تغريبة أبناء إقرث تغريبتنا كلّنا

 د. نـبـيـه القــاسم

أسأل نفسي في كل مرّة أجلس لأكتب عن أيّ موضوع له علاقة بأبناء قرية إقرث المهجرين:
لماذا تهتز يدي وتضطرب إصبعي وأدخل في حالة سَرْمديّة وأفشل في مهمّتي!

آخر مرّة كانت عندما جلست لأكتب عن العزيز المرحوم شاعرنا عوني سبيت. قد تعود الأسباب إلى سنوات الطفولة المبكرة عندما تعرّفت على زملائي الجدد في المدرسة الابتدائية في قريتي الرامة، الذين كثيرا ما سمعت عن مأساتهم وحزنهم في الأحاديث التي كانت تدور في مجلس والدي وأعمامي. فشدّتني الأحاديث المُثيرة للتقرّب من زملائي هؤلاء لسماع قصّة كل منهم الشبيهة بقصّة الثاني. ومرّت الأيام فكان أستاذي الأحب في المدرسة الابتدائية من إقرث، الأستاذ ذيب عطا الله الذي حبّبني باللغة العربية وشجعني على إتقانها وعلى الإبداع فيها، وكان من أصدقاء والدي المقرّبين. وجيران بيتنا كانوا من أهل إقرث، خاصة جارنا بيت بيت لسنوات الشاعر المرحوم عوني سبيت. وزميل الدراسة والعمر الصديق الدكتور نزيه قسيس، وزميلة الدراسة الابتدائية والثانوية الأخت سهيلة عطا الله، والصديق فوزي ناصر، وزميلي لسنوات طويلة في مدرسة الرامة الثانوية الصديق الأستاذ سهيل عطا الله. وغيرهم كثيرون.

فإقرث كانت ولا تزال حلم وأمل وهدف ومَسعى كل الذين عرفتُ وصادقتُ وزاملتُ وأحببتُ. وستظل شعلة النور والإيحاء، وبلد العزّة والكرامة، وأهلها الأقرب والأعزّ والأحبّ.

كلمة لا بُدّ منها ما يشدّني إلى أبناء وبنات قرية إقرث أنّهم يتميّزون باعتزازهم وبانتمائهم لبلدتهم إقرث، ويتمسكون بهويّتها. فرغم السنوات العجاف الطوال يُجيبك مَن تسأل منهم: من أين الأخ أو الأخت ؟ فيكون الجواب : من قرية إقرث ولكنني أقيم اليوم في

وظلّ اسم إقرث يتردّد ويعلو في سهرات الأفراح التي يُحييها المرحوم عوني سبيت وفي المناسبات الوطنية التي يُشارك فيها. وفي قصائد جهاد سبيت ونزيه قسيس وكلمات نايف خوري وفوزي ناصر وغيرهم.

ولأنّ لإقرث هذه المكانة، ولأهلها هذه المعزّة والمحبّة أراني أتردّد في الكتابة عنها أو عمّا له علاقة بها لخوفي أن لا أفيها حقّها عليّ، فيغضب الجار ويلوم الزميل ويعتب الصديق وينفرُ الحبيب، وأجد نفسي الخاسرَ الوحيد والمذنبَ الكبير.

ورغم ذلك تظلّ إقرث وأهلها في القلب، وأجدني لا أستطيع مقاومة إغراء الكلمات الجميلة الآسرة التي تنقلني إلى مواقع البلدة التي أحبّ، وتروي لي قصة الناس الذين أعزّ. كلمات الصديق العزيز الأستاذ معين سبيت.

تغريبة معين خليل سبيت هي تغريبة أبناء إقرث وشعبنا كلّه

الأستاذ معين سبيت ليس دخيلا على الكلمة الراقية، فقد كان الطالب المتميّز المُتفوّق في كل مراحل تعليمه الابتدائي والثانوي. وكان من الشباب الأوائل الذين ساهموا في العمل المسرحي في مدرسة الرامة حيث قام بأدوار عديدة ومهمّة في الكثير من المسرحيات التي قدّمها طلاب المدرسة في الرامة. وكان من المبادرين لإقامة مسرح الرامة في سنوات الستين والسبعين من القرن الماضي (القرن العشرين)، وخدم شعبه من خلال تدريسه في العديد من المدارس، وإدارته مدرسة الرامة الثانوية الزراعية لعدّة سنوات. وكان ولا يزال من الأسماء الثقافية والاجتماعية التي لها دورها المميّز في حياة قرية الرامة والمنطقة.

وكانت الغصّة التي تُثقل الأستاذ معين، والآهة العميقة التي تُعذّبه، إحساسه بالغبن، وعجزه عن تفجير الغضب، رغبة منه في رعاية أبناء أسرته في واقع لا يرحم فيه الظالم، ولا وجود فيه للعادل.

ولهذا جاءت آهته متأخّرة، حزينة، متألّمة، عاتبة، شاكية، هادئة، مُتّهمة ومُحذّرة من العواقب الوخيمة لكل ظالم وظلم. وشهادة ووثيقة مدعومة بالصور وبالتواريخ المُحدّدة والشّهادت الدّامغة.

تغريبة أبناء إقرث

وكلمة التغريبة تُذكرنا بتغريبة بني هلال، وبكثير من السير الشعبية التي طالما استمعنا إليها في جلسات أهالينا في ليالي الشتاء حول مواقد النار الملتهبة في الأيام الخوالي.

