مرحباً أخي نبيه!

  بقلم: محمد علي طه

ماذا تتوقع يا نبيه، يا ابن فريد القاسم، أن يحمل كاتب وقاص لناقد يقف له بالمرصاد منذ خمسة وعشرين عاماً يفتش "بسراج وفتيلة" عن عيوبه.. ويشحذ مبضعه ليغير به على هفواته، ويحسب له بالحاسوب "كم كتبَ وماذا أعطى" بدون اعتبار للصداقة و "العيش والملح"؟

          بل ماذا يتوقع ناقد لم يترك قلمه أحداً من الشعراء والقصاصين إلاّ لسعه هنا وقرصه هناك فباتوا "غضبانين زعلانين" لأنه لم يزحزح أبا الطيب عن عرشه ويجلسهم عليه ولأنه لم يطلق الرصاص على تشيخوف وإدريس وهمنغوي ويقول لهم: تفضلوا يا "أوادم"!

          هل حلمت أن تمطرنا بوابل نقدك "وتقول للأعور أعور بعينه"؟ لا تجامل أحداً، ولا تربِّت على كتف أحد، ولا "تمسح جوخاً" لابن أنثى، ونأتي اليوم حاملين باقات الزهور وقوارير العطر وزجاجات الشراب لنرقص ونغني في هذه المناسبة؟

          يقيناً، وأنتَ النبيه، أنك لم تتصور ذلك. لأنك تعرف أنَّ في باطن كلِّ شاعر أو أديب أو فنان مجنوناً صغيراً أو كبيراً يقول "لأناه" أنتَ الواحد الأحد. وأنَّ ما كتبته وأبدعته لم يجئ به الأوائل بل الأواخر أيضاً.

          وأكيداً، وأنتَ النبيه الفريد، تعرف أنَّ أكثر الناس جرياً وراء الشهرة والأعلام هم الشعراء والأدباء والفنانون. يهتمون بكلِّ خبر صغير ويطربون لكلّ مقال فلا عجب أن جاملوا النقاد وصادقوهم ليكتبوا عمَّا يبدعون فإن كتبوا ولم يمدحوا حتى ولو قالوا الحق فالويل لهم من ألسنتهم الطويلة وأقلامهم المسنونة. وإن لم يكتبوا اتهموهم بالتحيّز والانغلاق وأنّ النقد إخواني ومجاملات.

          ولا شك، وأنتَ النبيه الفريد القاسم، تعلم أن النقد الجيد لا يخلق أدباً جيداً في حين أن الأدب الجيد يخلق نقداً جيداً. وقد نختلف في هذا كما اختلفنا في مرّات عديدة.. وكما تناقشنا وتجادلنا في مرَّات عديدة.. ولكن خلافنا ونقاشنا كان حضارياً.

          عرفت نبيه القاسم، الكاتب الناقد عندما نشرَ مقالَه النقديّ الأول في مجلة "الجديد" في أواخر الستينات حول قصتي "عائشة تضع طفلاً حياً يقرأ لكم ما تيسَّرَ من سورة البقرة".

          حينما قرأتُ المقال أدركت أنني أمام ناقد جاد واعد. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم نشرَ نبيه القاسم عشرات المقالات النقدية حولَ نتاجنا الشعري والقصصي والروائي.. وكان وبحق الناقد الوحيد المتابع لحركتنا الأدبية.

          ناقد جاد ومجتهد لا يكل ولا يتعب ولا ييأس ولا يغضب ولا يُجامل ولا يُحابي بل يكتب ما يؤمن به ويفكّر فيه..

          اتهموه ظلماً أنَّه متخصّص بشاعر واحد.. والحقيقة أنه عالج نتاج الشعراء الشباب كما عالج نتاج شعرائنا الكبار.

          واتهموه ظلماً أنه مُتخصِّص بقصص كاتب واحد لكن مراجعة لكتبه النقدية تُثبت بالدَّليل القاطع أنه كتبَ عن جميع القصاصين والروائيين في هذا الوطن الصغير.

          واتهموه.. واتهموه.. بل اتهموا النقد المحلي.. وقالوا: وهل عندنا نقد؟

          إنَّ هذا السؤال ظالم. وإنَّ فيه تجنّياً على حركتنا النقدية. هذه الحركة التي بدأها الكاتب المفكر إميل توما وتابعها بنشاط نبيه القاسم ونعيم عرايدي ومحمود غنايم وأنطوان شلحت، هي حركة نقدية جادة وذات مستوى عالٍ لا يقلّ قيمة عن مستوى الشعر والقصة المحلية.

          لقد قرأت مقالات ودراسات نبيه القاسم النقدية كما قرأت نقد محمد مندور ورجاء النقاش والياغي وفاروق عبد القادر وغيرهم من خيرة النقاد في العالم العربي فوجدتُ أنَّ مقالات ودراسات نبيه القاسم لا تقلُّ عنها قيمة وعمقاً وتوجيهاً.

          فلماذا هذه الحملة الظالمة على نقدنا المحلي؟

          لعلَّ هذا يُعيدني إلى نقطة البداية.. ماذا تتوقع يا نبيه فريد القاسم أن نحملَ لك في مثل هذا اليوم؟

          فكَّرتُ أن أحمل لكَ باقةً من الزهور البرية التي ملأت سفوحَ جبالنا وهضابنا في الفاتح من آذار في هذا اليوم المشرق بعدَ أشهر من الشتاء القاسي.. ثمَّ تراجعتُ قائلاً: سأكونُ كمن يبيع الماء في حارة السقائين، وهل ابن جبل حيدر ينتظر باقة من أزهار البر..

          وفكَّرتُ أن أكتُبَ مقالاً في تقريظ وتقييم كتبك القيّمة فخفت أن أُتَّهم بأنني أدفع "خاوة لك" فتراجعت.. ألسنا في زمن "أخو شليته" كثُرت فيه التُّهم والهمس والهمز واللمز وانهارت فيه قيم واختلطت به أمور حتى أنَّ الناس ما عادوا يميّزون بينَ الصادق والكاذب وبينَ المناضل الحقيقي والذي "قاعد يناضل" ولا بين الوطني الذي يحمل الوطن في قلبه وبينَ مَن يُدلِّل عليه في البورصة.. وصارت هذه العزيزة فلسطين مثل ولادة تعطي قبلتها لمن يشتهيها!

          ولكننا ما خفنا يوماً لومة لائم.. فاسمح لي يا أبا فريد أن أقولَ بكلِّ صدق وهدوء وثقة...

          نبيه القاسم صديق أعتز جداً بصداقته. صريح إلى أبعد حدود الصراحة. صادق مع نفسه ومع أصدقائه كل الصدق. لا يُراعي ولا يُنافق ولا يُجامل. يقول الحق دون مراعاة. بعيد عن الطائفية والعائلية والاقليمية.. لا فرق بينَ حياته وكتابته. هادئ هدوء مياه النهر الفائض.. دمث دماثة الزهر في مطلع النهار.

          ونبيه القاسم ناقد جاد نشيط رافقَ حركتنا الشعرية والنقدية منذ ربع قرن.. بل هو أكثر النقاد والأدباء نشاطاً واجتهاداً ومتابعة.. وهو ناقد احتل مكانته الأصلية المرموقة بجدارة.

          فمزيداً من العطاء يا أبا فريد.. مع أنَّ كتبك الأربعة الأخيرة لا تعود عليك بثمن فستان لرباب!!

 

* ألقى الكاتب محمد علي طه هذه الكلمة في احتفال تكريم الناقد نبيه القاسم الذي أقامته مؤسسة الأسوار في آذار 1992.

نسخة للطباعة

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi