سهيل كيوان في مجموعته:تحت سطح الحبر

 د. نـبـيـه القــاسم

       الانسان والمكان والزمان ثلاثة عناصر متشابكة ومتكاملة تُشكّلُ التكوينات الأساسية في العمل القصصي، صغُرَ هذا العملُ وتقلص كلماته أو تمدّد وتوَزّع على مئات الصفحات. فأيّ تحرّك للانسان لا بدّ  وأنْ يكون ضمن حيّز مكانيّ وفي زمن مُحدّد. وتشابكُ وتكاملُ هذه العناصر الثلاثة تؤدي بالضرورة إلى التأثير والتأثر فيما بين بعضها البعض. ولأنّ كلّ عمل قصصي يعتمدُ أساسا على هذه المُكوّنات الثلاثة أو إثنين منها على الأقلّ، فإنّ هذا العمل لا بدّ أن يكون متأثرا، إنْ لم يكن نتاجا طبيعيا لهذه المكونات.

هذا يوصلنا إلى النتيجة المستخلصة وهي: إنّ النتاج القصصي ابن الزمان والمكان اللذين شهدا مولدَه، فجاء أمينا لهما راسما الصورة الأمثل، إمّا بالمباشرة الواضحة أو بالتلميح والترميز واستخدام مختلف الأساليب التي تنبّه القارئ إليهما. ولأنّ لكل مكان خصوصيّته وتميّزه ولكل زمان فرادته وسطوته، ولأنّ الانسان ، المُكوّن الثالث المُتعالق والمُتشابك والمتأثّر والمؤثّر في كلّ من الزمان والمكان، فإنّ لكل إبداع قصصي نكهته الخاصة المُدللة على مكان الحدَث والزمن الذي وقع فيه. فالقصص التي كتبها المبدعون الفلسطينيون في الخمسينات والستينات من القرن العشرين غيرها عن التي كتبوها في السبعينات والثمانينات من القرن نفسه، وهي غير التي كتبوها في التسعينات ويقدمونها في العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين. وهي تختلف مثلا عن القصص التي كتبها المبدع اللبناني في سنوات الحرب الأهلية في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين.

فالقصص الفلسطينية على امتداد أربعة عقود منذ النكبة عام 1948 كانت في معظمها تتمحور في موضوع الصراع العربي الاسرائيلي وتتغنى بالوطن وتنزف حبّا وشوقا للبيت والأرض، وتشكو من الغربة والتغريب، وتتعلق بالأمل وتحضن الحلم. وقليلة هي القصص الجيّدة للمبدعين الحقيقيين التي خرجت عن هذا الإطار.

وطالما أنّ لكلّ زمان ومكان إبداعاته ولكلّ جيل خصوصيّاته فإنّ جيلَ التسعينيات من أدبائنا المحليين كانوا ظاهرة غريبة في حقل أدبنا المحلي الذي اعتدناه، ورَفَضْنا لفترة تقبّل الذي يكتبونه مُعَلّلين رفضَنا بخروجهم على كلّ المَفاهيم والقواعد التي آمنا بها وعملنا على صَونها.

وإذا كان مُعظم النتاجُ الشعري لأبناء هذا الجيل لا يزالُ ضمن مُحرّماتنا ورفضنا، مع الاعتراف بوجود المُبدعين المُميّزين منهم، فإنّ القصة القصيرة تتألقُ وتتطوّر وتشقّ سبُلا لم تعرفها من قبل، إذا كان ذلك في الطريقة التي تُكتَبُ بها أو المواضيع التي تطرحها أو الرؤية الدافعة بكاتبها.

وقصصُ سهيل كيوان في مجموعته "تحت سطح الحبر" نموذج لهذا المَنحى الجديد في قصتنا المحلية. فالثماني عشرة قصّة التي تضمّها المجموعة تتناولُ مواضيعَ خاصة وهموما ذاتية تبدو لا أهميّة لها إذا ما قارنّاها مع قضايا وهموم قصص الثمانينات والسبعينات والستينات من القرن العشرين، لكن القارئ سرعان ما يجدُ نفسَه مدفوعا إليها ومشدودا لطروحاتها ومُندمجا بهمومها التي سرعان ما يكتشفُ أنّها همومُه التي كان يتسترُ عليها ويخجلُ من التصريح بها أمام القضايا والهموم الكبرى التي كانت تسحبُ الجميعَ في تيّارها.

تبدو الهمومُ الاجتماعية والاجتماعية الذاتية هي الأكثر بارزة في قصص المجموعة تليها القضايا النسوية وعلاقة الرجل بالمرأة بينما تتوارى القضايا السياسية وتُطرَح فقط في ثلاث قصص بصوت منخفض هادئ بعيد عن الإثارة والتحريض.  

عناوين القصص

نقول في مثلنا الشعبي: "المكتوب يُقرأ من عنوانه" و نقول: "اسم على مسمّى" وهذا يَدلّ على أهميّة العنوان ومركزيّته في فتح أغوار النص والدخول إلى كنوزه، وهو عنصر أساسي في تشكّل  الحبكة. فالعنوان يخلق التوقّعات عند القارئ ويُدخله في حالة تحقيق الوعود المتوقّعة. وقد تكون هذه التي تتحقق بالفعل ، أو قد تكون التطوّرات والنتائج مناقضة للمُتوقع ومُعاكسة للمأمول فيدخل القارئ في حالة من المفارقة اللامتوقّعة.

عناوين قصص مجموعة سهيل كيوان تندرج في خانة البَيْن بَيْن فهي تلامس النص إلى حدّ ما قد يقترب كثيرا مثل في قصة "رغم سذاجتك" حيث يُلقي لنا الضوء على ما سينتهي إليه سعي البطل لإظهار زيف وخداع المسؤولين في البلدية ونهبهم للأموال. وكما في قصة ""ترانسفير" التي رغم إيحاءاتها وأبعادها السياسية إلاّ أنّها تهيئ القارئ  لحالة تعاطف وانحياز إلى جانب القطة المُبعّدة عن بيتها. وهذا صحيح بالنسبة للعنوان "فندق نجومه نحس" حيث يتوقع القارئ أن لا تتم ليلة المبيت في الفندق على خير. بينما نجد العنوان في قصة "زفاف شاعرة" يجعل القارئ يذهب مع خياله للبعيد، ويتصور بطلة القصة شاعرة رقيقة تخوض تجربة جديدة طالما حلمت بها وانتظرتها  فيستحضر الليل الهادئ الجميل والموسيقى الأخاذة ولحظات الحب الدافئة، فتكون النتيجة مفاجئة بانفجار الخلاف بين الزوجين في ليلتهما الأولى حول مدى تقدير الزوج الناقد لشعرها وشاعريتها. ومثل هذا نجده في عنوان قصة "رحلة صيد" حيث تكون النهاية بأن يكون الصياد هو الصيد والضحية الضعيفة الطالبة العفو والغفران. وكذلك عنوان قصة "الضيف" حيث يفاجئنا في نهاية القصة بأنه لا ضيف هناك وإنما الرجل الزوج هو نفسه الضيف حيث مَثل دَوْرَ الضيف ليضمنَ أن تقوم زوجته بإعداد الطعام له في الساعة المتأخرة من الليل.

وقد يشكل العنوان حالة خاصة يُدلّ على قيمة الكلمة وأبعادها مثل عنوان قصة "تحت سطح البحر" حيث تأخذنا الدلالات إلى تصوّر الحبر الذي تتكوّن منه الكلمات بَحرا واسعا عميقا يخفي المعاني والدلالات والأبعاد تماما كما البحر وما يخفي في أعماقه من عوالم وأسرار وكنوز.

ونجد عنوان قصة "عَولمَة" مُثيرا ومُستفزا لتتبّع ما يُخفي، فإذا بنا أمام مُسلسل سوريالي غريب متتابع الحلقات الغريبة التي نجح الكاتب من خلال رَصْدها وتتبّعها أنْ يجعلنا نضحك بصوت عال على هذه الشعارات الرنّانة الحَداثية التي يحلو لنا التّغني بها. بينما نجده في عنوان قصة "لكل مقام حذاء" ينبهنا إلى حالات يواجهها كلّ منا في موقف ما في حياته حيث يجد نفسه في حالة غير متوافقة مع حذائه الذي ينتعله فيتضايق ويختل توازنه.       

بدايات القصص

تشكل البداية في كل قصّة عنصرا مهما في النجاح أو الفشل، لأنّ البداية، بعد العنوان، هي خطّ الجَذب الأول الذي يُمسك بالقارئ. قد تتغيّر البدايات، وتتباين وتتنوّع وتتفاوت بين قصص هذا الكاتب أو ذاك ، وحتى بين قصّة وأخرى للكاتب نفسه، لكن الأساس يظل في قدرة الكاتب على ابتكار البداية التي تستحوذ على القارئ وتُبقي عليه، وتُثير فيه الرغبة لمواصلة تطوّر الحَدَث.

بدايات قصص سهيل كيوان متجانسة في هدوئها وطرحها وتقديمها، وفي قدرتها على اجتذاب القارئ بسحر خفيّ مُتدَرّج ليجدَ نفسَه وسط حدَث أو أحداث لا يُمكنه الفكاك منها وتجاهلها وانّما تدفعه للمُتابعة والزيادة في معرفة ما ستكون عليه النهاية، وفقط بداية قصة "ترانسفير" كانت مختلفة حيث يواجه القارئ، من الكلمات الأولى، بتازّم ومُشادّة وتحَدّ ووضع لا يحتملُ الانتظار وإنّما يستدعي الحلّ السريعَ، وتجعلُ القارئ يتساءلُ عن ماهيّة المشكلة؟ ولماذا هذا التحدي والرغبة في الحَسم السّريع؟ ومَن هي كنفوشة هذه التي أثارت ربّة البيت إلى هذه الدرجة وماذا فعلت؟ وكيف ستتطوّر الأحداث؟ بينما نجد بداية قصة "رغم سذاجتك" تُدخل القارئ من الكلمات الأولى في حالة عاطفيّة مثيرة تأخذ به إلى توقعات قريبة منَ الحبّ والعشق والجنس، ولكنها سرعانَ ما تتكشفُ عن حلم قصير لذيذ انتهى وعاد به إلى واقع اجتماعيّ يُعانيه كبقيّة الناس.  

 وهذا الحلم الجميل نفسه استعادَه الكاتب في قصة "نداء الجنيّة" لكنه سُرعان ما تحوّل إلى كابوس رهيب مخيف.

بدايات قصص المجموعة، كما العناوين، مصيدة نجح بها الكاتب في أنْ يُدخلَ القارئ في شِباك قَبِلَ تحَكّمَها به فاستأنسَ وتابعَ تطوّر الأحداث، ورافق الشخصيات في كلّ مراحل تنقلاتهم. بدايات عاديّة تنقل حالة طبيعية تمسك القارئ بسذاجتها وعفويّتها لكنها تنجح في جَرّه إلى خضَمّ المشكلة التي تعالجُها القصة والشخصيات، ويجد نفسه طرفا أساسيا في صنع الأحداث إلى جانب أبطال القصة.

نهايات القصص

تعدّدت الدراسات حول النهاية في القصة، وطُرحت العديد من الآراء والنماذج، لكن الحقيقة تظل أنّ لا تحديد ولا نموذج ولا شيء يكون الضامن السحري لنهاية أيّ قصة، وأنما تظل تلك القدرة الذاتية والموهبة المتفردة هي الأساس وما عداها يكون التوابل المُطيّبة والمُحسّنة. وهذا لا ينفي أنّ الدراسة المتعمّقة والقراءة للنماذج العديدة وخوض التجارب واكتساب المعرفة هي أساس مهم في تكوين الكاتب وبلورة وصقل تجربته الإبداعيّة بما في ذلك قدرته على صوغ بداية القصة ونهايتها. 

وسهيل كيوان في قصصه هذه نجح في معظم نهايات قصصه كما في بداياتها أن لا يدع القارئ ينفض يديه من القصة التي قرأها وإنما أسَرَه في همومها التي طرحتها وشدّه إلى سرّ سبكها وقيّده في شباكها التي يصعب عليه الفكاك منها سريعا.

ففي بداية القصة الأولى فاتح القارئ بحسناء عارية مغناج، لكنها سرعان ما توارت أمام هموم الحياة اليومية وتعقداتها وإن ظل طيفها من خلال "عامرة الصدر" يروح ويجيء  حتى تكون النهاية ويأتيه صوتها الأنثوي المغناج لتؤكد له أنها تحبّه رغم سذاجته (ص13) فتعيده إلى جوّ الحبّ الأوّّل، والعشق والخيال والأحلام، مُخرجة إيّاه من حالات الانكسار والفشل والحزن.

وقصّة "تحت سطح الحبر" بدأها بجواب على سؤال والده : ماذا تكتب؟ مجيبا: لا شيء.(ص 17) لكن اللاشيء هذه كانت تختفي تحتها الأسرار والتحرّكات التي كانت تتفاعل في داخله وأراد التستر عليها، مدركا من حيث لا يَعي ذلك يومها، أنّ ما نُخفيه وراء كلماتنا التي نقولها أو نكتبها هو الأساس. وهذا ما أنهى به قصته مُدلّلا على أنّ " أهميّة ما لا يكتب بقدر أهميّة ما يكتب! كلمات كانت ترفع تنورتها فوق الركبة وتكشف كشحها صارت متجلببة وتغض طرفَها حياء! رقابات لا عين رأت ولا أذن سمعت، لبعضها أنياب مزرقّة تمزق لحم الكلمات، وأخرى ترمي فستقها وتوتها لنص أسير في قفص من ذهب! هكذا تعلّم البحث عن المستور تحت سطح الحبر، وفي تلال الأصداف الفارغة عن هديّة تسدّ رمق روحه الساغبة!." (ص19-20)

وهناك قصص كانت نهايتها مرتدة للبداية لتؤكد أنّ لا شيء يحرف الرغبة الانسانية مهما كُبّلت عن انطلاقها وارتدادها كما في قصة "ريمة الدراجة" التي كبتت في داخلها انجرافَها اللامعقول نحو رُكوب الدراجة التي كانت حلمَها في صغرها وحُرمَت منها بعد زواجها، فما كاد القيد ينكسر بموت زوجها حتى عافت كل ما لديها وسارعت لتعتلي الدراجة من جديد وتنطلق حرّة كذلك الطائر الذي يقف ثابتا في الفضاء متزاوجا مع رياح الآفاق الشاهقة.(ص 61)

وقصص أخرى كانت نهاياتها بعيدة عن التصوّر، ولكنها جاءت ناجحة جدا تعطي للقصة خاصيّتها وجمالها مثل قصة " لكل مقام حذاء" حيث لم يتوقع أحد هذه النهاية الاحتفالية الجماهيرية . وأيضا  قصة "ترانسفير" حيث كان التوقع أن تكون النهاية بتشريد كنفوشة وأولادها وانقطاع كل علاقة مع الأسرة لكن الذي حدث، رغم المعاناة وموت إحدى القطتين الصغيرتين، أن كانت النهاية سعيدة وقبلت الأم بكنفوشة واحتضنتها.(ص46)

نهايات معظم قصص المجموعة جاءت على غير ما يتوقعها القارئ. وفي بعضها جاءت بعيدة جدا عن محور الفكرة التي طُرِحَتْ. فمثلا قصة "نرانسفير" عرضت قضيّة إبعاد الواحد عن بيته وأرضه وأهله مع كل ما يُرافق  هذا العمل من قسوة وظلم وتعدّ، لكننا نجد النهاية تأتي لترسم لنا مشهد الوئام والتفاهم واالمحبّة الذي يسود بين جميع أفراد الأسرة. ونهاية قصة رحلة صيد كانت بموت الصغير الذي أراد صيد حمامة جارهم فكان الموت نهايته. ونهاية قصة "فندق نجومه نحس" كان يرجوها أن تكون نهاية حب ودفء فانتهت باستحضار الأموات ومجالستهم.

هموم إنسانيّة

الأدب هو المرآة للذات الانسانية. مقولة طالما رددها الكثيرون ولا تزال تُردّد لما تتضمنه من حقيقة وصدق. والانسان قد تشغله الهموم الكبرى والقضايا العامّة، ولكنه إذا ما جلس مع نفسه سرعان ما ترتدّ إليه همومُه الخاصة فتكون شاغلته الكبرى وهاجسَه الكبير وخاصيّته وحده. وسهيل كيوان في بعض قصص مجموعته هذه تعرّض لبعض هذه الحالات الانسانية ومشاغل الذات، وأضاء جوانب من حالات النفس البشرية بإدراكه أنّ الطبيعة البشرية نفسُها تفرض مَسيرةَ حياة الانسان مُعرّية إيّاه أمام زيف نفسه التي يُحاول التسترَ عليها وخداع الآخرين بإظهار تمسكه بالعادات والتقاليد التي يفرضها المجتمع كما تبدو في قصة "الشيب" حيث تبدأ بمشهد استنكاري لرجل يُقارب الخمسين من عمره يُغازل امرأة متزوجة في الأربعين من عمرها، وكيف يعلّق رجل آخر على تصرّفه قائلا لزميل له: "أنظر هذا الوسخ، إنّه لا يستحي على شيبته، بناته صرن صبايا وابنه صار طوله"، ويقرّر "إنّهما لا يستحقان سوى الموت"(ص31)  وتمرّ الأيام ويصل الشاب الصغير الذي كان في الثامنة عشرة يوم استنكر ورفض حبّ العاشقين إلى سن الخمسين ووجد نفسه منساقا في قصّة حب عنيفة مع امرأة متزوجة في الأربعين من عمرها. ومن حيث لا يدري تخيّل وكأنّ هناك مَن يُراقبه ويستنكر عمله ويُصدر حكمَه عليه: " ألا يخجل هذا الرجل من شيبته! لقد صار ابنه طوله! إنه لا يستحقّ سوى الموت." (ص33). فمن هذه النهاية / البداية أراد الكاتب أن يُؤكد أنّ الطبيعة البشرية لا تغيّرها السنوات وأن الحبّ لا يحدّه طول العمر، والعواطف لا تخمدها وتعطّلها همومُ الحياة.

وهذا ما عرضه في قصة "عشب" وقصة "أبو حسن بدون غانيات حزينات ولاجميلات نائمات".

ويعرض في قصة "تحت سطح الحبر" قضيّة القضايا عند كلّ مُبدع، وما يُواجهه من رفض وعَنَت في بداية طريقه الإبداعية، ثم ما يكون من حظّه من معاناة  باتهامات الآخرين له والشك بالكثير من الذي يطرح، وكيف تلاحقه العيون المتابعة، القريبة منها والبعيدة. فوالده هزئ به في بداية طريقه: "لن تصبح شاعرا". ثم أخذ يضع القيود حول ما يجوز له أن يقول: "دعك من هذا! إنه لا يليق بك." ثم كانت الرقابة الأصعب من قبل الزوجة المُلاحقة له: هذا ألهمتك به فلانة لا تحاول الانكار" ثم كانت الطامة الكبرى برقابة الأولاد، وهو يحاول التستر والإغراب والمحافظة على الصورة التي رسموها له في مخيلتهم، وهذا كله يستدعي منه مراوغة الكلمات وتغليف المعاني وإرهاق الرقباء في متابعتهم.وهكذا كما يقول: تعلّم البحث عن المستور تحت سطح الحبر، وفي تلال الأصداف عن هديّة تسدّ رمق روحه الساغبة." (ص20) 

وفي قصة "لكل مقام حذاء" ينتبه لهمّ ذاتيّ ومشكلة قد تكون في منتهى الأهمية يتعرّضُ لها الكثيرون في بحثهم عن الحذاء المريح. وكيف قد يكون الحذاء مُسَبّبَ الهمّ الكبير للواحد، ولا يجعله يرتاح إلى مجلس أو يفرح في رحلة أو يهنأ ساعة مناسبة.

 

إشارة مهمة

        ينتبه قارئ قصص المجموعة أنّ سهيل كيوان لم يأت بالجديد اللافت لمبنى قصصه القصيرة وإنما الجديد الجميل أنّه استطاع أن يمزج بين تقليدية المبنى القصصي وحداثيّة الطرح للموضوع أو الفكرة فأدخل المتلقي في حالة إحساس وقبول وشعور بالجديد غير المسبوق في المَزج بين الحالات المختلفة، ممّا تُلقي على العمَل هالة أخّاذة تشدّ إليها، وفي الوقت ذاته تُبهر المُقترب منها. 

فالكاتب استطاع وهو في أتون خلقه لشخصياته أن يستحضر الكلمات والأفكار والشخصيات فأبو العلاء المعري ينتصب بكل جلاله في قوله: "أكمش أصابعي داخلها وأخفف الوطء على رفات العباد."(ص 24) وماركيز وغانياته يتهادين في مخيلة أبي الحسن(ص132) . وغاندي وترانسفيره يعود ليطرق في مسامع القارئ وهو يشهد صراع كنفوشة  للبقاء. (ص 41-43)

كما أن الكاتب نجح في اجتراح بعض التعابير الجميلة الشاعرية والصور ذات الإيحاءات المتعددة مثل: "على شفا حفرة النار استعصت وابتعدت. لاهث بين اللقمة واختها"(ص9). موظفا مسحوبا من مسلسل سوري. حقيبة ذات ملامح خطرة(ص10). "التي هو لباس لها وهي لباس له، تربط بين تراب الواقع ونار النص."(ص18).  "العلاقة بين فراشة الروح ولهب الطين." "ألحت عليه بيضة النص الشائكة. تنزف عواطعه حبرا. كلمات كانت ترفع تنورتها فوق الركبة وتكشف كشحها صارت متجلببة وتغض طرفها حياء" (ص19). صراطا مستقيما إلى فردوس الشهوة وجحيمها"(ص31). "بدأت أنامل النشوة تلامس جسدها .. مثل ذلك الطائر الذي يقف ثابتا في الفضاء متزاوجا مع رياح الآفاق الشاهقة" (ص60-61) "مَن حملته وهنا على وهن."(ص111)

 كلمة أخيرة

يظل الكثير مما يجب أن يقال عن قصص سهيل كيوان في مجموعته "تحت سطح الحبر" لما في هذه القصص مما يستحق التناول والتحليل مثل تلك الأفكار التي عرضها حول موقف الرجل من إبداع المرأة وتشككه في إبداعها وخلقها "قصة زواج شاعرة". وموقف الرجل الرافض لأي علاقة عاطفية  لشقيقته وحتى قريبته.  بينما يجيز لنفسه كل علاقة سنحت."قصة لمَن يرن الهاتف". وغير ذلك. كما أن بعض قصص المجموعة تحتاج إلى تحليل منفرد مفصّل لما فيها من جوانب وتجديدات تستحق ذلك التخصيص.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi