معركة لا يعرف أيّ منهم إلى أين ستودي بهم، معركة استثيرَت فيها العواطف وتحكمت العاداتُ والمفاهيم الاجتماعية ولم يسلم منها حتى الطبيب المتعلم. والقارئ قد ينتبه إلى نفسه ويتساءل: هل يستحق بنطال نهلة وتعليق رباح الأزعر كلّ هذه الزوبعة الصاخبة من أهل الحيّ!؟ ولماذا يتدخل الآخرون في خصوصيات نهلة، ماذا تلبس وكيف تمشي!؟ وماذا لو شبّه رباح مشيتها بمشية نعومي كامبل التي تبيّن أنهم لم يعرفوا مَن هي؟ وكيف يمكن لشاب درس الطب ويعالج الناس أن يُستَثار كأيّ إنسان ويُشارك في الهجوم لاسترداد الشرف العائلي الموهوم؟

  والسؤال الكبير الذي يسأله القارئ لماذا لم يهتم الناس بحالة الوطن المحتل وبالحصار الذي يُضَيّقه جندُ الاحتلال على الناس من خلال الحواجز المنتشرة والمقّيّدة تحرّكات وحريّة الناس كما رأينا في الحواجز العسكرية الثلاثة التي على نهلة، كغيرها، أن تجتازها يوميا مرتين في ذهابها للجامعة وعودتها منها؟(ص5). ثمّ أيّ شرف يُريد والد نهلة استرداده؟ وأيّة بطولة يُبرزها وهو يُفاجَأ بجند الاحتلال فتصطك ساقاه ويدمي السيفُ ساقَه، هذا السيف الذي بقي مركونا ولم يُواجه به المحتَلَ، ويخافُ أن يراه الجندُ لأنه سيجرّ عليه الاعتقالَ والمَهانة؟

       ويدفعنا محمود شقير للضحك ونحن نتخيل حالة والد نهلة وهو يعتلي صهوةَ فرسه ويُلوّحُ بسيف والده متقدما شباب العائلة، وبينهم الطبيب، مسلحين بالعصيّ وسلاسل الحديد، يُعلنها حربا شعواء على عائلة رباح الأزعر. وحالته وهو أمام جند الاحتلال واصطكاك ساقيه والفَزع الذي يتحكّم به، ثم وهو في ارتباكه وخجله أمام ابنته نهلة وهي تدخل عليه المجلس بكل ثقة وقوّة فلا يجد ما يقوله لها غير: ابتعدي .. ابتعدي.

     محمود شقير، كما في معظم قصصه التي نشرها، هكذا أيضا في قصص هذه المجموعة، لا يأخذ دور الراوي المُشارك في صُنع الأحداث وتطوّرها، وإنّما يأتي بالراوي العليم ليقوم بدور القَصّ بضمير الغائب، بينما هو ينزوي وراء الراوي، مُعطيا لنفسه الحريّةَ في التنقل ما بين الشخصيات، وفي تناولها وتحليلها وإبراز سلبياتها وإيجابياتها، وقول رأيه بصراحة في مختلف المواقف والقضايا. وحتى في القصص الأربع التي اختار أن يكون أحد أشخاصها والراوي لها بضمير المتكّلم، نراه في اثنتين منها: "وليمة رامسفيلد" و "عزلة رامبو" يتّخذ موقف المشاهد الرّاصد للآخرين غير المُشارك في صنع الأحداث. وفي قصّتي "ما بعد صورة شاكيرا" و "ابنة خالتي كوندليزا" رغم أنّه كان الشخصية الرئيسيّة في القصة، إلاّ أنّ اهتمامَه تركّزَ في الوصف والتحليل والمُتابعة للشخصيّات الأخرى. 

     وممّا يسترعي انتباه القارئ اهتمام الكاتب، في قصصه الأخيرة، باختيار شخصيات مشهورة ومعروفة على المستوى العالمي مثل رامسفيلد وزير الحربية الأمريكي وكوندوليزا وزيرة الخارجية الأمريكية واللاعب الرياضي الشهير رونالدو والشخصية السينمائية رامبو وعارضة الأزياء نعومي كامبل والمغنية شاكيرا لتكون أبطالا لقصصه، وبذلك جرّد هذه الشخصيّات من الهالة التي تحجبها عن الناس العاديين وقدّمها شخصّات عادية لها سلبياتها وإيجابياتها. كما اختار برنامج ستار أكاديمي الذي يعرضه التلفزيون اللبناني ليكون محور إحدى القصص، وذاك ليُبرز مدى تأثير مثل هذه البرامج الترفيهية التي تبثها الفضائيات العربية على جيل الشباب، وإمكانيّة توظيفها لخدمة قضايا التوعية القومية، إضافة إلى الترفيه والتسلية.

    وبهذا الاختيار المركّز قصد محمود شقير أن يخلق واقعا غريبا، أبطاله شخصيات تتردّد أسماؤها على ألسنة الناس العاديين، أسماء يخاف الناس أصحابَها مثل رامسفيلد وكوندوليزا، أو يتمنون رؤيتَها والتحدّث إليها مثل رونالدو ونعومي كامبل وشاكيرا، وأخرى يتمنون لو يكونون مثلها ليُغيّروا الواقع المعيش مثل شخصية رامبو.

 

فنيّة بدايات القصص  

قد تكون البداية هي الأكثر إحراجا لكاتب القصة، لأنها التي ستقرّرُ علاقةَ النص بالقارئ وإلى أيّ مدى بإمكانها أن تشدّه وتدفعَه ليُتابعَ القراءة، كما أن بداية القصّة هي التي ستُحدّد أسلوبَ وشكلَ القصة، وأحيانا نهايتَها. وفي كثير من الحالات الشخصيات وما تتميّز به من سلوكيات ومواصفات.

وبدايات قصص محمود شقير هي نموذج لهذه القدرة للبداية في تحديد وتوجيه شخصيات وأحداث   القصة. تبدأ قصة "مشية نعومي كامبل" بِـِ "رآها أبوها وهي تجتاز البوابة الكبيرة عائدة من الجامعة إلى البيت، جسدها محشور في بنطال أزرق، والهاتف النقّال على أذنها تتلقى مكالمة جاءتها للتوّ، كما يبدو، وشعرها الناعم يرف على جبينها وكتفيها ولم يعرف إلاّ بعد وقت قصير أن بنطالها خلق مشكلة في الحي"(ص5). وهكذا نجد القارئ يُشَدّ لشخصية نهلة الجذابة المثيرة، ويعرف أنها فتاة متحرّرة تمتلك حريتها ولا تعير الآخرين اهتمامها. ويتوقع أن مثل نهلة لا بدّ وستكون محورَ اهتمام الناس ودافعا لتفجيرات أحداث غير مسبوقة، فيتشوّق لمعرفة المَزيد عنها وماذا سيكون من أمرها في علاقتها مع والدها والناس.

ويبدأ قصة "ما بعد صورة شاكيرا" بـِ "حينما نشرتُ "صورة شاكيرا" في صحيفة عربية تصدر في إحدى العواصم الأوروبية، لم أتوقّع أن يكون للقصة ما بعدها. غير أنّ الوقائع كذّبتني ، وبدا أنه لا بدّ لي من تقبّل كل ما له علاقة بما بعد صورة شاكيرا"(ص14). فالقصة كما يقول قد نُشِرَت في صحيفة تصدر في أوروبا ولم تُثِر ضجّة أمّا وقد قرّر إعادة نشرها في صحيفة عربية محلية فالأمر يختلف، هذا ما يوحي به للقارئ، وبالفعل يشد بالقارئ ليُُتابع أخبار القصة وما سيحدث لصاحبها بعد نشرها. وهكذا من البداية نتوقع المتاعب التي سيواجهها الكاتب وحالات التوتر التي سيعيشها وتَلاحق الأحداث وسرعتها وتغيّراتها المفاجئة.

أما قصة "وليمة رامسفيلد" فبدايتها تضعنا أمام شخصية متوترة مُقدِمَة على عمل كبير غير متوّقَع مما يجعلها غير مستقرة  ومُستَغربَة من الناس وتنبئ بنهاية صعبة لصاحبها "استقيظ عمي الكبير من نومه قبل طلوع الفجر، وراح يستعدّ للوليمة المنتظرة، يبدو أنه لم ينم طوال الليل، أو أنه نام وهو يحلم بالوليمة" (ص33). ومثل قصة "ابنة خالتي كوندوليزا" التي توَضّح لنا مقدمتها أنه مُعرّض لمضايقات ابنة خالته "لا أحبّ ابنة خالتي، لا أحبّها لأنها شرّانيّة، ولها عينان حادّتان لا أطيق التحديق فيهما، ثمّ إنني متزوّج وعلاقتي بزوجتي أحلى من السمن على العسل وأمي الحاجة مرجانة، ترغب في إيجاد زوج لمثيلة" فابنة خالته كما يبدو ستحدد مسيرته وتلاحقه وقد تهدم حياته الزوجية وتُعيّشه في قلق دائم.

     ولا تشذ باقي مقدمات قصص المجموعة عن التي استحضرناها في قوتها ونجاحها في شدّ القارئ ودفعه لمتابعة القراءة ومن ثم في تأثيرها على تَحديد مواصفة الشخصية ورسم شكلها وسلوكها وحتى لغتها. "فمردخاي شخص بسيط" هكذا يُحدّد شخصية مردخاي من الكلمات الأولى للقصة التي تتأكّد مع استمرارنا في قراءة باقي أجزاء القصة. فبساطة مردخاي صفة ملازمة له لا يُمكنه التخلّص منها، وقد تأكّد ذلك عندما فشل في مواجهة تحدّي الشباب الفلسطينيين له على الحاجز وانزوائه مع نفسه والقبول بضعفه "شاربا مردخاي وقطط زوجته". و "كاظم علي حزين هذا الصباح لأن بعض الأمور لا تجري على النحو الذي يُريده" فحزن كاظم محصور في هذا الصباح فقط والسبب واضح، عدم سير الأمور على النحو الذي يُريده. وقد يستمرّ حزنه لفترة أطول وقد ينتهي مع نهاية اليوم. "مقعد بابلو عبد الله". وبطل قصة "ابنة خالتي كوندوليزا" يُعلن في مستهل كلامه أنه لا يُحب ابنة خالته، وهذا موقف ثابت يُحاول تأكيده وتعليله وإن كان في النهاية يسقط بين يديها مدفوعا برغبة داخلية تراكمت وتزايدت مع الأيام.    

     ونجد أنّ مقدمات القصص تتوزّع على مجموعتين: الأولى تبدأ بجمل فعلية ، والثانية بجمل إسمية. وأن القصص التي تبدأ بجملة فعلية تتسم بالحركة وتوالي الأحداث، وبشخصيات دينامية مثيرة لا تعرف الهدوء، تتلاقى وتتصادم وتختلف وتبتعد وهكذا دواليك كما في قصّة "مشية نعومي كامبل". بينما القصص التي تبدأ بجمل اسمية تتسم بروتانية الحياة وانسجامها وبطء حركتها ، وحتى شخصيّاتها تتصف بقوقعتها في سلوكياتها وعلاقاتها وحتى تفكيرها. "فمردخاي شخص بسيط، يوجد مثله عشرات الآلاف في تل أبيب، يحبّ أن يعيش حياة سهلة مريحة، لا ينغّص على أحد ولا ينغّص عليه أحد، ولذلك ظلّ مردخاي محبوبا من جيرانه"(شاربا مردخاي وقطط زوجته ص22)، وحتى بعد محاولته كسر روتين حياته والمساهمة في العمل العام كمواطن يتحمّل المسؤولية وتجنّده للخدمة على الحاجز ومضايقته للفلسطينيين، لم ينجح ، بتأثير تكوينه النفسي الراغب في الهدوء والاستقرار والراحة، في مواجهة تَحدّي الشباب الفلسطيني ومنع مضايقاتهم له ممّا دفعه للتراجع وحلق شاربه ومن ثم التعامل بانسانية أكثر . وكاظم علي في قصة "مقعد بابلو عبد الله" حزين هذا الصباح، لأن بعض الأمور لا تجري على النحو الذي يريده"(ص94)، وهو لا يوحي بأي رغبة لتغيير نمط حياته ولا جديد نتوقعه منه ولا يقوم هو بمثل هذا التغيير، حتى أنّه يمنع زوجته وصديقاتها من أيّ محاولة أو حتى مجرّد التفكير بالتغيير من نمط الحياة ومفاهيم المجتمع.

     والبداية تُحدد شكل باقي فقرات القصة ، فإذا بدأت القصة بجملة اسمية نجد أن كل أو معظم فقرات القصة اللاحقة تبدأ بجملة اسمية ، فقصة "شاربا مردخاي وقطط زوجته" كانت بدايتها بـ"مردخاي شخص بسيط ..." ونجد أن ثلاث عشرة فقرة من القصة تبدأ نفس البداية (مردخاي تهيّأ، مردخاي وستيلا يجلسان، مردخاي يملك أسبابا كافية، مردخاي يتوقف عن تناول الطعام، مردخاي لبس البدلة، مردخاي تلفظ بكلماته ، مردخاي أيضا لا يريد، مردخاي طلب من المرأة، مردخاي شعر أنه بحاجة، مردخاي صار يأتي، مردخاي شعر أنه أمام مفترق طرق، مردخاي دخل في مفاوضات، مردخاي جاء ذات صباح". بينما باقي الفقرات بدأت بـِ " قطط ستيلا تقفز، ستيلا شجعته، الأمر ليس بيد مردخاي، الضجيج ازداد، الفلسطينيون انقسموا، ستيلا استقبلت مردخاي" أما الفقرات التي ابتدأت بالجمل الفعلية فكانت محدودة وقليلة.

     وهذا صحيح في قصة "مقعد بابلو عبد الله"(ص94) التي تحوي ثلاث عشرة فقرة منها إحدى عشرة فقرة بدأت بالإسم "كاظم علي حزين، أهل الحي أنشدوا، بعض أهل الحي شكّوا، تساؤلات أخرى، كاظم علي اعتقد، نوال أصبحت، كاظم علي يعود، اسم رونالدو عاد، كاظم علي لم يحتمل، كاظم علي عاد إلى البيت، النساء الأربع لم يتفوهن"

     حتى القصص التي بدأها بظرف طغت على باقي فقراتها البدايات الاسمية مثل قصة " هاجس الفانتوم أيضا"  التي بدأها بـ "مساء رائق في الظاهر على الأقل، وعبد الحميد يتأمّل الحيّ المكتَظ من على سطح بيته"(ص52) فقد جاءت الفقرات الأخرى على النحو التالي: "فطومة تنهض عن كرسيها، فطومة تراقب زوجها بحذر، فطومة متمددة على طولها في البانيو، غير معقول كل يوم تقع جرائم، فطومة عادت إلى التدخل النشيط، ذات صباح فوجئ عبد السميع، عبد السميع لرغبة الجار" بينما كان عدد الفقرات التي تبدأ بالفعل ست جمل فقط.

     أمّا القصص التي ابتدأها بالفعل فقد انسحب ذلك على معظم باقي فقرات القصة، ففي قصة "مشية نعومي كامبل" عشر فقرات تبدأ بالفعل بينما ست فقرات بدأت بالاسم. وفي قصة "وليمة رامسفيلد"(ص33) ثلاث عشرة فقرة تبدأ بالفعل وفقرتان بالاسم وواحدة بظرف. وقصة "الأستاذ مهيوب يتطلع إلى جائزة نوبل"(ص42) ثلاث عشرة فقرة تبدا بالفعل وثلاث بالاسم. وفي قصة "جدار أكاديمي"(ص85) عشر فقرات بدأت بالفعل وواحدة باسم إشارة. وهذا صحيح في باقي القصص. ويبدو أن الكاتب إذا ما بدأ القصّة بالأسم أو بالفعل ينساق في الفقرات اللاحقة إلى نفس البدايات إلى أن ينتبه ويغيّر نهجَه.

جماليّة نهايات القصص

      كما في البدايات هكذا اهتم محمود شقير بنهايات قصصه التي جاءت في بعضها لتعود بالقارئ إلى بداية القصة مؤكدة ما أوحت ووعدت به هذه البداية كما في قصة "مشية نعومي كامبل" فنهلة التي أثارت شباب الحيّ وحتى والدها منذ البداية بجسدها المثير ومشيتها الأخاذه وثيابها المنتقاة، تركتهم في نهاية القصة وهم تحت تأثير سحرها في حالة من القلق حيث ابتعدت عنهم "وعادت إلى غرفتها، خلعت بنطالها ونامت في سريرها، ولم ينم أبوها ورجال العائلة، وفي عدادهم الطبيب الشاب، حتى الصباح"(ص13)

    كذلك الفَزع الذي سيطر على عبد السميع من بداية قصة "هاجس الفانتوم أيضا" وعلى عبد الودود في قصة "خلاف على ملح الطعالم" لم يخفّ أو يتراجع مع تطوّر الأحداث، بل نراه يزداد ويتأكّدُ حتى يصل إلى درجة الهَلوَسة.

    والمفاجاة في قصّة "عزلة رامبو" التي أثارت الحيّ والغرابة نتيجة مجيء رامبو للإقامة بينهم والعيش معهم لم تختلف عن المفاجأة التي اختفى بها رامبو في نهاية القصّة وعن الغرابة التي خلّفها وراءه والتساؤل وحتى التشكيك في مدى حدوث كلّ القصّة أصلا.

      وكما ابتدأ قصة "جدار أكاديمي" بمنع السلطات الاسرائيلية لرأفت من السفر إلى بيروت للإلتحاق ببرنامج ستار أكاديمي، مُبرزا تَعسّف سلطات الاحتلال في تعاملها مع رغبات الشباب الفلسطيني وحريّتهم في التنقّل، هكذا أنهى القصّة بقَتل جنود الاحتلال لرأفت أثناء مظاهرة احتجاج ضدّ الجدار، هذا القتل الذي أصبح مشهدا عاديّا على شاشات التلفاز ، ولا يُثيرُ أحدا في العالم.