وتغريبة معين سبيت تروي قصة تغريبة أبناء إقرث على يد الجنود الإسرائيليين يوم 8/11/1948 وما سبق هذا اليوم من احتلال القوات اليهودية للبلدة يوم 31/10/1948 وما تلاه من طرد وتهجير وهدم البيوت وتدمير الأرض وفرض واقع مأساوي لا يزال حتى يومنا هذا على كل أبناء قرية إقرث.

وزّع الراوي الشاهد حكايته على ثلاثة فصول غنيّة بالمشاهد العديدة.

في الفصل الأول استعاد ماضي القرية الوادعة الحالمة الجميلة بأهلها الذين عاشوا حياتهم بوداعة وتعاون ومحبّة وأحلام يرسمونها ويعملون على تجسيدها وهم غير منتبهين لما يترصّد بهم في الخفاء.

في الفصل الثاني يتذكر أحداث يوم احتلال القوات اليهودية لبلدته، ثم ذلك الحدث الذي قلبَ حياتهم، وغيّر مجرى حياتهم بترحيلهم عن بلدتهم إلى قرية الرامة.

صرنا بلا أركان

صرنا بلا كيان

صرنا بلا عنوان(ص73)

              ولا يتصوّر أنّه أصبح لاجئا في وطنه:

صرتُ مع الأهل

مع الأقارب

قد صرنا لاجئين

في وطننا

مجرّد أغراب.

               ويتألّم وهو يرى إلى ما آل إليه:

ما أصعب الهوان

ما أصعب الحرمان

ما أكبر المُصاب.(ص75)

 ويتوسّع في سَرد ما حدث، والوعود التي قطعت، وكلّ المحاولات التي جُرّبت للعودة للبلدة وكان مصيرها الفشل.

ولا يغيب عن باله صوت شقيقه الشاعر عوني وهو يتغنّى بإقرث وبساتينها وهضابها وأهلها، أو وهو يتقدم المظاهرات الصاخبة المطالبة بحق أبناء إقرث في العودة إلى بلدتهم، ولكنّ عوني لم يعد، وفارق الحياة قبل أن يُحقّق أمله في العودة. وها هو أيضا يرى أنّ أيامه تمضي، وأن جيلا بعد جيل من أبناء إقرث يرحل ولا يعود، ولا أمل في قرب العودة، فيحزن ويغضب ويتألم ويفزع ويصرخ في مُفتَتح الفصل الثالث:

ستون عاما قد مضت

وفوقها عامان

وإقرث ماثلة أمامنا

في ليلنا في صبحنا

في حَدسنا في حلمنا

في يأسنا في فرحنا

وما يئسنا لحظة

من استعادة حقّنا.(ص101)

ولا يتوسّع في تعذيب نفسه، ونَبش الذكريات، ومحاورة الحاضر، ودغدغة المستقبل، فهو يُدرك أنّه في حالة عجز لا يستطيع تحقيق ما يُريد، فقد نفذ العمر، وهدّه الزمن، وسرقت الأيامُ والسنون شبابَه، وتشتّت الأهل، وتوزّعوا في أماكن عدّة من الوطن، لا يلتقي بعضَهم إلاّ في المناسبات، وفي كل لقاء يفتقدُ بعضَ الوجوه التي كانت، ويرى وجوها شابّة لا يعرفها، ويلتفت إلى نفسه، ويرى قسوة الزمن، لكنه يجيلُ النظر في عشرات ومئات الوجوه الشابّة فيستعيد الثقة ويزهو الأمل ويُعلنها صريحة:

وربّما تُدركنا الآجال

ونحن في الغربة لا نزال

لكننا لن نفقد الآمال

ستخلف الأجيال في طول المدى الأجيال

وتصدق الأقوال

ما ضاع حقّ خلفه مُطالب.(ص104)

 ما يميّز تغريبة معين سبيت هذا الصّدق والعفويّة ورنّة الحزن الدّفين الصارخ من أعماق الأعماق، والخوف من غد فيه لا يكون أمل بتحقيق العودة، وإذا كانت بداية استعادة الماضي بدَت فرحة متفائلة أقرب للمغناة التي تصف الناس الوادعين الحالمين السعداء بواقعهم القانعين بما هم عليه، لا شيء يُعكّر يومَهم، فإنه ينقلنا إلى المأساة التي ألمّت بهم في الفصل الثاني، وكيف غدت حياتهم، وكيف أصبحوا لاجئين في وطنهم يعيشون على وهم وعد لا يتحقّق. معين سبيت يلتزم الكلمة العاديّة الهادئة اليوميّة، لا يشتم ولا يتوعّد، وإنّما يُذكّر بوعد أُعطي ولم يُنفّذ ويُحذّر بهدوء من الآتي.

لم يجهد الأستاذ معين نفسَه ليُقدّم لنا عملا أدبيّا متميّزا من حيث الصور الشعرية أو النثر الإيقاعي الرّاقي، ولم يعمل على اغناء تغريبته بالمشاهد الزّخمة الجماعيّة التي تنقل القارئ إلى أجواء المأساة ومراحل تدحرجاتها إلى حدّ تلاشي الأمل.

معين سبيت قدّم شهادته على الجريمة التي وقعت في حقّ أبناء قرية إقرث، ونجح أن يُثيرَ فينا التّداعيات والغضب والحزن والإصرار على أنّ لا حقّ يضيع ووراؤه مطالب.

وحقّ أهل إقرث في أرض بلدهم حقّ مقدّس، وكلّنا ثقة أنّ يوم العودة سيكون ويعود الأهل إلى أراضيهم ليُعمّروها من جديد، ويومها ستكون فرحتنا وفرحة كلّ الأحبّاء الأقارثة.

 

صحيفة "كل العرب"، ملحق "اليوم السابع"، 5.11.2010

 

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi