هذه الأمسية الجميلة في جمهوريّة وَرَقْستان

 د. نـبـيـه القــاسم

أعترفُ أنني من مدّة طويلة لم أحظ بمثل هذه الأمسية الحميميّة الأخّاذة التي حضرتُها في بيت الصديق الشاعر تركي عامر لمناسبة تكريم الصديق الشاعر / الكاتب معين حاطوم الذي أصدر في الأيام الماضية ديوانَ شعره المتَميّز والضخم "ديوان العشق والإدراك" و كتاب "كأنْ يكون- في انتظار إبراهيم الخليل".

كان ذلك مساء يوم الجمعة الأخير 8.6.2007 عندما وصلتُ إلى بيت تركي في قرية حرفيش متأخرا نصف ساعة عن موعد بدء الأمسية لأفاجأ بأنّ الحفلَ ابتدأ في الساعة المحدّدة على غير ما تعوّدناه بانتظار نصف ساعة وحتى ساعة ليحضرَ الجمهورُ الكريم، وأنّ أربعةً من المتحدثين قد قَدّموا كلماتهم، فاتخذتُ لي مكانا وانصتُّ للكلمات المتتالية، وإلى الكلمات النقدية القصيرة التي تناولت شعرَ معين حاطوم، خاصة كلمات الشاعر فهيم أبو ركن والكاتبة راوية بربارة لما تميّزتا بالعُمق والجديّة واللغة الأدبية الرّاقية مع الإيجاز. ، وشَدّتني خفّةُ دم صاحب المبادرة والمضيف الشاعر تركي عامر الذي أعلن عن قيام جمهورية "ورقستان" ونصّبَ نفسه، على طريقة حكامنا العرب، رئيسا للجمهوريّة، مُؤكدا أنّ الرئاسة ستنتقلُ من بَعده لابنه ووليّ عهده المحروس "حسن"، ثمّ وهو يلقي نصّ البرقيات التي تصل مُحَيّية الأمسية والمُحْتَفى به مُضيفا نكتة هنا وطُرفَة هناك مُطّعّماً إيّاها بالحَذلقات والتركيبات اللغوية التي يتميّز تركي بها.

ما ميّز الأمسية وأعطاها نكهةً خاصة عشراتُ الحضور من الكُتّاب والشعراء الشباب والشابات وعدد من محبّي الأدب الذين اجتمعوا على حُبّ الكلمة وتَقديسها، وذلك وضَحَ في متابعاتهم لكلّ كلمة تُنْطَق، وفي الحوارات الثنائية والثلاثية والرباعية التي كانت تدور أثناء تناول الطعام، وفي المُشاركة الواسعة للعَديد في إلقاء الشعر والنّثر الجميل، والتي فاتني الكثير منها بسبب التزامي بموعد آخر.

هذه الأمسية الأدبية الحضاريّة أعادتني إلى سنوات بعيدة حيث كان الأدبُ يحتلّ الإهتمامَ الرئيسي في حياة جمهورنا الواسع، وكانت القصيدةُ أو القصة أو المقالةُ التي تُنشَرُ أو تُلقى تجدُ صَداها وتأثيرَها الواسع، والأمسيةُ الأدبية تُجَمّعُ العشرات وفي أكثر الحالات المئات.

خلال الأمسية كنتُ أتابعُ الكلمات بشغَفٍ وأتنقّلُ بنظري بين الوجوه المُجتمعة وأنا سعيد بأنّ للأدب مُحبّيه وجمهورَه، وأنّ هذه الوجوه الشابّة الصغيرة تجتمعُ لتُتابعَ الطريق. ووجدتُ نفسي مشدودة لأصحاب الوجوه الذين عَرفناهم في أوّل درب تَفتّحهم على الأدب، وقد اشتدّ عودُهم الآن، كيف كنّا نفرحُ بهم، ونُحاول شدّ أزْرهم، وتَعميق رُؤْياهم، وتَجنيدهم ليكونوا في صفّ الكلمة الهادفة الساعية لرَسم الحلم والعَمل لخَلق العالم الأجمل.

حاولتُ في كلمتي التي ألقَيْتُها في الأمسية أنْ أعودَ ببعضهم إلى سنوات السبعين والثمانين عندما كان الأدبُ سلاحَنا الحادّ والقاطع في معركة جماهيرنا العربية لرَفع صوتنا عاليا ضدّ الظلم والتمييز والراسم حلمنا في عالم الحريّة والمساواة والاشتراكية والاستقلال والعدالة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكيف كانت معركتُنا غيرُ المُهادِنة ضدّ تَحْييد الأدب عن المعارك، فالأدبُ الذي نادينا به وسعَيْنا إليه هو الأدب الهادف الملتزم الثوري، ورفضنا كلَّ الدعوات الجماليّة الداعية لتحييد الأدب وتَعليبه ضمن جماليته في بُرجه العاجي.

وذكّرتُ معين حاطوم المُحْتَفى به الآن بتلك الأيام التي فرحنا به وبزملائه الشباب المندفعين نحو الإبداع الأدبي شعرا ونثرا، وكيف رأينا بهم الأملَ لتحطيم قيود سَلاطين السلطة على العرب يومها، أمثال أبا حوشي ونسيبه أمنون لين، وذكّرته بأنه الوحيد يومها الذي رفض دعوتَنا، واحتفظَ بكتابته الحالمة الجميلة. وقرأتُ فقرتَين من المقالة النقدية التي كتبتُها يومها حول قصته "وجه الطفل العابس".

الأولى: " يصوّر معين مأساةَ الانسان الحاضر بقوله: إنّ هذا الانسان لن يحققَ أحلامَه، ولن يجدَ الطمأنينةَ، سيظلّ يُعاني القلقَ والألمَ، وسيظلّ في مكانه لا يستطيعُ تَبديلَه طالما بقيت المادّةُ هي المسَيطرة في هذا العالم، لأنّ السعادةَ الحقيقيّة لا تقبلُ العيشّ في منطقة الحيوانات الشرسة".

والفقرة الثانية التي حدّدْتُ فيها تَوجّهَ معين، وانتقادي له، وعدَم موافقتي بقولي: " سيمفسردية معين حاطوم "وجه الطفل العابس" ليست أكثرَ من محاولة جديدة في أدبنا المحلي، مُكتسبة الكثير من تجاربَ شعراء عَبْرَ الحدود، محاولة تزخرُ بالعُمق الفكري وسُموّه، وحَسْب معين الآن أنّه الوجهُ البارزُ لهذا الاتجاه الباحث عن المثاليّة في أدبنا المحلي، رغم رفضي الأكيد للتستر وراء المثالية، والتقَوقع داخلَ عالم خيالي نخلقُه في وقت نُعاني واقعَ الانسحاق وفقدان الهويّة الأصليّة، والذي أرجوه، رغم إيماني بحريّة الكاتب في اختيار اتجاهه وأسلوبه، أنْ يُحاولَ معين، في أعماله القادمة، ربطَ الواقع بعالمه المثالي بشكل بارز يلمسه حتى القارئ المبتدئ".

وخلال السنوات الطويلة التي مرّت على كلماتي هذه التي كتبتها عن معين، تابعَ معين بصَمت، عطاءَه وإصداراته المُحلّقة في عالمه الإنسانيّ الخاص به بَعيدا عن الأضواء والضجّة، مُكتفيا بقَناعاته وحقائقه وصِدْق اختياراته، حتى كان إصدارُه الأخير لهذا الديوان الضخم الذي يُبلور بكل وضوح وعُمق وجمال إبداع معين المُتميّز الخَلاّق الذي جعلني أعترفُ له أمام كلّ الحاضرين في هذه الأمسية أنّه كان الصادقَ يومها في رفضه لدعوتنا له بالتزام طريقنا الأدبي، وأنّ شجاعتَه يومها في الرفض، وعدم انبهاره بالأضواء واعتلاء المنصات وتَصفيق الجماهير رغم محافظته على العَلاقات الحميميّة مع الجميع، ثمرتُها هي التي يُقدّمها لنا اليوم بهذا العطاء الإبداعي الخاص ويجعلنا نحتفل به.

راودتني الشكوك وأنا أقود سيارتي في طريق عودتي لبيتي في الرامة حول استيعاب الشباب والشابات من مبدعينا لما ذكّرْتُ به في سنوات السبعينات والثمانينات، وهل عنى لهم شيئا اسم أبا حوشي رئيس بلدية حيفا ونسيبه أمنون لين اللذَيْن تحكّما لسنوات بمصير جماهيرنا العربية وحدّدا السياسةَ العُنصرية ضدّنا! وهل رسمَ لهم خيالُهُم صورةَ حياتنا في تلك السنوات التي كانت الكلمةُ هي التي نُواجه بها خصومَنا، ونُدافع بها عن وجودنا، ونرسم أحلامَنا ورايتَنا، وتوصل العديدَ إلى غُرف التّحقيق وحتى السجن والفَصْل من العمل!؟

كانت ايقاعاتُ الكلمات الجميلة التي اخذتني في الأمسية الاحتفالية تدفعُ بي إلى عالم سحري جميل مُبْعدة بي عن مَخْزونِ الذكريات البَعيدة والهموم اليوميّة والقضايا الكبيرة. كانت كلمات معين تُغَرّد على شفَتيّ:

سكبَ المساءُ بين شفَتيْكِ/ خمرةَ الضّوْءِ/ وفي خُضرةِ عَيْنَيْكِ/ مزجَ الشّفقُ مفاتنَ العشقِ/ حُرّةٌ أنتِ يا صديقتي كالطّيْرِ/ وجارحٌ صَدُّكِ/ كمَخلَبِ النّسْرِ/ وأنا جريحٌ مُزْمن بِهواكِ/ فلا تُجْدي معَ القَلبِ/ وقايَةٌ ولا طبّ!.

ووجدتُ نفسي دونما إدراكٍ منّي أُردّدُ بفَرحٍ يُخالطُه الحزنُ الدّفين:

هنيئا لكم، يا كلَّ المبدعين من الشباب والشابات، حياتكم..

هنيئا لكم عالمكم..

هنيئا لكم أدبكم..

ومبروك لك يا صديقي معين

وألف تحيّة لكَ يا عزيزي تركي يا رئيسَ جمهورية وَرْقستان المحروسة.

 

نشرت في صحيفة "كل العرب"، الجمعة، 15 حزيران (يونيو) 2007

 

 

 
   

إذا أردت أن تصلك رسالة عند إضافة أي جديد للموقع، إضغط هنا

hSite Designed & Developed By: ADi