   وفي قصة "مقعد بابلو عبد الله" لم يتخلّص كاظم علي من حزنه الذي عرفناه منذ البداية، والسبب أنّ امنيته لم تتحقق بزيارة رونالدو لاعب الكرة العالمي له، وجاءت النهاية لترسم هذا الحزن المستمر بضرب كاظم علي الكرة ضربة قوية، اجتازت السور وراحت تتدحرج على طول الشارع.(ص 101)

    لكنّ بعض النهايات جاءت مفاجئة للقارئ، منافية لما أوحت به البداية كما في قصّة "ابنة خالتي كوندوليزا" فقد ابتدأ القصة بإعلان موقفه الواضح بأنّه لا يُحبّ ابنة خالته، ووصفها بالشرّانيّة. لكننا نراه في نهاية القصة، بعد أن رأى جسدَها المُثير في المَنام، يذهب إليها في المساء حيث كانت تنتظره وقد ارتدت، احتفالا به، فستانَها الجديد.

    وهناك نهايات كان يتوقعها القارئ لاستحالة تحقيق ما نشرته البداية من آمال كبيرة تمسّك بها أصحابها. فعمّ الراوي في قصة "وليمة رامسفيلد" الذي اعتقد أنّ تلبيةَ رامسفيلد وزير الحربية الأمريكي لدعوته للغذاء ستقويّ مركزه ونفوذه في الحيّ، خابت آماله باتّهامه بمحاولة قتل رامسفيلد ومن ثمّ وضعه في السجن إلى أن ثبتت براءتُه ليعودَ انسانا عاديّا يحكي قصّتَه لكل راغب في الاستماع.

    والأستاذ مهيوب الذي حلم بنيل جائزة نوبل كانت نهايته حزينة حيث اعترضت طريقَه دوريّة عسكريّة وقام الجنود بتفتيشه ورمي الأوراق التي كان يحملها في محفظته بخصوص الجائزة ، فبعثرتها الرياح واضاعت حلمَه بالجائزة.      

   وفي قصة "مقعد بابلو عبد الله" لم يتخلّص كاظم علي من حزنه الذي عرفناه منذ البداية، والسبب أنّ امنيته لم تتحقق بزيارة رونالدو لاعب الكرة العالمي له، وجاءت النهاية لترسم هذا الحزن المستمر بضرب كاظم علي الكرة ضربة قوية، اجتازت السور وراحت تتدحرج على طول الشارع.(ص 101)

الخلاصة

     لم يُفاجئنا محمود شقير في قصصه الأخيرة التي نشرها في آخر مجموعتين بخروجه عن المحليّة في اختيار الهم الاجتماعي أو السياسي أو الوطني كما في قصص مجموعاته الأولى. فقد تغيّرت المعايير والمفاهيم والأزمنة والتعامل مع الأحداث وانفتاح الفرد على العالم ودخول العالم إلى حياة الفرد وتشابك القضايا وتداخل العلاقات واضمحلال الأيديولوجيات وسيادة ثقافة الفضائيّات حيث تراجع أصحاب الفكر العميق والمبدعون والمثقفون الكبار عن مواقعهم المتقدّمة.

    كل هذه التحوّلات والتغيّرات خلطت ما بين الخاص والعام وما بين الأفضل والأسوأ، وبرزت بوضوح في قصص محمود شقير الأخيرة حيث نجح في المزج بين الخاص والعام وبين المحلية والعالمية، ورسم الواقع للإنسان الفلسطيني الذي يُعاني تحت نير الاحتلال من خلال اللاواقع الذي يُغلّف معظم قصصه الأخيرة.

  كما أنّ محمود شقير كان فنانا في بدايات قصصه، فقد نجح في استخدام مختلف المهارات الفنيّة وفي تأكيد مدى علاقة البداية بنجاح القصة وتطوّر أحداثها وأسلوب سردها ولغتها ورسم الشخصيات، وارتباط بداية القصة بنهايتها التي بدت في صورتها المختلفة.

    في قصص هذه المجموعة عاد محمود شقير ليؤكدَ ما نعرفه أنّه المبدع الذي يعرف كيف يستمر في العطاء الجديد الخلاّق. وفي جعلنا نبتسم ونضحك ونحن نمسح الدموع، نُبحر في عُمق جراحنا ومآسينا وواقعنا وكلنا تفاؤل وأمل وثقة بأنّ الغدّ الجميل قادم، وليس ببعيد.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi